ترجع طقوس الزواج وتقاليده الاجتماعية في منطقة الجبل إلى فترات عميقة في التاريخ، بل إن وراء الكثير من مفردات هذه الطقوس قصصاً وحكايات وفلسفات طريفة أيضاً.

"خلف الله عليك يا فلان محبة براس قرايبك" هي إحدى العبارات التي تسبق عادة "الشوبشة" التي تكون أثناء خروج العروس من منزل أهلها إلى منزل عريسها. حيث يذكر الباحث "هايل القنطار" أن "الشوبشة" تترافق مع رفع "العمدة" ويوم "القِرى" وصبحية العروس، مع تقاليد أعراس جبل العرب، وهي تحمل بعداً اجتماعياً للمساهمة في تكوين أسرة تحمل القيم الجمعية مستندة إلى مآثر الماضي التليد، حاملة عبارات وجملاً ذات مفردات محلية باعثة في مضمونها الأمل والبناء.

تعتبر منظومة العادات والتقاليد العربية القديمة الحاضرة جزءاً من بناء علاقة الفرد بالمجتمع واستمرارية لثقافة اجتماعية بنتها ممارسة تلك العادات في الأفراح، وذلك بتضامن أفراد المجتمع في بناء أسرة متكافلة متضامنة منسجمة مع البيئة المحلية والاجتماعية، إضافة إلى الجمالية الخاصة التي كانت تتميز بها العروس والعريس، ومظاهر الفرح والكرم عند أهل العروسين، لعل تلك العادات جسدت لدى أبناء جبل العرب القيمة المعنوية، ولهذا ما زالت بعض العادات تمارس في القرى مثل "الشوبشة، والقِرى، والتهاني"، أما العمدة وسواها من عادات فأصبحت قليلة جداً، لأن تطور الحياة حمل معه عاداته وسلوكه وثقافته

عبارات اجتماعية تقال كلما قدم فرد مبلغا من المال "نقوطاً" نادى الرجل بأعلى صوته "خلف الله عليك يا فلان ابن فلان ومحبة بروس قرايبك جميع ونردها عليكم بالأفراح"، وهذا ما يسمى "الشوبشة" لا يذكر أثناء الشوبشة مقدار النقوط المقدم، وعلى هذا الرجل أن ينادي بأعلى صوته كلما تقدم أحد بنقوط للعروسين.

الأستاذ هايل القنطار

ويضيف "القنطار": «يخرج الموكب بالعروس من بيت أهلها مثنياً على أسرتها وأصلها، أما "العَمدة" فعندما تذهب الفاردة لجلب العروس وفيهم الفرسان والهجانة والمشاة، ويحلون ضيوفاً على أهل العروس وأقاربها، وقبل خروجهم بها من بين أهلها ومن قريتها على الصورة التي سبقت يتقدم شباب قرية العروس متحدين شباب قرية العريس بأن يرموا في طريقهم مخلاً ثقيلاً أو حجراً يزن حوالي 75 كغ منحوتاً وفيه حفرة تثبت بها قطعة عصا معترضة، هذا الحجر اسمه "العمدة" يتقدم أحد شباب بلدة العروس ويقبض على الحجر بيد واحدة ويرفعه دفعة واحدة فوق رأسه وقد يكرر العملية مرات، فإن استطاع واحد من شباب قرية العريس رفع الحجر على الطريقة السابقة ساروا بعروسهم بسلام وإلا فعليهم أن يؤدوا، كترضية، مبلغاً من المال يقدم كنقوط للعروس، وإن عجزوا عن رفع "العمدة" وأبوا دفع الترضية حدثت بين الفريقين مشادة وشجار ومضاربة يتدخل العقلاء والمسنون للسماح للعروس بالمرور والمصالحة».

وتابع بالقول: «تسير"الفاردة" بالعروس وقد أركبت فرساً أو حملت على هودج مزين وربما دعيت للمبيت في إحدى القرى إذا كانت المسافة بعيدة بين قريتها وقرية عريسها. وأثناء الطريق ينقسم فرسان موكبها إلى قسمين قسم لحراستها والدفاع عنها وقسم يحاول الهجوم عليها لاختطاف منديلها ولكن الفريق الأول يصدهم عن هذه الغاية وإلا اعتبروا جبناء غير قادرين على حماية ضعينتهم، وكلما مر الموكب من سهل يصلح للطراد نزلوا وتسابقوا وأظهروا شيئاً من فروسيتهم. وعند وصولهم إلى قرية العريس لا تتوجه العروس إلى بيت العريس بل تدعى هي وموكبها إلى بيت آخر، حيث يولم لهم أي يقدم لهم وليمة طعام وفي الليلة التالية تزف إلى عريسها، ويعود العريس إلى المضافة وفي آخر السهرة ينفض الناس من حوله ولا يبقى إلا أقرباؤه وأصدقاؤه الأخصاء يدخلونه على عروسه وينتظرون فترة، يخرج العريس بعدها ويطلق عدة عيارات نارية في الهواء ليعلن أنه قد فض بكارة عروسه وأثبت رجولته، ويكون قد لوث بدماء البكارة قطعة مقصور أو شاش أعدت لهذه الغاية وتسمى "قميص العروس" وأول الداخلين على العروس هي أم العريس وإحدى قريبات العروس لتكونا شاهدتين على طهارة العروس فتباركان لها وتمجدان أهلها وتربيتها، وكانت العادة أن ينشر "قميص العروس" فوق مرتبتها ولا سيما إذا كان هناك استفهام حول الفتاة وسمعتها، أما إذا ثبت أن العروس ثيب فهناك مشكلات ومشادات كثيرة تحصل. وعلى الأغلب يطلق العريس عروسه ويستعيد أكثر الذي دفعه كمهر وكلفة».

الشاعر ناصيف ابو حسون

أما عن صبحية العروسين "يعني عند أول صباح بعد زواجهما" و"القِرى" والتي تعني "وليمة يقيمها أهل العريس بعد زواج العروسين"، بيّن الشاعر الشعبي "ناصيف أبو حسون" في العقد السابع من العمر وعضو مجلس إدارة في جمعية الأدب الشعبي وأصدقاء التراث قائلاً: «بعد أن يتم زف العروس إلى منزل عريسها وفي صبيحة اليوم التالي يتوافد الناس لتهنئة العروسين ويكون أهل العروس قد أعدوا وليمة فينقلون الطعام إلى بيت العريس ويدعون إليه أهل القرية وهذا ما يدعى "صبحية العروس"، وفي المساء يولم أهل العريس ويدعون جميع أهل القرية للعشاء ويسمى "القرِى"، أما إذا كانت العروس من غير قرية العريس فينتظر أهلها أسبوعاً ثم يدعون أهل قريتهم لزيارة ابنتهم ويصطحبون معهم الذبائح والسمن واللبن وهذه العادة تسمى "ردة الرجل" وبعدها بأسبوع يذهب العروسان مع وفد من قريتهم لرد الزيارة، لتبدأ حياة جديدة في منزلها الأسري بعد أن تم استيفاء عادات الأعراس والأفراح، وذلك بزيارة العرسان للمهنئين لهم، خاصة ممن قدموا لهم النقوط والهدايا العينية والمالية».

وأشارت الشاعرة "ربيعة غانم" التي تكتب الشعر الشعبي والمهتمة في التراث إلى أهمية تلك العادات قائلة: «تعتبر منظومة العادات والتقاليد العربية القديمة الحاضرة جزءاً من بناء علاقة الفرد بالمجتمع واستمرارية لثقافة اجتماعية بنتها ممارسة تلك العادات في الأفراح، وذلك بتضامن أفراد المجتمع في بناء أسرة متكافلة متضامنة منسجمة مع البيئة المحلية والاجتماعية، إضافة إلى الجمالية الخاصة التي كانت تتميز بها العروس والعريس، ومظاهر الفرح والكرم عند أهل العروسين، لعل تلك العادات جسدت لدى أبناء جبل العرب القيمة المعنوية، ولهذا ما زالت بعض العادات تمارس في القرى مثل "الشوبشة، والقِرى، والتهاني"، أما العمدة وسواها من عادات فأصبحت قليلة جداً، لأن تطور الحياة حمل معه عاداته وسلوكه وثقافته».

زي العروس