أعواد ريحان في أسقف المنازل التراثية، ورؤوس بصل أيضاً، وأوراق غار في مياه الاستحمام والغسيل، وجميعها مدعاة للذكر الطيب والحماية والنظافة الشخصية وفق الطقوس والأعراف الاجتماعية في الريف الساحلي.

فلقد كان لعملية توظيف الروائح الناتجة من النباتات البرية والثمار الطبيعية المزروعة والمنتشرة في البيئة الريفية الساحلية، أهمية ودور كبير في الحياة الاجتماعية اليومية بالنسبة لأبناء الريف الساحلي، فسخروا الكثير من هذه الروائح لاحتياجاتهم اليومية، وهذا بحسب رأي السيد "محمد علي يوسف" من أبناء ريف مدينة "بانياس" عندما التقته مدونة وطن eSyria بتاريخ 5/5/2013، مشيراً بالقول: «كثيراً ما استخدمنا في منزل أسرتي القديم النباتات البرية لتزيين المنزل وتنشق الروائح العطرية منها بكون زيوتها العطرية فواحة، فقد كانت والدتي تعلق في سقف المنزل مجموعة من أعواد الريحان الرفيعة أو المبرعمة حديثاً، بعد أن تقوم بعملية جمعها من الطبيعة البرية.

أذكر أنني في وقت من الأوقات جمعت بعض ثمار البصل المزروعة في حاكورة المنزل وعرضتها لحرارة الشمس عدة أيام فقط لتبقى محافظة على هيكليتها البنيوية، ثم قمت بتعليقها في سقف المنزل لمنع الزواحف والحشرات من دخول المنزل، وهذا بعد أن أخبرتني والدتي بهذه العادة التي كانوا يستخدمونها في منازلهم في القديم من الزمن

حيث كانت تضمها مع بعضها بعضاً بقطعة قماشية رقيقة جداً تسمى "ناموسية"، وهذا لأمرين الأول منهما منع تساقط الأوراق من الأغصان بعد جفافها، والثاني أن هذه القطعة القماشية الرقيقة تتميز بثقوب كثيفة تسمح بعبور النسمات العطرية من خلالها عندما تكون الأوراق خضراء، وحتى بعد يباسها تبقى هذه الأوراق تعطي رائحة ذكية طالما انها مجتمعة مع بعضها بعضاً، ولكن بنسبة أقل منها وهي خضراء».

النباتات العطرية المجففة

أما السيدة "عدبا إبراهيم" فتحدثت عن بعض استخدامات النباتات البرية والمزروعة فقالت: «أذكر أنني في وقت من الأوقات جمعت بعض ثمار البصل المزروعة في حاكورة المنزل وعرضتها لحرارة الشمس عدة أيام فقط لتبقى محافظة على هيكليتها البنيوية، ثم قمت بتعليقها في سقف المنزل لمنع الزواحف والحشرات من دخول المنزل، وهذا بعد أن أخبرتني والدتي بهذه العادة التي كانوا يستخدمونها في منازلهم في القديم من الزمن».

وتتابع السيدة "عدبا" عن أهمية هذه الروائح في المنزل قائلة: «لم يكن لتوظيف هذه النباتات العطرية والثمار المزروعة في الحدائق المنزلية ضمن الحياة اليومية لأجدادنا الأهمية القليلة لما وجدوا فيها من فائدة كبيرة حصلوا عليها نتيجة التجربة المستمرة، فحياتهم اعتمدت بشكل عام على الطبيعة البرية بمختلف مكوناتها فوظفوها توظيفاً جيداً ودقيقاً، فمنهم أيضاً من أحب فيها التذكير والتنبيه للصلاة على النبي والتسبيح للخالق على هذه النعمة».

عتبات الأبواب التراثية

أما الجدة "عليا شداد" من ريف مدينة "بانياس" فأوضحت: «مع كل استنشاقة لهذه الروائح العطرية الطبية من الغار والريحان يذكر الإنسان ربه ويسبحه على طيب الرائحة، وأذكر أننا ضمن منزلنا القديم كنا في كل يوم نقوم بفرك أي "دعك" عتبة الباب الخارجي وحواف النوافذ بالبصل والثوم لتمتنع الحشرات والزواحف نتيجة استنشاق هذه الروائح من دخول المنزل، إضافة إلى أننا كنا عند مراحل غسيل الثياب نضع بعض أوراق الريحان في المياه خلال مرحلة تسخينها لتضفي رائحتها العطرية رائحة ذكية على الملابس بعد غسلها بها».

وفي لقاء مع الباحث التراثي "حسن اسماعيل" أكد قيمة هذه الروائح العطرية في الحياة اليومية والطقوس التراثية لأبناء الريف الساحلي، قائلاً: «لقد كان أجدادنا عند مرحلة الاستحمام يضعون بعض أوراق الغار العطري في المياه عند تسخينها لتضفي رائحة ذكية على أجسادهم بعد مرحلة الاستحمام، وهكذا يكونون قد وظفوا هذه الروائح العطرية للنباتات الطبيعية في حياتهم اليومية، إضافة إلى أن البعض منهم ممن اعتاد على النوم في فصل الصيف خارج المنزل على ما يسمى "العرزال"، كان يفركون قوائم "العرزال" ببعض هذه النباتات العطرية لتمنع الزواحف والحشرات من الاقتراب منه، ومنهم من كان يضع شميلات القمح والشوفان لزيد البركة في المنزل وتمنحهم شعور الخير بموسم قادم.

السيد "حسن اسماعيل"

أضف إلى هذا كان لهذه النباتات العطرية قدسية روحانية خاصة في طقوسهم الحياتية لورود ذكرها في القرآن الكريم، لذلك وظفوها في مختلف حياتهم اليومية بشكل جيد ومفيد».