رحلة الكتابة من أور إلى أوغاريت (4)

لحظات ما قبل الكتابة: الأختام الأسطوانية (ح4)

كمال شاهين

من الواضح أن الكتابة بما هي تطور لاحق لنشوء اللغة، هي استجابة لزيادة حاجة الناس إلى تنظيم أمورهم الحياتية والاجتماعية والدينية، والأهم قبل هذه كله الاقتصادية بدءاً بتوثيق الاحتياجات والمتطلبات فيما بين التجار وصولاً إلى تسجيل الديون على ورق البردي مستخدمين إشارات مثلثة.

وبالطبع، إن الكتابة بما قدمته للبشرية مثلت سجلاً هائلاً لحراكها في صعودها نحو الحضارة بأشكال كثيرة، وهذه القصة مثلت أهم وأبرز تطور في تاريخ البشرية، ولم تضع لحد الآن النهايات الأكيدة لمن هو صاحب الفضل في هذا الاختراع، أهو فرد أم مجموعة أم أنه تطور الرموز تدريجياً نحو التجريد بعد أن كانت الصورة هي الأساس.

السومرية هي اللغة الأولى؟

إن ما قدمته الكشوف الأثرية حتى اليوم، يقف عند "السومريين" كمخترعين للكتابة في منطقة المشرق العربي والعالم، وتلقى هذه النظرية القبول أكثر من القول إنها ظهرت في شبه جزيرة سيناء، حيث يوضع تاريخ اختراع الكتابة في حدود منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد ([1]) في حين أن المكتشفات الأولى للكتابة السومرية تعود إلى ما قبل ذلك بحوالي خمسمائة عام تقريباً.

وقد شكل اسم "السومريين" إشكالية كبرى للعلماء، فالتطور التقني الكبير لحضارتهم ومن ثم اختفاءها فجأة، جعلا كثير من المختصين يصل لمرحلة التشكيك بوجود هذا الشعب، إلا أن الباحثين العرب ممن يعرفون المنطقة جدياً قدموا حلولاً لهذه المسألة، فقد انتهى الدكتور "نائل حنون" وهو باحث عراقي مختص بالسومريات بعد دراسة استمرت أربع سنوات، إلى تقديم فرضية مدعومة بالأدلة والوثائق الأثرية يقول فيها: "إن السومرية هي لغة كهنة المعابد الممنوعة على العامة الذين كانت لغتهم هي الأكادية، وهذه اللغة ليست دليلاً كافياً لوجود شعب حمل هذا الاسم، بل إن السومريين كشعب هي من مخترعات العلماء الغربيين الباحثين دوماً عن أصل خارجي للحضارة المشرقية العربية"([2]).

أياً يكن، فإن للسومرية كلغة بداية للتاريخ اللغوي للعالم (المكتوب على الأقل) دورها الثوري في التأسيس لما سمي لاحقاً "إمبراطوريات الكلمات"، وهذه الفكرة الثورية حقاً في قراءة تاريخنا القديم يمكن البناء عليها في تأكيد النسيج الحضاري الموحد للكتابة في المنطقة، فجميع الحضارات التي لحقت بذلك التاريخ كلها استخدمت الحرف المسماري، وهو من مخترعات الأكاديين إذا ما اقتنعنا مع الباحث "حنون" بالفكرة التي يقولها، فقد كانت الحروف الأولى للأكاديين مسمارية.

وقبل أن ننتقل إلى عرض تاريخي للتاريخ اللغوي في المشرق، فإن هناك ما يجب الانتباه إليه، وهو يشكل ثورة لا تقل أهمية عن اختراع الكتابة، ومن المؤكد أنه سبق اختراع الكتابة وتابع معها زمنياً الحضور حتى مطالع التوحيد المسيحي حيث انتقل إلى موقع الظل واختفى نهائياً من التاريخ المكتوب مع مطالع القرن الأول الميلادي، ونعني به "الأختام الأسطوانية".

الأختام الأسطوانية ولحظات ما قبل الكتابة:

بالتأكيد لا أحد يعرف من ابتدع هذه الفكرة العبقرية، ولكن الإشارات الأولى كما يقول الدكتور "شاكر مصطفى" في كتابه عن تلك الأختام وردت من حقبة الألف الرابعة قبل الميلاد، أي في الحقبة التي شهدت الاستقرار الزراعي الأولي في مناطق المشرق العربي ومنها منطقة وسط العراق وجنوبه، وسوريا الشمالية والساحلية، حيث بدأت بالظهور في معابد المدن التي بدأت بالنمو والازدهار  التجاري والزراعي، ويربط البعض بين ظهورها وهذا التطور الاقتصادي كأحد وسائل التعبير عن الحاجات الاقتصادية والدينية والتوثيقية لمشاهد تلك الحقب التاريخية، كما يذكر ذلك "سيتون للويد" في كتابه "الفن في الشرق الأدنى القديم"([3]).

الأشكال الأولى للأختام السومرية حملت إرهاصات ما سيكون لاحقاً مدارس متكاملة في شؤون هذا الفن، وقد حملت في رسوماتها الخيوط التعريفية الواضحة لديانات تلك المرحلة على سبيل المثال، كذلك المبادلات الاقتصادية والاحتفالات الشعبية، أعياد رأس السنة، طقوس الخصب والزراعة، وغير ذلك الكثير، وبحق، يمكن اعتبارها ثروة معرفية هائلة نقلت لنا مشاهد الحياة بحرفية ودقة عاليتين، ولذلك لا نستغرب أبداً القيمة المادية العالية لها وإصرار المتاحف الغربية على اقتنائها.

من أبرز الأختام الأسطوانية التي شكلت مفصلاً هاماً في تاريخ المنطقة، الأختام التي حملت مشاهد للحياة اليومية والطقسية لتلك الأيام، في مختلف الدول المشرقية، كما هو حال احتفالات بدء الربيع ورأس السنة (الأول من نيسان)، وطقوس الزواج والجنس المقدس، والمعارك الحربية، رحلات الصيد الملكية التي سجلت عليها أسماء الملوك، وهذه مهمة في معرفة هؤلاء وأسمائهم والمدد الزمنية التي حكموا فيها.

لقد قدمت لنا الأختام السومرية مثلاً أمراً لا زال لليوم مصدر نقاش علمي وتاريخي، هو عدد كواكب المجموعة الشمسية، التي ذكرت في الأختام بأنها اثني عشر كوكباً تدور حول الشمس، هذه الحقيقة العلمية اليوم (الكوكب الثاني عشر هو حزام الكويكبات بين زحل والمشتري، وقد تدمر لأمر ما كما يقول العلماء في حقبة غير معروفة بالدقة ـ يراجع في سبيل ذلك كتاب "الكوكب الثاني عشر" لزكريا ستيشن ـ غير مترجم إلى العربية)، كذلك من صواعق تلك الأختام أنها عرضت التركيب الوراثي للإنسان، أقله هذا ما يقول بعض العلماء الثقاة، في حين يتجنب آخرون الغوص في هذه المتاهة

وجدت الأختام في كل مناطق الحضارة المشرقية، من الشرق إلى الغرب، وصنعت من مواد مختلفة، كحجر الديرويت، والصوان، والرخام، والنحاس والبرونز، وشكلت لها كما يبدو ورش متخصصة ألحقت بالقصور الملكية كما في "أوغاريت"، حيث كانت ورش الكتابة على الألواح الطينية أيضاً، وشيوع استعمالها في المنطقة يدل على نشوء تجارة متكاملة بها، إضافة إلى أنها كانت من الأثاث الجنائزي لكل القادرين، وكانت من الأهمية بمكان أنها وجدت في كل مدافن الملوك في المنطقة.

نخلص هنا إلى أن الأختام كانت وسيلة نقل معرفية مبتكرة، فكونها أسطوانية الشكل أتاحت رسم مشاهد متنوعة ليس فقط للحياة بل وللأفكار التي جالت في رؤوس أولئك القوم، سواء كان مصدرها ديني أم حياتي، أم اقتصادي، وهناك آلاف الكتب التي تناولت هذه الأختام وبنت عليها نظريات علمية مهمة في تبيان التركيبة الحضارية المميزة لتلك الحضارات.


المراجع:

[1]
للمزيد من المعلومات أنظر "تاريخ الكتاب" الجزء الأول، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، عدد169، د.ألكسندر ستيبتشفيتش، ترجمة محمد الأرناؤوط

[2]د. نائل حنون، أصل السومريين، دمشق، 2007 وقد أثار الكتاب ضجة كبيرة خاصة بين صفوف المؤمنين بالنظرية العرقية بين آرية وسامية وحامية أولاد نوح حسب تقسيم شلوستر الألماني منذ القرن 18، وهو تقسيم يرفضه أغلب العلماء حالياً بحكم كونه مستند إلى التوراة التي تهاوت قيمتها التاريخية بعد اكتشافات العراق وسورية القرن العشرين.

[3]The Art of the Ancient Near East, Thomas and Hudson, Great Britannia,  1965, First Chapter and P.258