"محمود عجان" موسيقي يصح عليه لقب "الأول" فهو رائد الموسيقا في اللاذقية، وأول عازف مبدع على آلتي الكمان والعود، كان له شرف قراءة وتدوين أول نوتة موسيقية فيها، كما أنه أول مِن درّس الموسيقا في معاهدها ومدارسها، فضلاً عن نشاطه المدرسي الذي تجلّى في تشكيله الفرق الموسيقية والغنائية التي حصلت على العديد من الجوائز والتقدير.

ولد الموسيقي الراحل في اللاذقية عام 1916 ونشأ في جو عائلي موسيقي من الهواة، فأحب الموسيقا وزاولها كهواية فقط، ولم يتعلمها من احد بل اعتمد على موهبته والتحصيل عن طريق المطالعة والسماع، وكان أول مؤلف موسيقي في المحافظة، حيث بدأ التأليف من سن الخامسة عشرة من عمره، وأجاد العزف ببراعة على آلتي الكمان والعود.

لقد كان لهذا النادي أكبر الأثر في إحياء نهضة فنية موسيقية حقيقية في المدينة المذكورة، كما ساهم في تنشيط الحركة الفنية على مستوى الجمهورية العربية السورية

في سن التاسعة عشرة من العمر قام "عجان" بتأسيس النادي الموسيقي باللاذقية حيث كان جميع أعضائه من الهواة، ويقول الباحث والمؤلف الموسيقي الراحل "جبرائيل سعادة" متحدثاً عن هذا النادي ودوره فيه: «يعتبر "محمود" من أهم مؤسسي النادي الموسيقي في اللاذقية، وقد أصبح هو وأخوه "عبد القادر عجان" من ألمع عازفي هذا النادي، وقد لعب "محمود" دوراً هاماً في النادي الموسيقي، وكان له تأثير كبير في أبناء الجيل الجديد الذين كثيراً ما عكف على تعليمهم الموسيقا، وتنمية الذوق فيهم، فهو من هذه الناحية جدير بأن يخلد اسمه للأجيال المقبلة وقد منحته وزارة الثقافة والإرشاد القومي ميدالية تقديراً لفنه ونشاطه».

الفنان "محمود عجان"

فيما يقول شقيقه الباحث والمؤلف "زياد عجان" متحدثاً عن النادي لموقع مدونة وطن eSyria بتاريخ 2/12/2012: «لقد كان لهذا النادي أكبر الأثر في إحياء نهضة فنية موسيقية حقيقية في المدينة المذكورة، كما ساهم في تنشيط الحركة الفنية على مستوى الجمهورية العربية السورية».

وأضاف شقيق الراحل قائلاً: «لقد لمع نجم "محمود" في سن مبكرة جداً حيث إنه قام بالتأليف في سن الخامسة عشرة من العمر وكان أول حضور له من خلال مشاركته في تأليف ألحان لفيلم "مرفأ اللاذقية" التابع لشركة مينيرفا فيلم، ومن ثم قام بتمثيل دور صغير في فيلم "عمالقة البحار"».

اهتم "عجان" بالموسيقا العربية والغربية الكلاسيكية على حد سواء، لكنه كرس القسم الأعظم من حياته، للموسيقا العربية التي اعتبرها من أنضج الموسيقات الشرقية وعمل مدرساً لها في دور المعلمين والمعلمات وفي معهد اعداد المدرسين وقام بالقاء عشرات المحاضرات في هذا الخصوص وعلى مختلف المنابر.

يعتبر العام /1957/ من المحطات الهامة في حياة أول قارئ نوتة باللاذقية حيث دعي في هذا العام إلى مهرجان الشبيبة العالمي في موسكو بمناسبة ذكرى الفيلسوف والشاعر العربي "أبي العلاء المعري" في معهد "تشايكوفسكي" للموسيقا، حينها قدم مقطوعة موسيقية على آلة الكمان بعنوان "من وحي أبي العلاء" وقد نالت استحساناً كبيراً، الأمر الذي دعا إدارة معهد الدراسات الشرقية إلى إقامة حفل تكريمي له ومنحته وساماً خاصاً، وفي اليوم التالي ملأت صوره وأخباره الصحف السوفييتية.

اهتمام السوفييتيين بالموسيقي السوري لم يقل عن اهتمام وزارة الثقافة السورية به بحسب شقيقه "زياد عجان" الذي قال: «حضوره وتميزه في موسكو كان له تأثير كبير في مسيرته لاحقاً حيث حصد خلال مسيرته عشرات بل مئات الجوائز والميداليات، وكان يحب التفوق دائماً، وكثيراً ما حصل على المرتبة الأولى في المباريات الموسيقية، وقد نال أوسمة التكريم مراراً وتكراراً من قبل وزارة الثقافة التي منحته أول ميدالية في العام /1959/ وبعدها بعشر سنوات عادت لتكرمه مرةً أخرى بعد فوز فرقته بالجائزة الأولى في مباريات غناء وألحان وموشحات، وبعدها بعشر سنوات أيضاً أي في العام /1979/ قامت وزارة الثقافة بتصوير فيلم وثائقي عن حياته وأعماله الموسيقية».

لقد استطاع "محمود عجان" ترك بصمة إبداعية خاصة به في الوطن العربي كله من خلال مشاركاته الهامة والمؤثرة في الموسيقا العربية، حيث كان أول المشاركين في مهرجان الأغنية العربية الأول الذي دعا له اتحاد إذاعات الدول العربية وقد ألقى آنذاك محاضرة عن الأغنية الهادفة، ويقول الباحث والمؤلف الراحل "جبرائيل سعادة" في كتابه متحدثاً عن "محمود عجان": «ولد "محمود عجان" في عائلة تضم عدداً كبيراً من هواة الموسيقا، وقد هام بهذا الفن منذ حداثته، وكان صغيراً جداً عندما بدأ يعزف على الكمان والعود، وفي سن الرابعة عشرة عزف أمام "سامي الشوا" فانتزع إعجاب هذا الفنان المشهور وكان عليه أن ينمي معلوماته الموسيقية بنفسه، فعكف على المطالعة، والاتصال بالموسيقيين المشهورين خارج اللاذقية، وما لبث حتى اضطلع في قواعد الموسيقا العربية والغربية وتاريخهما، وإلى جانب ذلك كان يلحن قطعاً موسيقية، وأناشيد عزف معظمها ولكن مع الأسف، لم تنشر أية قطعة من هذه المؤلفات.

أما مؤلفاته الموسيقية فأكثر من أن تحصى، خص فيها قوالب التراث من "سماعيات ولونغا" أغلب أعماله. كذلك اهتم بالأناشيد الوطنية والقومية ولحن منها عدداً وفيراً وعنده غير ذلك "مسرحية غنائية" ومقطوعات مختلفة».

ويضيف "سعادة": «هو حلو الحديث، لطيف في معاملته للناس، وهو عندما يبدأ حديث الموسيقا تراه وكأنه يغرف من بحر لا يتوقف، ولا يستريح ولا يهادن في علم يعرفه تمام المعرفة، وقد نأى بفنه من أن ينحدر إلى مستوى الملاهي، فالموسيقا بنظره لها محراب خاص لا يجوز لها أن تغادره إلا لمعابد الذين يتذوقونها ويفهمونها ويجيدون الاستماع إليها، وهو في هذا يفرق بين الفن الموسيقي الراقي والآخر الذي لا يحمل من الفن سوى الاسم».

لم يكتف الموسيقي الراحل بالعزف وإلقاء المحاضرات بل عكف على التأليف قليلاً في حياته بحسب شقيقه الباحث "زياد عجان" حيث قال: «لقد اهتم "محمود" كثيراً بالتراث وأصدر في العام /1990/ كتابه الموسيقي الأول تحت عنوان "تراثنا الموسيقي" وهو عبارة عن دراسة في الدور والصيغ الآلية العربية لحناً وقالباً، كما عمل على تأليف كتاب عن الإيقاع وفلسفته بالإضافة إلى كتاب آخر عن الموسيقا النظرية ومواضيع أخرى عديدة تتعلق بالموسيقا بصورة عامة. لقد جاهد طوال حياته في سبيل نشر الموسيقا والثقافة الفنية في جميع المجالات دون أن يتقاضى أي أجرٍ مادي عن ذلك، وكان هدفه الدائم المثل العليا والأخلاق».

يحظى الموسيقي الراحل بإعجاب وتقدير معظم من عرفوه عن قرب واطلعوا على تجربته، فيقول الاعلامي "عمر شريقي": «يشرفني التحدث عن الباحث الموسيقي الراحل "محمود عجان" كما تشرفت بإجراء عدة حوارات صحفية معه، وحضور جلسات فنية في بيته بمشروع الصليبة وسط حضور عدد كبير من فناني العالم العربي وآخر جلسة حضرتها كانت بحضور الفنان "صفوان بهلوان"- وأقول عن عجان: لكل فن رائد ولكل نهضة متقدم يتقدمها ويسير أمامها لتصل إلى غايتها- وعلى هذا الرأي فإن الموسيقا العربية لم تعرف بشكلها الحاضر ولم تصل إلى هذه الدرجة التي وصلت إليها الآن إلا بعد أن وجد لها رواد شقوا الطريق أمامها ومهدوا لها سبيل السير فكان "محمود عجان" النابغة هو صاحب الفضل في إدخال الموسيقا إلى اللاذقية، وفي بعض الصور التذكارية له كانت واحدة مع الموسيقار "محمد القصبجي" وأخرى يكرم في روسيا ويظهر فيها أنه يبكي ولما سألته لماذا تبكي يا استاذ فأجاب "لأنني أكرم في بلد غير بلدي"، لقد كان رائداً مجهولاً في ميدان الموسيقا وصاحب نكتة، باختصار كان معجوناً بالموسيقا رحمه الله».

حياة موسيقية واجتماعية جميلة عاشها الفنان والموسيقي "محمود عجان" استطاع خلالها ترك بصمة خالدة سيذكره فيها كل المشتغلين بالفن والموسيقا في اللاذقية، كيف لا وهو رائد الموسيقا الأول في اللاذقية، وصاحب الفضل في التأسيس لفن حقيقي في هذه المحافظة التي فارقها إلى جوار ربه في العام /2006/ بعد أن عاش ما يقارب القرن من الزمن.

(*) تم الحصول على بعض المعلومات من أرشيف الراحل "محمود عجان" ومن شقيقه الباحث "زياد عجان" ومن كتاب "محافظة اللاذقية" لجبرائيل سعادة.