تعكس الأختام الأسطوانية تطور المجتمع والفن في مملكة أوغاريت وفي الشرق العربي عموماً، والتي فاق عددها الـ /900/ ختم، فبعضها مصنوع من الفخار المزجج وبعضها من لب القواقع البحرية وهما نوعان فريدان اكتشفا في أوغاريت.

حيث يرتبط صنع الختم الاسطواني بفني النحت النافر منه والغائر تماشياً مع طبيعة المادة المستخدمة والتي تدل على انتشارها الواسع في تلك الحقبة من التاريخ.

تصنع من مواد متنوعة جميعها من البيئة المحلية، فيستخدم الحجر الكلسي وحجر الدم والعقيق واليشب والكريستال الصخري والخشب والقار والعظم والذهب والفضة، ويستعمل في تصنيعها الأزاميل والمكاشط والمثاقب ودولاب الجلخ وغيرها من الأدوات التي تعطي المشهد المنحوت دقته العالية وحرفيته الفنية

مدونة وطن " eSyria" التقت بتاريخ 17/11/2012 الدكتور "ابراهيم خلايلي" الباحث في تاريخ الشرق القديم والذي تحدث بالقول: «في "أوغاريت" في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد ازدهرت صناعة الأختام الأسطوانية باستخدام حجر الدم (الهيماتيت) وحجر الستياتيت وهذان من أنواع الحجر الحديدي، إلى جانب الفخار المزجّج، ولب القواقع البحرية الذي وجد أغلبه في أوغاريت.

نموذج لختم مصنوع من حجر الدم

الأختام المصنوعة من الفخار المزجج (أي فخار زجاجي شفاف) تعد ميزة خاصة بأوغاريت، وهي التي اشتهرت كما هو معروف بصناعة الزجاج، كما أن بعض الأختام صنعت من لب القواقع البحرية حيث كان يتم طحن القواقع المتوافرة على الشواطئ الأوغاريتية وإعادة تشكيلها باستخدام الحرارة مع إضافة مواد أخرى، لتنتج أسطوانات ذات مادة بيضاء قاسية يتم التشكيل عليها قبل تجمدها النهائي.

وقد استخدمت الاسطوانة الحجرية لينحت عليها المشهد الفني أو الديني أو الأسطوري بشكل غائر، ثم بعد تهيئة الشريحة الطينية تدحرج الأسطوانة عليها ليبرز الشكل المرسوم نافراً، وبعد ذلك تحرق الشريحة الطينية في فرن لتنتج قطعة فنية فخارية بديعة».

نموذج لختم مصنوع من الفخار المزجج

يضيف: «وقد تميزت أختام أوغاريت أيضاً باتساع الموضوعات التي تناولتها، فبعض القصص والأساطير الأوغاريتية أمكن معرفتها من خلال الأختام، عدا طبعاً تقاطع هذه المرويات مع المكتشفات الأخرى كما هو الحال في المكتبة الملكية لأوغاريت.

فلقد تم استنباط أشكال فريدة من أشكال صنع الأختام الاسطوانية ووظيفتها الطباعة على الشرائح الطينية أو ما يمكن تسميته حالياً ورق الكتابة، فالأختام الاسطوانية عدا مهمتها الجمالية كانت تقوم بوظيفة حياتية هي وظيفة تجارية بحتة، فقد كان لكل شخص ختمه الخاص به يختم به على بضاعته بطريقة لا يعود ممكناً معها فتح البضاعة إلا من قبل الشخص المرسلة إليه».

نموذج من اوغاريت مشاهد صيد

يتابع: «لقد تنوعت المواضيع المنقوشة بين مشاهد الآلهة والعبادة وصراع البطل مع الحيوانات الكاسرة، أو الثور المجنح، إلى مشاهد من الحياة اليومية، وقد التقت في أختام أوغاريت التأثيرات الآشورية والميتانية والحثية والمصرية واليونانية، لأن أوغاريت كانت مدينة عالمية وقتها يعيش فيها خليط من البشر المتعددي الجنسيات إضافة إلى أهلها، وهو الأمر الذي تؤكده الدراسات العديدة التي كتبت عن مجتمع أوغاريت.

وللأختام الاسطوانية أنواع عديدة منها المحدبة والمنتظمة ومنها ما يمسك من الأعلى أو من الأسفل بواسطة مسند خاص أو شنكل، كما تتعدد حجومها وأصغرها لا يتجاوز طوله نصف سم وأكبرها يصل إلى 8 سم ارتفاعاً و5 عرضاً حسب الموضوع والغاية من الختم».

أما عن طريقة صنع الأختام فيشير الأستاذ "عدنان علي سليمان" مدرس ويحمل ماجستير في التاريخ القديم: «تصنع من مواد متنوعة جميعها من البيئة المحلية، فيستخدم الحجر الكلسي وحجر الدم والعقيق واليشب والكريستال الصخري والخشب والقار والعظم والذهب والفضة، ويستعمل في تصنيعها الأزاميل والمكاشط والمثاقب ودولاب الجلخ وغيرها من الأدوات التي تعطي المشهد المنحوت دقته العالية وحرفيته الفنية».

يتابع: «وجدت الأختام الاسطوانية تقريباً في كل المدافن المكتشفة سواء في أوغاريت أو في بقية المناطق السورية والعراقية، ما يدل على انتشارها الواسع في تلك الحقبة من التاريخ، كما تدل المواضيع التي تناولتها ومنها التجارية على كونها وثيقة معتمدة لدى الناس في تعاملاتهم التجارية والحياتية، وقد كان لكل شخص خاتمه الخاص الذي يختم به على بضاعته إن كانت جراراً أو أكياس خيش.

تتوزع الأختام الاسطوانية التي اكتشفت في أوغاريت على العديد من المتاحف المحلية كمتحفي دمشق واللاذقية، والعالمية كمتحف اللوفر في فرنسا والمتروبوليان في واشنطن والأرميتاج في موسكو، كما أنها كانت ملهماً للعديد من التجارب الفنية الحديثة كتجربة الفنان أكثم مسلماني».