تقاعد عن العمل الرسمي ولم يتقاعد عن التنقيب في بطون الكتب والحياة والناس بحثاً عن لقى ضائعة في تاريخ المنطقة الساحلية، ومكملاً مهمة الباحث المجدد بإضاءة مناطق جديدة من تاريخنا.
مدونة وطن eSyria التقت بتاريخ 5/1/2013 الباحث "عيسى أبو علوش" فكان هذا الحوار:
هو واحد من الأدباء المتحمسين الغيورين على التراث، أمضى أعواماً عديدة في البحث والتقصي والاستماع والقراءة والجمع والتدقيق حتى تكونت لديه مادة غزيرة دونها بكل صدق
** أتذكر أنني منذ كنت صغيراً كنت ألتقط أية قصاصة ورق من أي جريدة وأبادر فوراً إلى قراءتها والاحتفاظ بها، ومن هنا تطورت قراءاتي رغم كل الظروف السيئة في قرية تنعدم فيها وسائل القراءة والمطالعة والمكتبات، لقد كنت وما زلت أبحث عن الكتب والمراجع لأقرأ فيها وأستدين المال من أجلها، كان لدي ذاكرة طيبة لألتقط الحوادث التاريخية والمرويات الشعبية وكان همي بالدرجة الأولى تأريخ ثورة الشيخ "صالح العلي"، ثم تتالت اشتغالاتي التأريخية بالدرجة الأولى حول مواضيع من قلب البيئة التي أعيش فيها.
** كان دافعي المباشر أن أحد أخوالي من المجاهدين في ثورة الشيخ صالح العلي وهو المرحوم المجاهد "محمد علي سليمان"، وكان هناك العديد من هؤلاء المجاهدين ممن يروون بشكل يومي حوادث هذه الثورة، خاصة عند انتقال الثورة إلى القسم الشمالي من جبال الساحل وهذه فترة تكاد تكون غائبة عن التاريخ الرسمي، أضف إلى ذلك أن المرويات المدرسية عن الشيخ صالح العلي تحديداً تقول إنه كان أمياً في حين أنني خلال بحثي وتنقيبي وجدته شاعراً وفقيهاً وقارئاً من الطراز الأول، لهذه الأسباب وجدت أنه من الضروري تقديم صورة واقعية حقيقية عن هذه الثورة فكان كتاب "صفحات مجهولة من تاريخ الشيخ صالح العلي"، ثم تتالت بقية الأبحاث.
** قمت بعملية تقاطع بين عدة روايات لواقعة واحدة واستعنت بأشخاص في مناطق سورية مختلفة، هذه العملية ساعدت على تنقية الرواية من شوائبها ومن الإضافات التي تحدث عليها بفعل الزمن وبفعل الأشخاص، أيضاً هناك وثائق خارجية خاصة وثائق الخارجية الفرنسية في مكتبة الأسد الوطنية قام العديد من البحاثة بترجمتها وتوفيرها ومن خلال كل هذه التقاطعات وثقت الحادثة أو المعركة أو حتى الحكاية اليومية.
** شكل كتاب البديري (*) نقطة البدء بالنسبة لكتابي هذا، وقد تختلف البيئات والحياة ولكن صانع هذا التاريخ هو الإنسان السوري نفسه، والتاريخ يكتبه الناس العاديون كما المؤرخون وربما بصدق أكبر، وحين كان يجتمع الناس والعجائز بشكل رئيسي في بيت جدي كانت تتدفق الحكايات بأنواعها من تغريبة بني هلال إلى حكايات مقاومة الانسان للطبيعة، وبينهما مجتمع تتواجد فيه شتى صنوف البشر ولكل منهم حكايته، وشكلت تجربة قريتي "الدالية" المجتمعية خاصة في مجال حل المشكلات بين الناس نقطة رئيسية في الكتاب.
** حاولت في هذا الكتاب تقديم صورة حية نابضة بالحياة عن مختلف قرى الساحل السوري وطرائق حياتها واقتصاداتها التي تميزت بتحقيق الاكتفاء الذاتي بشكل رئيسي والمواءمة مع البيئة المحلية وعدم التضاد معها، اخترت العديد من الحكايات وبنيت عليها تاريخاً شبه مجهول لهذه المنطقة في ظل الاحتلال العثماني ثم الفرنسي وكيف تغيرت الأحوال في العهد الوطني منذ الخمسينيات وحتى اليوم.
** طموحاتي لا تقف عند حدود ما أنجزت، ولدي مشاريع أتمنى أن يسعفني العمر بإكمالها، التعليم أخذ جزءاً كبيراً من حياتي لأكثر من تسع وثلاثين عاماً، واليوم لدي رغبة بإكمال مشروعي ولدي الآن عدد من الكتب التي أعمل عليها في آن واحد أحدها توثيق لما يجري حالياً في سورية.
الأستاذ "محمد جميل حطاب" مدير ثقافة اللاذقية السابق قال عنه: «هو واحد من الأدباء المتحمسين الغيورين على التراث، أمضى أعواماً عديدة في البحث والتقصي والاستماع والقراءة والجمع والتدقيق حتى تكونت لديه مادة غزيرة دونها بكل صدق».
يذكر أن الباحث والشاعر "عيسى أبو علوش" من مواليد عام 1946 قرية الدالية ـ جبلة
حائز شهادة أهلية التعليم، نال وسام التكريم من قداسة البابا يوحنا بولس الثاني عام 2002، كما حاز العديد من الجوائز على اشتغالاته الفكرية، يعمل ويقيم في قريته، صدر له عدا ما ذكر أعلاه عدد من المجموعات الشعرية منها "ضيعتي" و"بواكير متأخرة" والدراسات التاريخية ومنها "توثيق زيارة قداسة البابا إلى سورية" وعدد من الأفلام الوثائقية أنتجها التلفزيون العربي السوري.
(*) صدر كتاب البديري: الحلاق الدمشقي بعنوان" يوميات البديري" بعدة طبعات كان آخرها طبعة وزارة الثقافة ضمن سلسلة "إحياء التراث الشعبي" العام 2010.
