اختزن الذاكرة التراثية والجغرافية والتاريخية لقريته من معاصرته لأهم أحداثها، ومواكبته لمجريات الحياة اليومية لأبنائها، فكان اللسان العارف والمجيب لكل سائل عن قرية "التون الجرد".

المعمر "إبراهيم أسعد ورده" خير من يمكنه التحدث عن القرية، هذا من وجهة نظر السيد "عز الدين حمامة" الذي تحدث لمدونة وطن eSyria خلال لقائها بتاريخ 25/4/2013 وقال: «في كثير من الأحيان نحتاج للعودة إلى بعض التواريخ القديمة في القرية لمصلحة معينة فنلجأ إلى الجد "إبراهيم ورده" فيعطينا المعلومة المطلوبة بدقة ممهورة بالتاريخ والشواهد الواقعية من الحياة اليومية التي عاشها آباؤنا وأجدادنا، فهو يملك ذاكرة نشيطة تسترجع الحياة السابقة بمختلف نواحيها رغم أن سنواته العمرية لا تتجاوز سبعة عقود.

يوجد في إحدى مناطق القرية موقع لا يعلم أحد قيمته التاريخية والأثرية ويسمى "العلية" أي المرتفعة وهي باعتقادي منطقة أثرية تحاكي التاريخ القديم لأنه خلال مراحل الأعمال الحقلية الزراعية لوحظ بقايا آثار وبقايا قمح محروق، وهو ما أدركته وأخبرني به احد المعمرين السابقين

وأنا كواحد من أبناء القرية عندما أريد معرفة حدود قطعة أرض وكيف كانت هذه الحدود ومن ملاكها الأساسيون ألجأ إليه دون تردد، فلم يعطنا مرة معلومة عن تاريخ القرية أو أي موضوع يتعلق بها إلا وكانت صائبة مئة بالمئة، لذلك وبشكل عام ننصح من يبحث في أمور القرية بالجلوس مع الجد "إبراهيم" ليستقي منه حاجته وزيادة».

السيد "اسعد" وإلى يساره "عز الدين" والدكتور "بسام"

الدكتور "بسام صبح" قال: «أعتقد أن هذه الذاكرة النشطة التي يملكها الجد "إبراهيم" عن قريته بمختلف جوانبها تعود بشكل عام إلى عدة أسباب أهمها الاهتمام الاساسي منه بهذا الأمر وساعده في ذلك طبيعة الغذاء اليومي الذي كان أجدادنا يتناولونه بشكل عام، إضافة إلى أن هذا الجد واظب على الغوص في مختلف الحقائق والأمور الحياتية والتاريخية لمجتمع قريته، ويمكن أن تكون طبيعة عمله الأساسية في الجمعية الفلاحية التعاونية قد لعبت دوراً هاماً في هذا، لأن المجتمع هنا مجتمع قروي زراعي، وهذا يعني أن العلاقات الاجتماعية بين الأهالي وثيقة جداً وتحتاج إلى من يستفيد منها ويوظفها بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا ما فعله الجد ليكون ذاكرة القرية بكل براعة.

إضافة إلى أنه يعتبر من الرعيل الأول الذي واكب عملية التثقيف الذاتي في المجتمعات الريفية أي عند بدء نشوء الوعي الفكري التصحيحي تجاه قضايا القرية بعد مراحل الاحتلال والتضييق الفكري والاقتصادي والاجتماعي على هذه المجتمعات».

حواكير الجد "إبراهيم"

أما السيد "أسعد ورده" فقال: «رغم أنه يوجد عدد من المعمرين في القرية إلا أن السيد "إبراهيم" أبرعهم في توظيف ذاكرته لحفظ تاريخ القرية من زمن الاحتلال مروراً بفترة الاقطاع ومعاناة الأهالي من تسلطهم الذي لا يلبث يذكرنا به في كل سهرة مسائية نقصده فيها.

حتى إنه يتحدث لنا عن حدود كل قطعة أرض، كيف كانت وكيف أصبحت، وكيف حارب الأهالي الاضطهاد والحرمان للحصول عليها حيث كان مشجعهم ومناصرهم في هذا من خلال عمله في الجمعية الفلاحية وعمله الميداني في التجارة. ناهيك عن العادات والطقوس التراثية التي كانت متبعة في القرية ممهورة بالشواهد الحية من صلب الواقع، كطرق زراعة التبغ مثلاً ومواعيدها منعاً لإصابتها ببعض الأمراض، وكيف سعى الأهالي للمحافظة على منابع المياه الجوفية بالبحث عن مراكزها وحمايتها وما كلفتهم هذه العمليات البحثية من جهد عضلي، طبعاً هذا أمر لا تدركه الأغلبية العظمى في القرية إلا من خلال حديث السيد "إبراهيم"».

الجد "إبراهيم" في منزله

توجهنا إلى الجد "إبراهيم ورده" وتحدثنا معه بحديث ممتع وشيق ولاحظنا دقة ترتيب وتسلسل أفكاره، وسألنا عن السبب فأجاب: «تعلمت من تجاربي الحياتية المتعددة أن اربط التاريخ بوقائع حدثت على أرض الواقع لأن المرء عندما يدرك واقعه بشكل جيد يصبح جزءاً منه فلا يمكنه الانفصال عنه. وكثيراً ما كنت خلال مراحل حياتي قريباً من حياة كل فرد من أبناء قريتي بداعي عملي في الجمعية الفلاحية التي كنت من مؤسسيها وقدمت خدمات جيدة لهم، وهو ما انعكس على ارتباطي بهم وخاصة منهم الكبار في السن الذين تحدثوا لي عن تاريخ القرية بأدق التفاصيل، إضافة إلى أن اهتمامي بهذا الأمر بدافع المحبة والغريزة الذاتية جعلني خزان المعلومات الظاهرة التي دفعتني للبحث عن المعلومات المندثرة».

ويتابع: «عملت في السابق في لجنة المساحة الخاصة بتحديد وتحرير الاملاك والعقارات في القرية كعضو فيها، ولم يكن عملي هذا عابراً بل وظفت امكانياتي الفكرية لاستيعاب كل كبيرة وصغيرة خلال مراحل العمل، وحفظت عن ظهر قلب واقع وحدود الحقول الزراعية والعقارات الإنشائية، إضافة إلى أني عملت بالزراعة وخالطت وخاطبت هذه الفئة من أهالي القرية وحاولت التميز بعملي من ناحية إدراك تواريخ نجاح الزراعة ومواسم الأمطار وفترات انتشار الأمراض حتى إنني أصبحت مرجعية للبعض. كما أني عملت بالتجارة وساهمت بتأمين بذار القمح لأبناء قريتي بأسعار منافسة عما كان يوفرها آغا القرية في تلك الفترة، ما زاد من احترام أبناء القرية لي فأصبحت صديق الصغير والكبير وبيت أحاديثهم ومقصد سهراتهم وسمرهم، ما وسع من ثقافتي الشعبية والتراثية وأغنى أفكاري».

وعن أهم ما يكتنزه في ذاكرته قال: «يوجد في إحدى مناطق القرية موقع لا يعلم أحد قيمته التاريخية والأثرية ويسمى "العلية" أي المرتفعة وهي باعتقادي منطقة أثرية تحاكي التاريخ القديم لأنه خلال مراحل الأعمال الحقلية الزراعية لوحظ بقايا آثار وبقايا قمح محروق، وهو ما أدركته وأخبرني به احد المعمرين السابقين».

يشار إلى أن الجد "إبراهيم أسعد ورده" من مواليد عام /1935/ في قرية "التون الجرد" التابعة لناحية "العنازة" في مدينة "بانياس".