ثمانون عاماً قضاها الجد "عبد الكريم" في حاكورة منزله الصغير في قرية "بحيصيص" يزرع ويبني ويعتاش من جنى كفيه.

إن الحكمة الوحيدة التي ألفِها الجد "عبد الكريم داؤود" طوال حياته أغنته عن طلب الناس وحاجتهم في أبسط الأشياء، فالاكتفاء الذاتي الذي حققه على مدار عقوده الثمانية بنى له سعادة يحمد الله عليها كلما سار على قدميه، وهو ما أوضحه هذا الجد لمدونة وطن eSyria خلال لقائها به بتاريخ 15/4/2013 حيث قال: «منذ نشأتي اتخذت من العمل والجهد العضلي سراً لتحقيق ما أريده في ظل الفقر والضعف المادي الذي كنا نعيشه كمجتمع قروي، لأني وجدت فيه سعادة يمكن الوصول إليها وتحقيقها، إلا أن هذه السعادة لا يمكن أن تدوم وتستمر لتناسب مختلف جوانب وظروف الحياة المتبدلة باستمرار، وهذا ما جعلني أحتضن حكمة توفير القرش الأبيض لليوم الأسود.

لو أننا فعلنا كما فعل "عبد الكريم" باعتماده على الزراعة المنزلية لكانت أحوالنا الاجتماعية في القرية أفضل مما هي عليه الآن، حتى إننا على صعيد البناء كنا بنينا منازلنا كما فعل هو

وعندما لم أكن أضمن العمل لليوم التالي كانت تحتضنني حاكورة منزلي الصغيرة التي لا تزيد على /100/ متر مربع وأقل ربما، حيث لم أكن أهتم لمساحتها الصغيرة طالما هي قادرة على إنبات كل ما أزرعه فيها لتكون سندي وأساس معيشتي وبعدي عن حاجة الآخرين، فزرعت ومازلت أزرع فيها عدة شتول من الكوسا والباذنجان والخيار والبندورة واليقطين والمقتي، إضافة إلى شتول الحبوب من فول وفاصولياء وبازلاء وحمص وغيرها، لتكون وجباتي اليومية وأسرتي طازجة نظيفة خالية من مختلف المواد الكيماوية التي تتلقاها الخضار بشكل عام جراء التسميد والمكافحة، فأنا اعتمدت على السواد العربي كسماد ما جعل النباتات قوية ضد الأمراض، وهو ما انعكس على حالتي الصحية وجعلها بخير دائم ونشاط مستمر مكنني من متابعة العناية بهذه الحاكورة وحفرها وتنقية العشب منها وزراعتها كل عام حتى الآن، إضافة إلى أني أتجول في مختلف أرجاء القرية سيراً على الأقدام دون تعب، علماً أن أبناء جيلي لا يمكنهم القيام بهذا الآن، والسر في التغذية السليمة والعمل المستمر».

الجد "سليم جناد"

كل هذا العمل والنشاط كان في أوقات الفراغ من العمل الآخر الذي كان يتقنه الجد "عبد الكريم" وهو مهنة البناء، وهنا قال: «لقد أتقنت خلال مراحل حياتي الشبابية مهنة بناء المنازل الحجرية، هذه المهنة الصعبة والشاقة التي لم تلق من يعمل بها سوى قلة قليلة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة على مستوى المنطقة كلها، وأنا أصفها مهنة الصبر والذوق الرفيع، لأنه لا يمكن لمن لا يحب العمل أن يعمل بها ويتقن عمله فيها ويبني سمعه طيبة على مستوى المنطقة، ولكن بالنسبة لي كانت حياة أخرى أتمتع بها بعيداً عن عمل الحقل، لأن أدواتها الناقورة والخيط وموادها الأولية الحجارة الصخرية الصماء. وهذا ليس كل شيء، لأنها بحاجة إلى ساعد قوي وذوق في طريقة نقش الحجارة وتشذيبها لتناسب مكانها في كل دور من أدوار البناء، فهناك حجارة العتبة وحجارة الجوانب ولكلٍ منها طريقة نقش خاصة، وهذا ما يجعل من زمن بناء الغرفة الواحدة وقتاً طويلاً جداً قد يصل إلى حوالي الشهر».

وفي لقاء مع الجد "حسن عبد الحميد" حدثنا عن همة الجد "عبد الكريم" فقال: «رغم أن "عبد الكريم" صديقي منذ زمن بعيد لم أتمكن من مجاراته في العمل والمهارة وخاصة في زراعته لحاكورة منزله الصغيرة التي أبعدته عن زيارة الأسواق للتسوق، فيكاد يكون الوحيد في القرية المكتفي ذاتياً لأن همته على العمل عالية حتى اليوم. حتى إن خضاره ومزروعاته شهية الطعم وناجحة على الدوام، فأنا أتذوقها بين الحين والآخر».

إحدى الغرف التي بناها الجد "عبد الكريم"

أما الجد "سليم أحمد جناد" فقال: «لو أننا فعلنا كما فعل "عبد الكريم" باعتماده على الزراعة المنزلية لكانت أحوالنا الاجتماعية في القرية أفضل مما هي عليه الآن، حتى إننا على صعيد البناء كنا بنينا منازلنا كما فعل هو».

يشار إلى أن الجد "عبد الكريم إبراهيم داؤود" من مواليد عام /1936/ في قرية "بحيصيص" التي تبعد عن مدينة "الدريكيش" حوالي ستة عشر كيلومتراً.

جانب من القرية