سيمفونية القيامة ( الخورنق ) ليوسف الخطيب نموذجا ً

ضياء الصحناوي - السويداء

يقول الشاعر "نزار قباني": «في كل فن يوجد موهوبون ويوجد مزيفون، وفي الشعر التقليدي كما في شعر الحديث يوجد نسور تغطي أجنحتها وجه الشمس ويوجد هوام أجبن من أن يطير في وجه الشمس».

 لقد بات من المعروف بل المؤكد أن الإجادة في الشعر والإبداع فيه ليس مقسوما ً على أساس قدم الشكل الشعري الذي تتخذه القصيدة أو حداثتِـهِ، وإنما يكون الشاعر شاعرا ً برؤيته وأدواته الفنية وخصوصية تأليفه بين الكلمات والمعاني سواء كتب بالشكل القديم المعتمد على وحدة القافية والشطرين المتناظرين أم بالشكل الحديث المعتمد على وحدة القصيدة وعدد غير منتظم من التفعيلات ودونما تقيد بوحدة القافية.

ومن هنا يبرز اسم الشاعر "يوسف الخطيب" في واحدة من إبداعاته "سيمفونية القيامة"، حيث يقول الناقد "محمد طربيه": «إذا كانت أبرز عيوب الشكل الشعري القديم هي التكرار والنظم والخطابية والرتابة واستقلالية البيت ووحدة القافية فإن قصيدة "يوسف الخطيب" قد تخلصت إلى حد ٍ كبير من هذه العيوب كلها على هذا النحو أو ذاك بدءا ً من العروض والموسيقا مرورا ً بالمعاني والأفكار والطرائق الفنية وانتهاء ً بابتكار شكل يكاد يكون جديدا ً، ولقد وصفها الشاعر في مقدمة صغيرة بأنها قصيدة تأسيسية لما فوق الكلاسيكية مشيرا ً إلى أنها من الناحية العروضية على دائرة الطويل بمفتاح البسيط، ومن هنا فقد ابتعدت عن رتابة الموسيقا وتكرار القافية الموحدة بعد عدد محدد من التفعيلات كما في قوله:

أكلما وثن بالشرق هز عصا الطغيان أو نبحث كلابُه معشراً  سيقوا له غنما  

  إنا نسوق لك الأمثال عارية عري الفضيحة

             لا ينجيك من خجل إن قد تدرأت زيغ الطرف محتشما

أو كما في هذا المقطع حيث يقول :

                    لن تنجب الأرض ، لا أبَّـا ً ولا عنبا ً

ولا مخاضات أرحام الأسى غضيا ً، ولا بطون قفار الشرق سنبلة،

 توحد الله ما أثلامها بقيت أفواه

                             مسغبة يفغرن تحت سماء العقم شِدق ظما».

صحيح أن القصيدة مقفاة، ولكن القافية لا تأتي متكررة تكرارا ً دوريا ً رتيبا ً بل تأخذ مساحات أوسع من المعتاد والمقونن في القصيدة الكلاسيكية والتفعيلات مختلفة العدد بين سطر وسطر ومقطع ومقطع، وهكذا فقد تخلصت القصيدة من عيوب الرتابة والنظم والحشو. واستقلالية البيت التقليدي، بل أكثر من ذلك، إذ يمكن القول إن الشاعر قد وفـَّر لقصيدته نوعا ًمن التوازن بين الموسيقا الداخلية والموسيقا الخارجية، يقول الناقد رجاء النقاش: «إن الموسيقا الخارجية والنابعة من القافية الواحدة والألفاظ ذات الرنين الخاص وما إلى ذلك حالت في كثير من الأحيان بين الشعر القديم وبين توفير موسيقا داخلية تخاطب الوجدان والقلب قبل أن تخاطب الأذن».

ولعل هذا الوصف ينطبق إلى حد كبير على قصيدة "الخطيب"، إذ ليس هناك خفوت في الموسيقا كما في الكثير من قصائد الشعر الحديث، وليس هناك جلجلة خطابية مدوية كالتي اعتدناها في قصائد الشعر القديم بل ثمة نوع من التوازن في الموسيقا بحيث تـُسمع القصيدة بالأذن والقلب والعقل معا ً».

أما وحدة البيت والمباشرة وهما من العيوب التي تسم الشعر القديم فقد تخلصت منهما قصيدة "يوسف الخطيب" على نحو واضح وجلي، كما يؤكد "طربيه" عندما قال: «بالنسبة للمباشرة نجد أن القصيدة تنأى إلى حد بعيد عنها إذ تستعيض عن ذلك باستخدام الأساطير والرموز، ومثل ذلك تفعل الألفاظ والتعابير القرآنية والجاهلية التي تحفل بها القصيدة بدءا ً من عنوانها الثاني "الخورنق" قصر "النعمان اللخمي" المعروف حيث يعتصم كل حاكم عربي في خورنقه، وانتهاء بحشد كبير من الأساطير والرموز الدالة والشفافة والموظفة توظيفا ً فنيا ً كل في مكانها لتحقيق التأثير المطلوب في القلب والعقل معا ً، يقول في مقطعين متتالين: 

                           قل لن تقوم لكم في الدهر قائمة ما ظل سعيكمو

                      شتى ولن تصلوا يوما ً "عَمُورية ً" إن كل معتصم

                                                          في قصره اعتصما.  

ويقول في مقطعين آخرين:  قل للطبيب سُدى ما حكمة صاغها عطــَّـارة

                                      القات والأفيون قد نجعت .. لابد من كية ٍ

                                          تحكي الجحيم لظىً كي تبرى السقما

                                         

                    غفرانك الله قد أخرجت أمتنا للناس خير بني

                     الإنسان درب هدىً فلمْ رسمتَ على أقدارنا

                         زمرا ً من شر خلقك، لا إلاَّ رعوا بيننا

                                                    يوما ً ولا ذمما».

          أما بالنسبة لوحدة القصيدة فصحيح أن القصيدة مقسمة على مقاطع متعددة ولكن وحدة الموضوع والهم العام الذي تتحدث عنه ووحدة الرؤية تجعل من تلك المقاطع تنويعات مختلفة على وتر الموضوع الواحد الذي يلم أطراف القصيدة ويجمع مقاطعها وقد عبر الشاعر عن ذلك بقوله في مقدمتها: «لن أخاطبكم على الإطلاق بأية لغة غير مسكونة بل سأحاول لغة مزدحمة جدا ً بحضور الإنسان بأحفل ما في مكنوزه الروحي من استدراكات وإيحاءات ماضيا ً وحاضرا ً وحتى أقاصي الزمن».

على أن ذلك كله لا يعني بحال إدخال الأفكار بشكل خام ومباشر في القصيدة إذ أن الشاعر قد عبر عن إدراكه العميق لطبيعة الأدب والشعر خاصة وأهمية دوره غير المباشر في التأثير.

ولعل مما هو عميق الدلالة وبالغ الإشارة إلى وعي "الخطيب" أهمية إنجاز شكل فني يتخلص من عيوب الشكل الشعري القديم دون أن يغرق في تهويمات الحداثة وطلسماتها وغموضها أو يلهث وراء سرابها كما يقول هو ما ورد في تعقيبه على إحدى قصائده التي يضمها ديوان "واحة الجحيم" الصادر في بيروت في طبعته الأولى 1964 إذ يقول: «ما زلت أعتقد أن القصيدة الحرة ليست الشكل النهائي أمامنا للتجديد في الشعر العربي إن لم تكن الشكل الأقل شأنا ً في هذا المجال ففي قصيدتي (دمشق والزمن الردئ) حاولت أن أحرر الوحدة النغمية من حاجزين أولا ً من إسار القافية التقليدية، وثانيا ً من نشار البتر في القصيدة الحرة، وفي المقاطع الموصولة من هذه القصيدة توخيت الدفق النغمي على إطلاقه حتى يبلغ المقطع الواحد خمسين تفعيلة أو يزيد بدلا ً من التفعيلات الست التقليدية المحبوكة العجز والصدر وبدلا ً من أسطر القصيدة الحرة الممزقة الأطراف، وقد اعتمدت التقفية الداخلية ضمن المقطع الواحد لتخليصه من عيب الرتابة».

وهذا ما حاول فعله أيضا ً وبجدارة في قصيدته "سمفونية القيامة أو الخورنق" ونجح فيه إلى حد بعيد، وذلك من خلال المقاطع التي أوردناها معطيا ً الدليل على أن في القصيدة الكلاسيكية إمكانيات فنية متجددة حين تعالجها يد شاعر مبدع متمكن وذي موهبة ورؤية  مثل "يوسف الخطيب".