"فادي خطاب"بين الأسود والأبيض حقيقة حائرة

هيسم شملوني

يخوض الفنان "فادي خطاب" تجربته في التصوير الضوئي من خلال رحلة البحث في الذات الإنسانية وتجلياتها في المكان، لتكون المدينة هي الأثر الأبرز للفعل الإنساني، ويأتي الزمن ليلقي بظلاله على المكان والإنسان ويفعل فعله تاركاً أثراً يصعب إزالته وكأنه ترجمة للقول المأثور"لا يصلح العطار ما أفسده الدهر"، وقد تناول "فادي خطاب" في معرضه الأخير "زفرات" حالات إنسانية صعبة ولكنها تسعى لتغير واقعها  من خلال حالة الكد والعمل وبعيداً عن طلب الحاجة، في سعي لتأكيد قيمة العمل في حياة الإنسان، رغم القسوة التي ظهرت في اللقطات إلا أن هناك محفزات لأمل موجود ظهرت في مساحات داخل عدد منها، أما تناوله للمكان فقد أخذ بعداً موازياً لذات البعد الذي تناول فيه الوجوه ومرارة الزمان، التي خلفت أخاديد في الوجوه والجدران والأبواب والشبابيك، بذات الطريقة وكأن الزمن استخدم نفس الأداة في حفر الأخاديد، وكأنه أراد أن يقول لا فرق عنده بين الإنسان والمكان بكل مكوناته ومحتوياته.  كل ذلك بدا جلياً من خلال أعمال الفنان في معرضه الذي سبق أن أقيم في مركز "يلا شباب" في مخيم اليرموك- دمشق في 30/9/2010.

 

بداية التصوير الضوئي عنده كانت مع بداية تشكل الوعي لديه، وقد كان هناك حالة عاطفية وجدانية، هي أن كان له عم استشهد وهو يصور العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 1982، والمفارقة بأنه استطاع أن يلتقط لحظة موته حين صور الصاروخ الذي أطلقته الطائرة المعادية نحو الموقع الموجود فيه، واللقطات التي صوره إياها عمه في طفولته لا تزال موجودة عنده (هو الوحيد الذي صوره في طفولته المبكرة)، ويعتقد "فادي" أن هناك مورثات جينية خاصة تربطه بعمه حيث أنه الأكثر شبهاً به من حيث الشكل وبعض الاهتمامات. وتطورت الحالة عند "فادي" في طفولته حيث بدأ يهتم باللقطات التي يشاهدها حول أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى والتي اندلعت شرارتها في أواخر عام 1987، فكان يقص الصور التي يشعر أنها مميزة ويجمعها في دفاتر خاصة، فكانت هذه هي البداية الحقيقية لتدريب العين عنده، ولتشكل الوعي البصري الذي قاده إلى امتلاك كاميرا في سن مبكرة لتطبيق هذه الثقافة البصرية بشكل واقعي وكان وقتها في الرابعة عشر من عمره.

كل ذلك جعل "فادي" يقف أمام كيفية تعاطيه مع موضوعات الصورة، فهناك حالات يفرض الموضوع ذاته على اللقطة وذلك حين تلتقط عينه حالة هي ابنة الزمان والمكان المحددين، وهناك حالة أخرى وهي التي يسعى إليها استناداً لرؤيته للأشياء وفلسفته في الحياة، فهو في الوقت الحالي مثلاً يشتغل على موضوعة "المناور" الموجودة ضمن الأبنية الإسمنتية، فالمنور هو فسحة للتهوية، وللضوء والأمل، لكنه في هذه الكتل الإسمنتية تحول في معظمها إلى مستوطنة للحشرات والقوارض وهذا ما استفزه للعمل على هذا الموضوع.

 

 قدم "فادي" صيغاً لإدانة المدينة التي يعشقها، وكيف وصلت إلى هذه الحالة، بعد أن كانت عبارة عن كتل مجبولة من مشاعر وطين وفخاريات تزنرها الغوطة، وتحولت إلى كتل إسمنتية صماء لا روح لها. ربما هذا ما جذبه إلى الموضوعات البائسة أكثر، ومرد ذلك إلى الانكسارات المتكررة التي تحيط بنا ونعيشها فيها منذ عقود، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي. رغم أنه يتفق مع مقولة أن المبدع يحمل نبوءات المستقبل ويسعى بالانتقال بالواقع إلى غد أفضل بالشكل العام، لكنه يعتبر أن الفنان أو المبدع يعيش عذابات هذا الزمن الحاضر، وهذا الفهم أثر في اختياره للقطات التي تتحدث عن البؤس والشقاء الإنساني، ولكنه من رحم هذا البؤس يحاول الوصول إلى حالات فرح دائمة، لأن كل الوجوه التي التقطها تحمل دائماً البؤس ونقيضه، واللقطة عنده ليست إطاراً للضحية فيمكن أن تكون إطاراً للأمل أيضاً. لذا كانت مشاركاته في معارض التصوير الضوئي بالشكل العام بلقطات ذات طابع إنساني عام إضافة إلى بعض اللقطات الصحفية، التي تحمل قيمة أعلى من كونها صحفية وفقط، وهذا المشروع الأخير والذي هو موضوع معرضه "زفرات" جزء من إدانته للمدينة التي ترضى بأن يسكن بعض أبنائها الأرصفة، فهو حين يلتقط لقطات لأطفال يسكنون الأرصفة، أو لمعمرين يفترض بهم الراحة والاستجمام من أجل حسن الختام بدل الجلوس على قارعة الطريق، وتأتي لقطاته الصارخة في وجه المدينة التي أحب علها تتنبه أكثر لذاتها ولأبنائها لأن الوعي البصري المرتبط بالمكان عنده تشكل في أحضان هذه المدينة وفي أحيائها القديمة.

هناك من يقول إن المصور يطلق الحقيقة ويمضي، فالحقيقة لا تتقبل وجود الوسطية، ليأتي منطق الأبيض والأسود ويعلن منطق الحدية، يضاف إلى ذلك وقاره وحضوره وميله إلى التجلي والوضوح والاقتراب أكثر إلى ماهية الحقيقة من الألوان الأخرى كما يعتقد "فادي خطاب". فاللقطة عنده ليست لقطة توثيقية بل هي لحظة صراحة، أو ربما هي لحظة حقيقة، فالمصور كإنسان ربما لا يرغب بإظهار الحقيقة لأن هناك محاذير أو مخاوف تمنعه من حالة البوح، لكن اللقطة تقول الحقيقة دون أي اعتبار لأي زمان أو مكان ودون خوف من التغيير أو التزوير.

 

رغم أن هناك معاناة حقيقية عند المصورين الضوئيين في قضية تصنيفهم وتموضعهم في سلم الفنون التشكيلية، فعلى المستوى النخبوي يصنف المصور الضوئي فناناً، أما على المستوى العام فالمصور كأي مهنة أخرى بمفهوم "المصوراتي"، ويقول "فادي خطاب" على هذا الصعيد: «وللأسف أقول حتى وسائل الإعلام ووكالات الأنباء في البلد تعزز هذه الحالة، فلو حاولنا أن نستعرض الوضع المادي للمصورين الضوئيين نجده متدنياً، وللمقارنة أقول بأن أسعار اللقطات عندنا لا تتجاوز الـ100 ل.س للقطة الواحدة وفي أحسن الأحوال قد تصل إلى الـ150 ل.س، بينما اللقطة في أوروبة مثلاً قيمتها تحدد في مستوى الرسالة التي توصلها، وفي أسوء الأحوال لا يقل سعر اللقطة عن الـ60 يورو، واللقطة هي اللقطة!».

تأتي فكرة  المعرض "زفرات" والذي يختصر المخيم وما يعنيه له كإنسان أولاً، ليختصر الأمل، وتأتي الزفرة لتختصر الإحساس الأخير للولادة عنده، وهو يظن أننا بحاجة إلى ولادة جديدة رغبة في الانطلاق نحو واقع أفضل. كأن هناك نوع من التوثيق للوجوه التي تسكن الكتل الإسمنتية، والتي أعطت ساكنيها جزءاً من أخلاقياتها ومن طبيعتها، وقد كان له تعامل خاص مع لقطات الناس الذين يطأون ويسكنون الرصيف، لأن هناك إحساس عام بأن الرصيف يشكل مساحة الأمان لهم، لوقايتهم وحمايتهم، وفي بعض اللقطات صور "فادي" الرصيف من زاوية غير مألوفة وهي أنه اعتبر الرصيف مكاناً للانحدار ومساحة اللاأمان بالنسبة لهم.

الفنان "فادي" يعالج من خلال كاميرته قضايا إنسانية من اقتناص اللحظة المؤثرة في الوجوه والأماكن التي شاهدناها في لقطاته أو في الحالات التعبيرية لهذه اللقطات، لكن رغم ميله لتقدم الحزن إلا أنه يسعى في النهايات لتقديم الفرح كنتيجة، رغم أنه يضع المتلقي أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، رغم محاولته أن ينقل الفرح من خلال ما وراء هذا الحزن وهذه السوداوية البادية في بعض أعماله، أما المجموعة الملونة واستناداً لما شاهدناه من أعمال الفنان "فادي خطاب" فإن هناك اعتقاد أنه قادر على أن يكون فناناً تشكيلياً بامتياز من خلال عملية رصده للعلاقات اللونية التي ظهرت في العديد من اللقطات، وإن من يمتلك هذه الحساسية في النظر قادر على التعاطي معها بعد تدريب على سطح اللوحة.

الفنان التشكيلي "محمد بدر حمدان" قال في المعرض: «قدم الفنان رؤية لها خصوصيتها من خلال واقعيتها وتميزها من حيث كادر الصورة وموضوعها، فقد قدم احتمالات متعددة في تنفيذ الصورة الضوئية وكانت لديه مواضيع ذات أهمية تاريخية وآنية وكان الإنسان في معظم أعماله بطلاً حقيقياً للعمل الفني، كما كانت له تجربة مميزة في تقنيات التصوير الضوئي الحديثة».