امتهن الشعر في سن مبكرة، وحاز أول جائزة في الشعر وهو في السنة الثانية من الجامعة، وساعدته بيئته المنفتحة التي عاش فيها على صقل شخصيته الفكرية.
مدونة وطن eSyria التقت الشاعر والمربي "عيسى حبيب" بتاريخ 25/3/2013 وأجرت معه الحوار التالي:
لقد رسم الأستاذ الشاعر "عيسى حبيب" بلغة شعرية جزلة أنيقة، وبكلمات بلورية شفافة، مشاهد صافية رقراقة، لعوالم الأحاسيس والشعور الضاربة جذورها في عمق أعماق واقع الحياة، والممتدة إلى أكوان شعرية قد يصعب على القارئ العادي ولوجها، هو يكتب لغة شعرية تَنمُّ عن ذوق فني مسبوك بقالب الفصاحة السلسة، القائمة على امتلاك ناصية اللغة، بجواد الكلمات التي تفيض رهافة، وتتدفق وجدانيةً، وتنتشر في جو القارئ عبقاً من المشاعر قل نظيره. ولعلّ أول ما يلفتُ انتباهَ قارئ الديوان منذ الكلمة الأولى التي جاءت كالعنوان لمقدمته، هو أن الكون الشاعري للشاعر غير متناهٍ... إذْ لا يُمكن سبر أغوار عمقه داخل ذاته الشاعرية التي تبدو بلا قرار، كما لا يمكن الإحاطة بمدى اتساعه وامتداده في فضاءات خياله المتوهجةِ ألقاً في أنوار الكلام، فقد جاء تحت عنوان "كالمقدمة" في الصفحة الأولى من الديوان: قارئي...! أنا الآخر...! الشعر لا يحتاجُ إلى مقدمة، إلا أن تكونَ قبساً من ضوء، أو مثل مفتاح. هل الشعر من فنون القول؟ أم القولُ من أبعاد الشعر؟
** في أواخر خمسينيات القرن الماضي ظهر ميلٌ شديد لدي لكتابة الشعر وقد كنت حينها طالباً في المرحلة الثانوية، فكتبتُ قصائد بدائية كنتُ أُلقيها في المُناسبات الوطنية، ثم دخلتُ الجامعة، واخترتُ قسم اللغة العربية، وفي السنة الثانية فزتُ بأول جائزة في الشعر لقصيدة مطلعها:
قَـبِّـلِ الجُرحَ وابتهل للسماء / شَفَةُ الجرحِ نَـبْـعَةُ الكبرياء.
منابع الشعر ثلاثة: الموهبة، واللغة، والبيئة، ومن إيماني بذلك كنت أطالع الكثير من القراءات الأدبية التي ربطتني باللغة رغم أن دراستي الثانوية كانت في الفرع العلمي، ولكن ثلاثة موضوعات في الشعر كانت لا تعجبني وهي "الفخر، والمدح، والهجاء"، أما البيئة فأحمل أبعادها من الطبيعة، فأنا ابن فلاَّحٍ وفلاّحة، وعملت في الزراعة، ونمتُ ليالي في الحقل وقد كتبت في ذلك:
لي على سنديانةِ العينِ كوخٌ / أخضرُ الذيلِ عالقٌ بالشُّعاعِ
بالأغاني عَمّرتُهُ، بصلاةِ الــ / ــــــــــحُبِّ بالشعر آيةَ الإبداعِ.
** للبيئة الاجتماعية أثرٌ بالغٌ في كل شخصية، والدور الأهم يعود لتعدد البيئاتِ التي احتضنتني، فقد نشأتُ في بيئةٍ ريفية مُنفتحة مُتمسكة بالقيم، ثم في البيئةِ المدرسية المختلطة.
** أُقدِّرُ أنني كنتُ مُدرساً جيداً، ومُحاضراً جيداً، ولكنْ شاعراً غيرَ جيد لأنني مُقلٌّ. أكتبُ الشعر مُتأنياً بعد أن أردده سراً، وأبدل الكلمات والجمل مرات مثلاً: "في كلِّ جارحةٍ مني صهيلُ دمي" بدلّتُ عدة كلمات، وعلى مدى أيام حتى وُلِدَت كلمة "صهيل" وارتاحَ الحدسُ إليها، وأتعمّدُ الانزياح بين الألفاظ، وأُبدِّلُ الجملَ مرات حتى يطمئنَ الخيالُ إلى الصورة مثل قولي في وصف المعلم:
وفي يديه جَبينُ الشمسِ... يطرحه / أم يصلبُ السمعَ والعينين للصور
وأكره أن تأتي الجمل معقدة بالتقديم والتأخير، كما أحرصُ على الفصاحةِ وأجتهدُ في ذلك.
** لا شعر بلا صورة، لذلك لا أرتاحُ إلى بيتٍ لا يحمل صورة، وهذا يحرمني الاسترسالَ في الشعر ولابدّ للصورة من براعةٍ في تشكيل الانزياح أو الإحالة ثم الخيال الذي يرسمُ حدود الصورة في تصوير البحث عن فقيد:
وألحقُ بالدروبِ مشرداتٍ / كأنّ الخوفَ ريحٌ في حصاها
فتوقفني (الخرانيبُ) القدامى / وتردعني الصخورُ بمتكاها.
** سبق أن وضَّحتُ انغماسي في الطبيعة، وقد تأثرت بشعراء وظَّفوا عناصر الطبيعة تصويراً أو رمزاً مثل "نديم محمد، نزار قباني، محمود درويش".
** سمعتُ في بداية مشواري مَنْ يقول: "من الصعبِ أن يجمعَ الرجلُ بين مُدرسٍ جيد وشاعرٍ جيد" فقلتُ في نفسي سأعملُ لأكونَ مدرساً جيداً لأنَّ هذا عملي الأساسي، ويبقى الشعرُ هواية، فدرَّستُ لأجعلَ العربية مادةً مَرغوباً بها ثم لأكتشفَ كيف أطورها.
** بعد أن ثبتَ خط مستقبلي طمحتُ إلى التجديد في مادة العربية، ولاسيما النحو، وكتبتُ دراسات في ذلك مثل سلسلة مقالات بعنوان "النحو العربي دراسة تاريخية بنيوية".
- أنت عضو لجنة تمكين اللغة العربية الفرعية؟
** رسالتي الخاصة كانت وما زالت كشف الأسرار التي أشار إليها القدماء، ولم يصلوا إليها والتي تميّزُ اللسانَ العربي مثل "الخليل بن أحمد الفراهيدي" و"ابن فارس" و"ابن جني"، ثمَّ الحديثون مثل "زكي الأرسوزي" و"عبد العلايلي" وغير هؤلاء، فوصلت إلى أنّ هذا اللسان العبقري استقر على ثلاثة قوانين هي: كل ثلاثة أحرف تكوّن ست كلمات ثلاثية بتبديل موقعها أي بقدر ما تكون مواقع الأحرف في جهاز النطق مُتباعدة تكون الثلاثيات المولِّدة أكثر شيوعاً واشتقاقاً، فإذا كانت من الأحرف الحلقية لا تكون أية كلمةٍ لصعوبة نطقها مثل:
(هـ ع ح) أو (ع خ ح) أو (خ ع هـ).
فلكل حرف دلالة أو ومضة من معنى مثل الغين يوحي بالغموض، والنون يوحي بالكمون، والميم بالضم فلا يتلاصق حرفان مُتضادان في الإيحاء مثل (ف، ب) أو (ب ف).
** لستُ خائفاً على وجود اللغة العربية بل خائفٌ من تراجعها لتقتصرَ على المساجد أو تصبحَ لغةً ثانية كما نرى في بعض الدول، مع العلم أنها تعتبر اللغة السادسة في العالم من حيثُ عدد مُتكلميها.
الأستاذ "ماهر حبيب" الوكيل الإداري في كلية "آداب طرطوس" قال عنه: «لقد رسم الأستاذ الشاعر "عيسى حبيب" بلغة شعرية جزلة أنيقة، وبكلمات بلورية شفافة، مشاهد صافية رقراقة، لعوالم الأحاسيس والشعور الضاربة جذورها في عمق أعماق واقع الحياة، والممتدة إلى أكوان شعرية قد يصعب على القارئ العادي ولوجها، هو يكتب لغة شعرية تَنمُّ عن ذوق فني مسبوك بقالب الفصاحة السلسة، القائمة على امتلاك ناصية اللغة، بجواد الكلمات التي تفيض رهافة، وتتدفق وجدانيةً، وتنتشر في جو القارئ عبقاً من المشاعر قل نظيره.
ولعلّ أول ما يلفتُ انتباهَ قارئ الديوان منذ الكلمة الأولى التي جاءت كالعنوان لمقدمته، هو أن الكون الشاعري للشاعر غير متناهٍ... إذْ لا يُمكن سبر أغوار عمقه داخل ذاته الشاعرية التي تبدو بلا قرار، كما لا يمكن الإحاطة بمدى اتساعه وامتداده في فضاءات خياله المتوهجةِ ألقاً في أنوار الكلام، فقد جاء تحت عنوان "كالمقدمة" في الصفحة الأولى من الديوان: قارئي...! أنا الآخر...! الشعر لا يحتاجُ إلى مقدمة، إلا أن تكونَ قبساً من ضوء، أو مثل مفتاح. هل الشعر من فنون القول؟ أم القولُ من أبعاد الشعر؟».
يشار إلى أن الشاعر "عيسى حبيب" من مواليد "صافيتا" عام /1939/ له ديوان شعري بعنوان "الآتي من الزمن الآخر"، إضافة إلى العديد من المؤلفات فيما يخص اللغة العربية والقواعد النحوية.
