الحكم والأمثال ما هي في الحقيقة سوى أداة تعريف ووصف لواقع أوجزه المنطق، إنها بحق اختصار للمعرفة واختزال للبيان ونتاج حضارات وعناوين لأفكار الشعوب وتاريخهم وفلسفاتهم... فما من مثل قيل إلا وله قصة أو واقعة ذات أهمية وفي سطورنا القادمة سنتعرف أكثر على بعض الأمثال التي ابتدعها أهالي "طرطوس" ريفا ومدينة وحتى جزيرة.
فبداية سطورنا ستكون في جزيرة "أرواد" التي التقينا فيها الريس "أحمد مرجان" الذي عرفنا على أمثالها قائلا: «هناك مثل يقول "رحت يا قلوط تعمل سفرة حتى تكيد الرجال رحت قلوط ورجعت قلوط والحمد لله عالسلامة" ويقال للذي تجول في البحار سعياً وراء الرزق وعاد خالي اليدين وهناك أيضا "أنت مسمر برونية ببرومتها" ويضرب للبحار المديون الذي لا مفر له من الحبس ولا يقدر على ترك العمل ولان عملنا في البحر فاغلب أمثالنا التي قالها أجدادنا تتعلق بالبحر فهناك "يا ريس وديني بلادي" ويضرب عندما يحن البحار إلى بلده مترجيا القبطان بالعودة».
سأعطيك مثلا أرواديا اجعليه نصب عينيك وعلميه لكل البنات الراغبات في الزواج "ابرمي عكا وأرواد ولا تأخذي رجل عنده أولاد"
ويكمل الريس "مرجان" رحلة الإبحار بنا في أمثال "أرواد" الشعبية فيقول: «"يا جزيرة أرواد اٍلك هامات مبنية" يضرب في مجال الافتخار وأيضا "جابوا السمك المؤنشح لأم الهموم تبشرو (تنظف الحراشف)" يضرب لصاحبة الهموم عند زيادة همها».
وتوقفت رحلة الإبحار في الأمثال لان الريس "مرجان" كان يقوم بإبحار في الذاكرة بحثا عن أمثال أخرى وحين هم بالاعتذار عن التذكر ورمي العتب على العمر استدرك قائلا: «بلى ما يزال هناك الأمثال التي قيلت في الريس ومنها "إذا ربطت بتصير ريس"، يضرب عند تحكيم العقل وعدم الإبحار أيام الأنواء و"الريس بيجيب الريح من قرونه" ويضرب في مجال المهارة والقيادة».
وبينما أهم بمغادرة منزل الريس "مرجان" نادتني زوجته السيدة "خديجة السيد" وقالت: «سأعطيك مثلا أرواديا اجعليه نصب عينيك وعلميه لكل البنات الراغبات في الزواج "ابرمي عكا وأرواد ولا تأخذي رجل عنده أولاد"».
وهكذا أخذت بنصيحة مثلها وغادرت الجزيرة إلى الريف في "طرطوس" وتحديدا إلى "الدريكيش" لأكمل لكم الإبحار في ذاكرة الأمثال الشعبية وهناك التقيت السيد "محسن محمد" الذي حدثني قائلا: «هناك بعض الأمثال المتداولة والتي ارتبطت بـ"الدريكيش" ومنها "العنزة الجربانة ما بتشرب إلا من رأس النبع" ويقال للناس المتكبرين وهم في الحقيقة قليلو الفهم وهناك "ما في اصعب من جهل الختيار وشوب الغيار ومطرة آذار" وهو واضح المعنى قاله أجدادنا الحكماء، وايضا "الشرط بالحقلة ولا القتال بالبيدر" وهو بمعنى المثل القائل "الذي أوله نور آخره سلامة"».
والى "الشيخ بدر" تبحر سفينتنا بين الأشجار والوديان لنلتقي الجدة "عليا سويقات" التي تحدثت عن الأمثال الشعبية في "الشيخ بدر" قائلة: «"الشيخ بدر" تشتهر بزيتها وكثرة زيتونها فهناك مثل لدينا يقول "كول زيت وانطح الحيط" وقد قيل هذا المثل كتعبير عن فائدة زيت الزيتون للجسد والصحة وهناك مثل يقول "أنا أمير وإنت أمير ومين بيسوق الحمير" ويقال لمن يترفع عن العمل بالأرض وهو يدل على التذكير بالواقع وضرورة العمل من اجل البقاء والحياة الكريمة».
ويتابع الحديث عن الامثال الشعبية في "الشيخ بدر" السيد "إبراهيم العلي" فيقول: «"خس زراع ولا تبيع من أرضك دراع" وهذا المثل يدل على أهمية الأرض بالنسبة للفلاح... وللفقر والعوز أمثاله التي تدعي للتفاؤل بالقادم وخصوصا في وقت الزواج فكما يقول المثل "أعط الصبية للشب والرزق عالرب"».
ومن "الشيخ بدر" إلى "القدموس" في مدينة "بانياس" تتابع سفينة الأمثال الشعبية الإبحار بنا لنلتقي السيد "علي جحجاح" الذي حدثنا قائلا عن الأمثال التي قالها أهالي "القدموس": «اعرف مثلين وأنا متأكد من أن أصلهما "قدموسي" الأول هو "ما بتجيا للدعتورة إلا باجرها المعقورة" أي ان يصاب المرء في الموضع الذي يؤلمه والمثل الثاني وهو نهفة فقد قاله احد سكان قرية "التناخة" في جرد "القدموس" فهذه القرية كانت تعاني من نقص في الخدمات وخصوصا انقطاع الكهرباء فيها فقال احد أهلها "اذا لمعت ببانياس انقطعت الكهربا بتناخة" أي انه إذا ألمعت السماء في "بانياس" فستتأثر "التناخة" وتنقطع فيها الكهرباء وأصبح هذا المثل ذائع السيط ويقال حتى في "طرطوس"».
والى "صافيتا" لنلتقي الباحث "محمود بشلاوي" الذي عشق الأمثال الشعبية وألف كتابا عنها بعنوان "الأمثال والحكم" وعن سبب اهتمامه بها يحدثنا: «ما من مثل قيل إلا وله قصة أو واقعة ذات أهمية أو حادثة ذات شأن صورها المثل وعبر عنها بكلمات مختصرة وعبارات موجزة فيعيد القائل قولها للإفادة منها والنصح فيها وكثيرا ما تكون الأمثال والحكم حاسمة لنقاش وخاتمة تكون الغلبة فيه لصاحب المثل الأقوى».
وهكذا وصلت سفينة الأمثال الشعبية ميناءنا أنزلتنا وتابعت تبحر في الزمن بحثا عن مواقف معاصرة ساخرة أو عفوية تصح أن تتحول أمثالا جديدة نضيفها للقديم ونهديها للآتي من الزمن وما أكثرها تلك المواقف وما اقل إدراكنا لها وما اشغلنا عن الانتباه إليها وبلورتها ببضع كلمات بسيطة عللها تكون زادا للحظات اليأس...
