هو أحد شواهد التاريخ.. بقايا حجارته تذكرنا بأصالة الماضي وعراقته.. كل زقاق فيه يُسمعك لحنا من ألحان البادية السورية سكنه العظماء ومازالت أرواحهم تسكن فيه تزيد من عظمة المكان إجلالا ورهبة.
إلى الشمال الشرقي من مدينة حماة مسافة 58 كم تقع الأطلال الأثرية التي تعرف باسم قصر ابن وردان وهي عبارة عن ثلاثة أبنية كبيرة تضم قصرا وكنيسة وثكنة عسكرية، فقد أشار المهندس مرهف أرحيم مدير السياحة في حماة إلى أن هذا المجمع بني في الربع الأخير من القرن السادس الميلادي والمرجح أنه كان مقرا عسكريا للحامية البيزنطية على خط الدفاع الثاني في فترة الحروب مع الإمبراطورية الفارسية الساسانية، إن القصر الذي يحتل الجهة الشمالية من المجمع هو عبارة عن بناء مستطيل الشكل ضلعه الطويل في الطرف الجنوبي تتوسطه بوابة مبنية من الحجر البازلتي المنحوت بنعومة ودقة وتزينها الزخارف النباتية حيث نرى نبات الكرمة المتسلق على حجارة البوابة الخارج من أنية تشبه المزهرية ويعلو البوابة "ساكف" بازلتي ضخم عليه كتابة تؤرخ للبناء باللغة اليونانية وتتميز الواجهة الجنوبية للقصر بفتحاتها ذات العقود الدائرية من الأجر و"الساكف" المعترض من البازلت وقد اتبع أسلوب التناوب بين "المداميك" البازلتية والآجر في البناء ليعطي أول شكل معروف من نمط " الأبلق " الذي أصبح فيما بعد مميزا للعمارة السورية، أما السبب الإنشائي لذلك فهو إكساب المبنى المقاومة المطلوبة لمقاومة الزلازل التي كانت تضرب المنطقة من حين لآخر وهو ذات الأسلوب الذي اتبع في بناء مدينة "الاندرين " التي تبعد حوالي 25 كم من المكان إلى الشمال الشرقي، وبعد الدخول من البوابة نصل إلى سرداب مقبب بسقف معقود بشكل اسطواني يتجه شمالا يتقاطع سرداب آخر مبني بنفس الأسلوب يتجه شرقا تتوزع عليه مجموعة من الغرف والفراغات وقد استخدم الآجر المشوي في كل السقوف بسبب خفة وزنه وسهولة استعماله وقد بني على هذا الجناح طابقا ثانيا على نفس المخطط ولكن أضيف استخدام الحجر الكلسي الطري على النوافذ والفتحات في هذا الطابق، وبعد المرور من البوابة والسرداب نصل إلى الباحة ذات البلاط البازلتي التي تصطف حولها ثلاثة أجنحة أخرى، فالشرقي منها مخصص للمخازن وآبار المياه والجنوبي فيه غرف للأعلاف ومرابط للخيل والجناح الغربي ذو الطابقين أيضا فيه بعض الغرف في الطابق الأرضي الذي يلاحظ أن أرضيته كانت مكسوة بالموزاييك الكلسي ذي الحبة الكبيرة 2.5 سم ويصعد إلى الطابق الثاني عبر عدة أدراج مبنية من القرميد بشكل دائري، وقد تم ترميم هذا المبنى في ثمانينيات القرن الماضي بإشراف المديرية العامة للآثار والمتاحف الأمر الذي أظهر جماليات هذا المكان وروعته كمثال عن الفن السوري في تلك الفترة، وأما الكنيسة فتقع إلى الغرب من القصر ببضعة أمتار وهي مستطيلة الشكل اتبع في إنشائها نفس الأسلوب المتناوب بين البازلت والآجر ونلاحظ وجود الرواق المعمد في الجناح الشمالي من الكنيسة مقابلا للمدخل الجنوبي حيث يرتفع الرواق على أعمدة كلسية تحمل تيجانا مزخرفة بزخارف نباتية تحمل شرفة كانت مخصصة للحضور النسائي, وتعلو الكنيسة بقايا قبة ضخمة من الآجر تحملها عقود متراكبة تبدأ بأربعة عقود في الأسفل تحمل ثمانية من ثم ينقسم المستوى الأعلى إلى ستة عشر قوسا التي تشكل الأساس الذي يحمل القبة الضخمة على النمط الذي كان متبعا في فترة الإمبراطور " جوستنيان ", وكما يمكن مقارنتها بقبة كنيسة " آيا صوفيا " في اسطنبول ويبدو أن هذه الكنيسة كانت مزينة بشكل مترف بالموزاييك الزجاجي الناعم الذي كان يغطي الجدران والأسقف المعقودة والذي تظهر بقاياه في غير مكان منها، وأما الثكنة العسكرية التي تقع إلى الجنوب من القصر فهي على شكل مربع وربما كانت تماثل الحصن العسكري الذي في " الأندرين " وكانت تتسع لـ 2000 جندي وهي بحاجة لأعمال تنقيب للكشف عن مخططها ونظامها العسكري الأمر الذي يجعل من هذا الموقع واحدا من المواقع المتفردة في سورية والمنطقة عموما.
هذه هي آثارنا السورية قصة مجد لا ينتهي آثار تجمع بين العراقة والتفرد.
