مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، تبدأ ملامح الفرح بالظهور في أحياء المدن والبلدات السورية، حيث تتحول الشرفات والمداخل ونوافذ المنازل إلى لوحات مضيئة تتدلى منها الفوانيس والهلالات وحبال الأضواء الملونة ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار مستلزمات الزينة، ما يزال السوريون يتمسكون بهذه العادة بوصفها طقساً اجتماعياً وثقافياً يرمز للكرم والبهجة ويعكس خصوصية الشهر الكريم

طقوس روحانية تتجدد

يُعدّ تزيين المنازل من أبرز مظاهر استقبال رمضان في سوريا، إذ تحرص العائلات على إضفاء أجواء روحانية دافئة تميّز هذا الشهر عن سائر أيام العام وتتنوع مظاهر الزينة بين الفوانيس التقليدية النحاسية والخشبية، والهلالات، والنجوم المضيئة، إضافة إلى الحبال الضوئية التي تزيّن الشرفات والأسطح ومداخل الأبنية، فضلاً عن الزينة اليدوية التي تصنعها الأسر في منازلها.

وتقول أمل عمر (61 عاماً)، ناشطة مجتمعية، إن الزينة ليست مجرد مظهر احتفالي، بل “جزء من الطقوس الرمضانية التي تضفي طابعاً روحانياً خاصاً على الشهر” وتضيف: “الاهتمام بتزيين المنزل يزرع بهجة في قلوب الأطفال تحديداً، فهم يعشقون تفاصيل رمضان وينتظرونه من عام إلى آخر، والزينة تجعلهم يشعرون بخصوصية هذه الأيام”.

اشكال متنوعة من زينة البيوت في رمضان

وترى عمر أن الفانوس يظل الرمز الأبرز للشهر المبارك، موضحةً أن الفوانيس تُصنع من المعدن أو الزجاج أو الورق، ولها تصاميم متعددة تُستخدم داخل المنازل أو كزينة خارجية كما تشير إلى أن سجادات الصلاة، إلى جانب دورها العبادي، تتحول في كثير من البيوت إلى عنصر زخرفي يعزز الطابع الروحي للمكان.

مساحة للبهجة

وتتابع عمر حديها قائلة: لا يقتصر الاهتمام على تزيين الجدران والشرفات، بل يمتد إلى مائدة الإفطار التي تحرص بعض السيدات على تحويلها إلى مساحة احتفالية، من خلال استخدام مفارش وأطباق ومناديل مزينة بزخارف رمضانية، وإضافة الشموع أو الإضاءة الخافتة التي تحمل أنماطاً إسلامية.

تتوفر الزينة في الأسواق الشعبية

هذا التنوع يعكس تطوراً في أشكال الزينة مقارنة بالماضي، كما توضح ساميا شحادة (70 عاماً)، ربة منزل، التي تقول إن مظاهر الزينة “كانت في السابق تقتصر على فانوس بسيط وبعض المطبوعات الورقية التي تحمل عبارات رمضانية، أما اليوم فقد تطورت لتشمل الأضواء الملونة والمجسمات واللوحات المضيئة، وأصبحت لها أسواق وماركات خاصة وتباع بأسعار مرتفعة”.

بين الغلاء والعمل اليدوي

ورغم هذا التطور، يواجه كثير من العائلات تحدياً يتمثل في ارتفاع أسعار الزينة. ويؤكد مهند الترك، موظف، أن الأولويات المعيشية تدفع الكثيرين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة ويقول: “نتشارك أنا وأسرتي تحضير زينة رمضان بأدوات بسيطة في منزلنا، في طقس رمضاني ينتظره أطفالي كل عام ضمن أجواء من السعادة والفرح”.

الباحثة أمل عمر

ويضيف: “هناك ارتفاع في أسعار زينة رمضان، ولدينا أولويات معيشية، لذلك يكون البديل الاعتماد على العمل اليدوي الذي لا يكلف كثيراً، بل يشجع الأطفال على الصيام ويعكس خصوصية الشهر الكريم” ونستخدم الورقيات الملونة، والأقمشة البسيطة، والأدوات المعاد تدويرها، مواد أساسية في صناعة زينة منزلية تعوّض عن شراء المنتجات الجاهزة.

وهناك محال متخصصة ببيع الزينة في الأسواق التجارية المعروفة فيما تدخل الأسواق الشعبية،على خط المنافسة حيث تتوزع البسطات التي تعرض أصنافاً متعددة من الزينة، من الفوانيس النحاسية ذات الطابع الدمشقي القديم إلى النماذج البلاستيكية المستوردة الأقل سعراً.

ويقول بلال، صاحب بسطة لبيع زينة رمضان، إن الحركة “مقبولة مقارنة بالسنوات السابقة”، مشيراً إلى وجود تنوع كبير في نماذج الزينة وأحجامها ويضيف أن الإقبال يتركز حالياً على حبال الأضواء الملونة والفوانيس بمختلف أحجامها، إضافة إلى اللوحات المضيئة التي تحمل عبارات الترحيب بالشهر الفضيل.

ويوضح أن الطلب يبدأ بالارتفاع قبل أيام من حلول رمضان، وأن الزبائن ينقسمون بين من يبحث عن السعر الأقل، وآخرين يفضلون الفوانيس النحاسية أو الزجاجية ذات الطابع التراثي، حتى وإن كانت أعلى ثمناً.

أكثر من زينة… ذاكرة جمعية

تحوّلت زينة البيوت في رمضان لدى السوريين من مجرد مظاهر احتفالية إلى طقس اجتماعي يعكس تمسك الناس بتقاليدهم، وحرصهم على نشر أجواء الفرح، ولا سيما بين الأطفال فهي وسيلة لتعزيز الروابط الأسرية، وخلق ذكريات دافئة تتجدد كل عام، رغم التحديات الاقتصادية.

و تبدو هذه الأضواء الصغيرة المعلقة على الشرفات أكثر من مجرد زينة؛ إنها إعلان صامت عن استمرار الحياة، وتمسك العائلات بفرحها، وإصرارها على استقبال الشهر الكريم بما يليق بمكانته في الوجدان السوري.