«إذا حدث أنك التقيت في مدينة "الرقة" ـ وعلى سبيل الصدفة ـ برجل علمت أنه يعمل جراحاً، ثم ومن خلال حديثك معه لاحظت جزالة ألفاظه العربية، التي توحي بأنه قد يكون مدرساً لمادة اللغة العربية، وإذا اعتذر منك ليرد على مكالمة وردته من ولده الذي يعيش في الخارج، وسمعته يتكلم معه باللغة الإنكليزية بطلاقة تشعر معها بأنك أمام مدرس للغة الإنكليزية، فأعلم أنك تجلس مع رجل يدعى الدكتور "إبراهيم عليوي"».

هذا ما قاله الدكتور "أحمد العيسى" في معرض حديثه عن أستاذه الطبيب الجراح "إبراهيم عليوي".

إن هذا الحراك ما يزال خجولاً، وإن طرأ عليه تحسنٌ ملحوظ في السنوات الأخيرة، خاصة مع وجود المهرجانات الفنية والثقافية، والمحاضرات والندوات التي تقيمها مديرية الثقافة في "الرقة"، بالإضافة لوجود جريدة "الفرات" التي أحترمها وأحترم عدداً ممن يكتبون فيها، فأنا معجب بكتاباتهم وأتمنى لهم التطور والازدهار. وذات يومٍ سمعت في قناة "الجزيرة" قولاً لكاتب معروف قال: "القاهرة" تكتب و"بيروت" تطبع و"بغداد" تقرأ، وقد آلمني هذا الكلام وقلت في نفسي: قد يكون هذا الكاتب متعاطفاً مع بلده، فأين هي "دمشق" التي تعج بالأدباء والشعراء، وأين بقية المدن السورية، ومن بينها مدينة "الرشيد" التي احتضنت عدداً من الشعراء والروائيين الرائعين

موقع eRaqqa وبتاريخ (18/6/2009) زار الدكتور "العليوي" في عيادته الخاصة في مدينة "الرقة"، حيث راح يحدثنا عن بداياته الدراسية والظروف التي رافقتها، حيث يقول: «ولدت في قرية مزرعة "الصفصافة" التابعة لمحافظة "الرقة"، في عام /1955/م، حسب ما هو مسجل بالبطاقة الشخصية، وإن كان العمر الحقيقي ـ حسب رواية الوالد ـ يقل عن ذلك، حيث جرت العادة أن يسجل المولود بعد فترة من ولادته، قد تزيد أو تنقص حسبما يرى موظف السجل المدني.

المطالعة جزء من حياته اليومية

قرأت القرآن الكريم على يد شيخ فاضل في القرية ذاتها، وقد كنت متفوقاً على أقراني، ومن طرائف الأمور، أذكر أنه عند الوصول إلى سورة "المَسَد"، درجت العادة أن يكون طعام الغداء على حساب من يقرأ هذه السورة أولاً، وفي الحقيقة، كنت غالباً ما أجلب الخسارة لأهلي، وبعد ختم القرآن الكريم، جئت مكتوف اليدين إلى بيت أهلي، وزملائي من أولاد القرية ينشدون: يا برق شامي/ بلِّغ سلامي/ إلى محمد/ خير الأنام/، وبقيت مكتوف اليدين، إلى أن قام والدي بتوزيع الحلوى، وكانت فرحة كبيرة يومها.

ثم افتتحت مدرسة ابتدائية في القرية لأول مرة، فدخلت مع مجموعة من الأطفال، وبعد انتهاء الصف الأول، تقدم معلمنا ـ وكان من مدينة "حلب" ـ بكتاب إلى مدير التربية في مدينة "الرقة"، يطلب فيه الموافقة على ترفيعنا للصف الثالث، فوافق المدير يومها، وقد كانت الأمور في غاية البساطة، ولا تحتاج إلى التعقيدات الموجودة حالياً، ثم تابعنا دراستنا، ونلنا الشهادة الابتدائية، وكانت آخر دورة امتحانها مركزياً، ومن ثم درست الأول الإعدادي في إعدادية "أبي هريرة"، ثم انتقلت إلى إعدادية "سد الفرات" في مدينة "الثورة"، فنلت الشهادة الإعدادية، ثم الثانوية من ثانوية "جمال عبد الناصر" عام /1974/م، في مدينة "الثورة"، وقد افتتح والدي دكاناً عملت فيه من الصف الثالث الإعدادي حتى نهاية الثالث الثانوي العلمي، عانيت فيه الكثير من الصعاب، فقد كنت أستيقظ من الساعة الخامسة صباحاً، وأذهب مشياً على الأقدام من مزرعة "الصفصافة" إلى "الثورة"، مع مجموعة من زملائي، والعودة كانت كذلك، وقد كان الأمر مقبولاً في فصل الربيع، لكنها في فصل الشتاء كانت غاية في الصعوبة.

مع المحرر جاسم العيادة أثناء الحوار

وفي عام /1974/م، انتسبت إلى كلية الطب البشري بجامعة "حلب"، وتخرجت في الدورة الأولى عام /1980/م، حيث انتسبت للدراسات العليا اختصاص جراحة عامة، في مشفى "حلب" الجامعي الكبير، وتتلمذت على أيادٍ بيضاء لها كل التقدير والاحترام، وأخص بالشكر هنا أستاذي الدكتور "منذر بركات"، الذي لن أنسى فضله عليَّ ما حييت.

وقد كنت أطمح للسفر إلى أمريكا، وقد شجعني على ذلك الدكتور "حازم عطار"، وقدم لي كل النصح والإرشاد، لكن الظروف حالت دون تقديم الفحوص المطلوبة في الأردن وتركيا، وها أنا اليوم أوفرها لأولادي عسى الله أن يأخذ بأيديهم، فلدي أربعة أولاد أكبرهم "محمد" وقد أنهى دراسة الطب في جامعة "حلب"، وهو حالياً في ألمانيا بقصد الاختصاص، "منهل" أنهى دراسة طب الأسنان في جامعة "دمشق" وينوي السفر إلى ألمانيا، و"مهند" ما يزال يدرس الطب البشري في ألمانيا، و"روان" وهي طالبة في الثاني الإعدادي، وزوجتي مدرسة في جامعة "الفرات" في كلِّيتي التربية والعلوم ـ قسم اللغة الإنكليزية».

ويحدثنا "العليوي" عن الظروف التي رافقت بداية عمله بالجراحة في مدينة "الرقة"، بعد افتتاح عيادته الخاصة، منذ ما يزيد عن الربع قرن، حيث يقول: «أذكر أنه في نفس الأسبوع الذي افتتحت فيه العيادة، حضر لدي طفل مصاب "بفتق مختنق"، وقد كنت في مشفى "حلب" الجامعي معتاد على طاقم طبي معين، الأمر الذي أربكني لعدم وجود هذا الكادر المختص، فقمت على الفور بالاتصال بزميل أدى معي خدمة العلم، وهو الدكتور "صالح الخلف"، وطلبت منه ترتيب الأمور في مشفى "المشهداني" الخاص، وكذلك حضرت اختصاصية التخدير الدكتورة "عبلة السويد"، والحمد لله أجريت العمل الجراحي بنجاح، ومن العمليات الأولى التي أجريتها في مدينة "الرقة"، وكانت تعتبر نادرة وخطيرة ولم يسبق إجرائها، عملية استئصال الغدة الدرقية، وما زلت أذكر اسم المريض وهو السيد "خالد أبو خشبة"، وقد نصحني غالبية زملائي بعدم المخاطرة بإجرائها، إلا أنني ـ وبفضل من الله ـ أجريتها وكانت من العمليات الناجحة، وتتابعت العمليات بعد ذلك.

وقد نهضت الجراحة في "الرقة" بعد أن حدث تقدم في الطب الجراحي والتخدير، وتجري فيها اليوم كل العمليات التي تجري في بقية المحافظات، خاصة مع ازدياد المشافي الخاصة والحكومية، و"الرقة" اليوم تضم العديد من الجراحين المميزين، وهي تضاهي غيرها من المدن السورية من حيث نوعية العمليات الجراحية، أو من حيث توفر الكوادر الطبية والفنية ذات الكفاءة العالية، وقد همس في أذني أستاذي الدكتور "منذر بركات" ذات يوم، وهو يقيم في مدينة "حلب"، مؤكداً لي أن عدد مرضى الجراحة من محافظة "الرقة" قد تدنى كثيراً، حيث أن أغلبهم كان يقصد "حلب" لإجراء العمليات الجراحية».

ولدى سؤاله عن الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة للمواطنين، عبر المشافي العامة والمراكز الصحية ودور الرعاية الصحية، أجاب قائلاً: «تنفق الدولة بسخاء على الخدمات الصحية والتعليمية، وهذا يشهد له القاصي والداني، والتوسع بشكل أفقي وعمودي، لكن في الواقع المردود أقل مما هو مطلوب، على الرغم من كثرة المشافي، ودور الرعاية الصحية الأولية والمراكز الصحية، فهناك نقص شديد بعدد الأطباء المقيمين والكادر التمريضي، الأمر الذي يؤدي لانعكاسات سيئة على العملية الصحية، علاوة على ذلك أن الأطباء الاختصاصيين سواء في مشافي الصحة، أو التعليم العالي لا يتقاضون رواتبَ مجزية، وما دام الطبيب الاختصاصي يعمل في العيادة الخاصة والمشافي الحكومية، فالبحث العلمي لن يحظى بالاهتمام الكافي.

وأنا أقترح أن يكون هناك فصل تام بين القطاع الخاص (العيادة الخاصة) والمشافي الحكومية، أو أن تكون المشافي الحكومية مأجورة بالحد الأدنى، وقد أعجني قول للدكتور "محمود السيد" عندما كان وزيراً للتربية، حيث يقول: اثنان لا يعطيان إلا إذا أُكرما المعلم والطبيب».

وعن علاقته الحميمة باللغتين العربية والإنكليزية، يحدثنا "العليوي": «اللغة العربية هي اللغة الأم بالنسبة لي، كيف لا؟ وأنا أحفظ القرآن قبل دخولي المدرسة، وكم أُطرب لدى سماعي لأديب أو كاتب أو إمامٍ يتحدث باللغة العربية الفصحى، تلك اللغة المطواعة والزاخرة بتراكيب ومفردات تعجز عنها أية لغة أخرى، وأكثر ما يزعجني هو اللحن في هذه اللغة، خاصة ممن يعتلون المنابر بكافة أنواعها.

وأنا أحفظ الكثير من الشعر بكافة أنواعه قديمه وحديثه، ولا أعتقد أن هناك خوف على اللغة العربية من الضياع، ويبدو أن سورية تنبهت قبل غيرها للحفاظ على اللغة العربية، من خلال تشكيل لجان تمكين اللغة العربية في المحافظات.

أم لغتي الثانية، فهي الإنكليزية، وأن أحبها كثيراً، وبحكم سفري المتكرر خارج سورية، تعلمتها بطلاقة، وأنا أقرأ الكتب، وأتابع نشرات الأخبار والبرامج الأخرى باللغة الإنكليزية، وكافة أفراد الأسرة يجيدونها، وقد ساعد على ذلك أيضاً أن زوجتي تدرس اللغة الإنكليزية في جامعة "الفرات"»

وعن رأيه بالحراك الثقافي الذي تشهده مدينة "الرقة" في السنوات الأخيرة، يقول: «إن هذا الحراك ما يزال خجولاً، وإن طرأ عليه تحسنٌ ملحوظ في السنوات الأخيرة، خاصة مع وجود المهرجانات الفنية والثقافية، والمحاضرات والندوات التي تقيمها مديرية الثقافة في "الرقة"، بالإضافة لوجود جريدة "الفرات" التي أحترمها وأحترم عدداً ممن يكتبون فيها، فأنا معجب بكتاباتهم وأتمنى لهم التطور والازدهار.

وذات يومٍ سمعت في قناة "الجزيرة" قولاً لكاتب معروف قال: "القاهرة" تكتب و"بيروت" تطبع و"بغداد" تقرأ، وقد آلمني هذا الكلام وقلت في نفسي: قد يكون هذا الكاتب متعاطفاً مع بلده، فأين هي "دمشق" التي تعج بالأدباء والشعراء، وأين بقية المدن السورية، ومن بينها مدينة "الرشيد" التي احتضنت عدداً من الشعراء والروائيين الرائعين».