أن نتحدث عن لوحات فسيفسائية من الحجر هذا ليس بجديد، لكن أن نتحدث عن لوحات مصنوعة من الفسيفساء الخشبية وبلون الخشب الطبيعي فيه شيء من الغرابة وغير لمألوف، وهو الأسلوب الذي يتميز وينفرد به الفنان رؤوف بيطار من أبناء اللاذقية، الذي ير سم لوحاته ليس بالألوان والريشة التقليدية بل

من خلال تقطيع الخشب إلى مكعبات صغيرة بحجم 1سم 3 للحبة الواحدة ثم زرع ولصق تلك الحبيبات الخشبية الناتجة بمادة الغراء حسب الشكل المعد مسبقا على لوح لاتيه كبير من الخشب.

وفي لقاء معه قال كنت في البدايات أنفذ لوحات من الحجم الصغير لنباتات وزهور وعربات تجرها أحصنة وغيرها من المواضيع التي تتعلق بالبيئة، إلى أن شاهدت بالصدفة و منذ حوالي سبع سنوات برنامجاً على التلفزيون يحكي عن الآثار في سوريا، فلمعت في راسي فكرة تنفيذ لوحات على نفس المنوال ترتبط بالحضارات التي مرت على بلاد الشام .

لمة الحرية باللغة السومرية

صبر ودقة

لوحة تمثل الثورة الفرنسية.

ويضيف : جميع مراحل العمل تحتاج إلى الكثير من الدقة والتركيز والصبر ولكن أدقها وأخطرها هي عملية تقطيع الخشب ونشره إلى حبيبات صغيرة بحجم 1سم3 للقطعة الواحدة والتي تحتاج إلى طريقة خاصة و المزيد من الانتباه والحذر والدراية بمواصفات الخشب من حيث القوة والصلابة لأن أي خطأ قد تكون نتائجه مأساوية.

يتابع الخشب يتمتع بألوان عديدة تختلف حسب نوعيته ومصدره ولا تبدو بهذا التباين إلا حين توضع بجانب بعضها، فالزيتون يعطي لوناً بنياً يتخلله خطوط فاتحة، والتوت يجود بدرجات مختلفة من الأصفر حتى الرمادي الغامق، أما التفاح فلونه أصفر، الليمون يعطي الأصفر بدرجتين، أما الدلب فينتج الأبيض والرمادي، بالإضافة لألوان أخرى كالأحمر والقريب من الأسود لكن من أخشاب مستوردة وغيرها ...

الآلهة المرضعة

توثيق تاريخي

أما مرحلة التنفيذ فتبدأ برسم اللوحة أو تصويرها بالحجم المطلوب وتثبيتها على لوح خشبي من القطع الكبير، ممكن أن تفوق أطواله ( المتر والمتر والنصف ) بعد ذلك أقوم بزرع الحبيبات حبة حبة حسب خطوط وتفاصيل اللوحة دون استخدام أي ألوان مستفيداً فقط من لون الحببيبات الطبيعي نفسها، و أولى ثمار الخوض في إطار التوثيق التاريخي لبلاد الشام كانت لوحة "ملكي صادق" القرن الثالث ق.م وهو الذي أعطى الخبز والخمرة للنبي إبراهيم وتلك الصورة مأخوذة عن تمثال لهذه الشخصية كما تخيله أحد النحاتين العالميين من خلال دراسته لما كتب عنه، بعدها لوحة لشخصية نبوخذ نصر قياسها ( 120 ×120) سم والموجودة على قطعة نقدية وحيدة في أحد المتاحف الألمانية، لوحة لكلمة أمارغي (3800 حبة ) والتي تعني باللغة السومرية الحرية، اكتشفت على حجر طيني وكتبت بالأحرف المسمارية، يعود تاريخها إلى 2380 ق.م، و تعد أول ثورة إصلاحية في التاريخ السوري قام بها أوركاجينا حاكم مملكة لكش السومرية، لوحة لأسطورة " كيف سميت أوروبا " والمؤلفة من 20750 حبة وتحكي قصة أوروبا بنت أجينور ملك فينيقيا في صور حين يراها زيوس كبير الآلهة في الإغريق فيعجب بها ويتحول إلى ثور أبيض ليخطفها، فيخرج أخوها قدموس للبحث عنها وخلال رحلته ينقل الأبجدية إلى السواحل الجنوبية لما يعرف الآن أوروبا، ويؤسس هنالك مراكز تجارية منها مدينة طيبة في اليونان، وتكريماً لأوروبا المرأة والتي يعود لها السبب في نقل الأبجدية سميت أوروبا القارة باسمها.

ومن بين الأعمال الأخرى زنوبيا (4000 حبة )، أسار حدون ( 12 ألف حبة )، سرجون الأكادي( 4950 )، سيليكوس نيكتور، جلجامش ( 11600 حبة )، الآلهة الأم المرضع، حمورابي وملاكه الحارس ( 12300 حبة ن أشور بانيبال (9200 حبة )، ولوحة تمثل الثورة الفرنسية (19200 حبة) بالإضافة للعديد من اللوحات لا مجال لذكرها

حلم ..

وفي سؤال حول المصدر الذي يستقي منه المواضيع أجاب بأنه يكن كل الفضل والعرفان للكاتب والباحث التاريخي في المثولوجيا السورية الدكتور وديع بشور لأنه كان المنبع الأساسي في تأمين الصور المتعلقة بتاريخ الحضارات التي مرت على المنطقة وفي تقديم الخلفية التاريخية والدراسة التحليلية لصور الشخصيات التي قام بتنفيذها، ويأمل ممن يستطيع مساعدته في تأمين المزيد من الصور التاريخية لتنفيذ عدد أكبر من اللوحات التي تحكي قصة الحضارات التي مرت على المنطقة وما قدمته للعالم لكي يحقق حلمه في إقامة معرض كبير تحت عنوان " اعرف بلادك منذ آلاف السنين " ويحكي من خلاله تاريخ المنطقة .

أعمال أخرى

كما قام بالعديد من الأعمال الأخرى كأعمال ديكورية لكنيسة اللاتين باللاذقية بنفس إسلوب الفسيفساء الخشبية، وأعمال تندرج تعت عنوان خراطة الخشب لصنع أشكال فنية وتزينيه من شمعدانات وزهريات وعلب لحفظ البخور ودلاكات طبية مختلفة الأشكال والأحجام والوظائف وبعض الأدوات المنزلية .