صدفةٌ ايجابية كانت السبب في اكتشاف موهبة لاعبة القوى "رانيا عثمان" التي ما لبثت أن أدركت قيمتها حتى صقلتها وتحولت من هاوية لرياضة المشي تشارك في بطولة مدارس إلى لاعبة محترفة تشارك في أهم البطولات وتحصد أرفع الميداليات على مستوى سورية والوطن العربي.

اللاعبة الشابة التي اكتشفها مدرب ألعاب القوى في "جبلة" الكابتن "سليمان عطية" خلال مشاركتها في بطولة اختراق الضاحية مدارس ودعاها للانضمام لنادي "جبلة" لم تستهلك أكثر من بضعة أيام في التدريب حتى تم إشراكها بمنافسات بطولة الجمهورية للرجال والسيدات /2000/ وأحرزت المركز الثالث رغم صغر سنها وقصر فترة تحضيرها ما جعلها تدرك قيمة موهبتها وتهتم بها أكثر وتسعى لصقلها حسب وصفها.

حياتي الشخصية بعيدة جداً عن الرياضة رغم أنني فصلتها على مقاس اللعبة، فأصدقائي لا يهتمون بها إلا لمتابعتي ومحيطي الاجتماعي داعم لي لكنه غير رياضي

بعد انجازها في بطولة الجمهورية بدأت "عثمان" تمارينها الجدية مباشرةً من أجل الحفاظ على الانجاز الذي حققته والتفوق عليه في المنافسات القادمة حسب توصيفها، وأضافت في حديثها لمدونة وطن eSyria في 17/4/2013 عن مسيرتها الرياضية: «في بداياتي مع النادي كنت أتمرن إلى جانب لاعبات قوى أبطال العرب أمثال "إيمان الجلاد، رنا عكوش، وفاء البيشيني، ديمة عطية" ما كان يخلق جواً من الحماس والمنافسة ويساهم في تطور مستواي بسرعة رغم أنهن لاعبات لا يلعبن رياضة المشي لكنهن يخلقن جواً من المنافسة والدافع لتقديم الأفضل وقد تجلى ذلك من خلال مشاركتي مع نادي جبلة في بطولتي الجمهورية والأندية وحصولي على الميدالية الفضية /2001، 2002، 2003، 2004/ ومن ثم الانضمام إلى المنتخب الوطني في العام /2004/».

تعتلي منصة التتويج

وأضافت "عثمان" متحدثةً عن تجربتها مع المنتخب الوطني: «هناك خضعت لتدريبات ومعسكرات داخل وخارج سورية وتغيرت استراتيجيتي على مستوى اللعبة وبدأت أفكر في المشاركات الخارجية والمنافسة على مستوى الوطن العربي خصوصاً بعد أن أصبحت أحتك مع نظيرات في اللعبة عن قرب ضمن صفوف المنتخب بعد أن كنت محرومةً من هذا الاحتكام في "جبلة" نظراً لعدم وجود لاعبةٍ أخرى غيري، هذه التطورات على صعيد التدريب والاحتكاك كان لها أثرها علي في بطولة العرب /2004/ والتي استضافتها دمشق حيث حصدت فيها الميدالية الفضية في انجاز غير مسبوق بالنسبة لي جعلني مغمورةً بالسعادة».

الميدالية الفضية لم تكن لترضي طموح ابنة مدينة جبلة الشابة التي انطلقت بعدها مباشرةً في رحلةٍ تحضيرية دامت عامين تقريباً تخللهما بعض المشاركات المحلية لكنها توجتهما بذهبية العرب عام /2006/ في مصر على مستوى الشابات وقد سجلت فيها رقم قياسياً سورياً وحطمته لاحقاً ضمن بطولة العرب للمدارس التي أقيمت بالجزائر.

رانيا عثمان

تقول "عثمان" إنها اضطررت للإقامة في "دمشق" معظم الوقت لمتابعة التدريبات والاستمرار مع المنتخب الوطني، وتضيف: «رغم صعوبة البعد عن الأسرة وأصدقائي في الحياة وفي نادي "جبلة" إلا أنني صمدت وصبرت نظراً للعلاقة الوثيقة التي نشأت بيني وبين اللعبة وحبي لها ورغبتي في تحقيق المزيد من الميداليات وأن أكون خير سفيرةٍ لمدينتي "جبلة" محلياً ولوطني "سورية" خارجياً، كما أن هذه التجربة زادت خبرتي بالحياة وجعلتني أكثر قرباً من الناس وطورت علاقاتي معهم».

مسلسل البطولات لم ينته في العام /2006/ فمازال هناك العديد من الحلقات التي حدثتنا عنها "عثمان" قائلة: «في العام /2007/ شاركت في ملتقى المغرب الدولي وهناك حصدت الميدالية الذهبية وصعدت منصة التتويج، لكنني بعد عودتي الى سورية ابتعدت عن اللعبة نظراً لتدهور ظروفها وغياب الاهتمام من قبل إدارة النادي في "جبلة" ما أدى لتراجع مستواي قبل أن أعود للمشاركة من جديد بعد /8/ أشهر غياب بدعوة من اتحاد اللعبة الذي تدخل وأخذني للمشاركة من جديد في المغرب ضمن ملتقى عام /2008/ وأحقق هناك الميدالية البرونزية وقد كنت حزينة جداً بهذه النتيجة، التي تكررت مرةً أخرى في بطولة العرب /2009/ وهو نفس العام الذي حصلت فيه على الشهادة الثانوية».

لم تقتصر مشاركات اللاعبة الشابة على البطولات العربية حيث دعيت في العام /2010/ للمشاركة في بطولة "آسيا" المقامة في اليابان /2010/ وهناك حققت المركز الخامس وهي تعتبر هذه المشاركة من أهم وأمتع مشاركاتها وتقول: «في بطولة آسيا كنت أصغر لاعبة ما جعلني محط أنظار الجميع هناك وقد قدمت أداءً لافتاً وشهدت منافسةً قويةً والجميع أقروا بقدراتي وبأنني لاعبة مميزة ما جعلني أهتم كثيراً بالعودة مرةً أخرى والمشاركة ونيل الذهب وهذا ما اعمل عليه حالياً».

صاحبة برونزية نصف ماراتون عرب لعام /2009/ والتي تحمل برونزية ملتقى الأردن على مستوى السيدات أيضاً في العام /2010/ لم تشارك في أي بطولة عام /2011/ لكنها عادت في العام /2012، لتعوض ما فاتها من خلال مشاركتها في بطولة غرب آسيا في دبي عام /2012/ وتنال فيها الميدالية الذهبية رغم الظروف السيئة التي كانت تمر بها سورية عموماً والرياضة خصوصاً، وهي آخر بطولة حققتها اللاعبة الشابة حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

البطلة تعتبر مدربها "سليمان عطية" صاحب الفضل عليها وترى في المرحوم "خالد طوقتلي" رئيس نادي "جبلة" الأسبق أفضل رئيس نادٍ مر عليها، وتضيف متحدثةً عن تجربتها في "جبلة": «لعبت مع النادي حوالي /10/ سنوات قدمت خلالها كل ما لدي للنادي ولعبت باسمه في كل البطولات وحققت بطولة الجمهورية من عام /2004/ وحتى /2012/ دون انقطاع ومع ذلك لم أكن أحظى بالدعم ولا بالاهتمام سوى في فترة رئاسة "خالد طوقتلي" ولولا المدرب "سليمان عطية" لكنت وكثير من اللاعبات اعتزلنا اللعبة، هذا الواقع السيئ اضطرنا للمغادرة والبحث عن فريق يعتني بنا وقد وجدت ضالتي في نادي المحافظة حيث وجدت هناك دعماً أكبر ومجالات واسعة واهتماماً وقد تتوج هذا الدعم بنيلي بطولة الأندية العربية الأخيرة».

"عثمان" تعتبر لحظة التتويج هي الأهم في حياة اللاعب وتتمنى لو أن والدها على قيد الحياة حتى يشاركها فرحتها في البطولات التي حققتها، وتقول: «في اللحظة التي يعزف فيها النشيد العربي السوري مهما كنت قوياً وصلباً ستبكي فرحاً، فلحظة التتويج من أهم اللحظات في حياة اللاعب وكنت أتمنى لو أن أبي على قيد الحياة ليتابع تتويجي».

وتضيف "عثمان" متحدثةً عن الذهب: «في البطولات لا أفكر إلا بالذهب وألعب لنيل الميدالية الذهبية فلا أخشى خصماً ولا استهين بخصم وإنما ألعب للفوز وإرضاء طموحي ولكيلا أخذل الجمهور والأشخاص الذين وقفوا إلى جانبي وبذلوا الجهود معي خلال التحضير للبطولة».

بطلة سورية لثماني سنوات متتالية تفصل تماماً بين اللعبة وحياتها الخاصة وتدعو لدعم اللعبة في "جبلة" وتقول: «حياتي الشخصية بعيدة جداً عن الرياضة رغم أنني فصلتها على مقاس اللعبة، فأصدقائي لا يهتمون بها إلا لمتابعتي ومحيطي الاجتماعي داعم لي لكنه غير رياضي».

وتضيف: «ينقصنا في جبلة المزيد من الاهتمام باللعبة وتأمين التجهيزات اللازمة للاعبات حتى يتمكنّ من التفوق وتحقيق أفضل الانجازات، سوء الإدارات في جبلة أدى إلى خسارة عشرات المواهب والأبطال، والمرحلة القادمة تتطلب إعادة نظر بالموضوع لكي تأخذ اللعبة حقها من الدعم ويحصد اللاعبون واللاعبات أفضل الانجازات محلياً وخارجياً».

مدربها "سليمان عطية" تحدث عن "رانيا" بالقول: «لاعبة أشبة بالآلة التي لا تتعب، نحن في النادي نقول إنها "دراجة نارية بشرية"، لديها موهبة وقوة بدنية ربانية استطاعت صقلهما وتوظيفها في المكان الصحيح، هي الآن لاعبة خبيرة وتعرف كيف تقتنص الفوز، وتتعامل بجدية مع كل البطولات التي تشارك فيها، كما أنها تحترم لعبتها بشكل كبير وتلتزم بالتمارين وتحفظها بشكل دقيق لدرجة أنها أصبحت قادرة على التمرن وحدها تقريباً.

أتمنى منها الاستمرار في اللعب والعطاء لسنوات عدة قادمة وأعتقد أن هناك الكثير من الميداليات التي ستنالها قريبا».

مدرب ألعاب القوى "عماد نور الله": «هي من أفضل اللاعبات في الوطن العربي وبقليل من الدعم ستصبح من أفضل لاعبات آسيا، تعاني كثيراً من قلة الاهتمام وضعف التجهيزات، وهي مازالت في أوج عطائها، تتميز بالسرعة وقدرة التحمل العالية، كما أنها متفرغة للعبة وتستحق لقب اللاعبة المحترفة بكل ما للكلمة من معنى».

"معتز العتيري" لاعب بلياردو وعضو في رابطة مشعي "جبلة": «"رانيا" أعطت للعبة الكثير وكانت ومازالت رقماً صعباً في رياضة المشي على مستوى سورية، من أهم مقومات نجاحها هي جديتها في التمرين وفي التعامل مع أي بطولة تشارك فيها، لديها إصرار وعزيمة على تحقيق الفوز ودائماً تطمح للأفضل، لا تحب الخسارة والفوز بالنسبة لها عادة دائمة الاستمرارية.

أتمنى أن تستمر في اللعب لفترة طويلة وأن تختم مسيرتها كلاعبة في اللحظة التي تبدأ فيها كمدربة وعليها ان تتحضر لذلك منذ الآن».