يشكل الباحث التاريخي "غزوان ياغي"موسوعة أثرية في مجال العمارة والفنون الإسلامية، لما له من دراسات، و مؤلفات و مشاريع في مجال التوثيق، والمسح، والتأهيل للمباني الأثرية، ليبرز بذلك عظمة التراث الاسلامي في سورية والعالم العربي.
" eDamascus " التقى الدكتور والباحث "غزوان ياغي" وكان معه اللقاء التالي:
** لا أعتقد أن يكون هناك شخص يستطيع أن ينفي علاقته بالماضي، لأن الماضي هو جزء من شخصية الإنسان والمجتمع بأكمله وهو ما يسمى بالتراث الذي هو الماضي بكل تأثيراته، فمنذُ الصغير كان يشغلني معرفة كيف عاش الأجداد وكيف سنعيش في المستقبل، كما أن الجو العائلي الذي عشت فيه ساعدني كثيراً وخصوصاً والدي المختص في مجال العلوم الاجتماعية، بالإضافة إلى قراءة كتب العلوم الإنسانية، الاجتماعية والجغرافية بشكل مستمر، هذه كانت بداية الاهتمام، وحتى في مراحل الدراسة الإعدادية والثانوية كانت علاماتي في الاختصاصات الإنسانية عالية جداً، وهذا ما دفعني لدراسة علم التاريخ في جامعة "دمشق" وثم دراسة دبلوم في التاريخ، بعدها سافرت إلى "القاهرة" للدراسات العليا في علم الآثار والعمارة الإسلامية، وهناك حققت حلمي في دراسة الآثار الفنون الإسلامية.
*لماذا اخترت هذا المجال؟
**إن الاهتمام بالتراث هو الاهتمام بالإنسان ذاته، فإذا كان الإنسان ابن ماضيه فإن هذا التراث وحده هو استشراق للمستقبل، وقد بدأ اهتمامي أولاً بعلم النفس ثم تطور إلى التراث باعتباره علما متكاملا، فكان اختياري لعلم الآثار لأنه يمثل أبرز ما في التراث، وكان ميلي للعمارة باعتباره العمود الفقري للآثار، فداخل المبنى أو المنتج العمراني الأثري ترى المنتج الفني بجميع أنواعه الفنية سواء "بالحجر، القيشاني، الأبواب المرصعة بالنحاس، الخشب، الأسقف، النقوش أو الموزاييك" وبهذا تمثل العمارة السلة التي تجتمع فيها كل التطورات الفنية للبشر، لأنها تعكس مدى الرقى الذي وصل إليه الإنسان في هذه الرقعة الجغرافية التي يوجد فيها هذا التراث. إن الفن الإسلامي ما هوإلا انعكاس للفكر الإسلامي.
*ما هي أهم الدراسات التي قمت بها حتى الآن؟
**إمعاناً مني بملاحقة فكرة واحدة وجدت أن السلوك الإنساني الإسلامي ينعكس بقوة في العمارات المدنية وأهم هذه العمارات هي المسكن باعتبار المسكن الإسلامي يعكس طبيعة الأسرة المسلمة تلقائياً بعيداً عن رجال الدين في العمارة الدينية، فالعمارة المدنية الإسلامية كانت عمارة حرية برزت فيها شخصية المسلم بكل حرية، ولهذا قمت بالعديد من الدراسات في هذا المجال وقد قضيت أكثر من أربعة سنوات في هذه العمارة لمعرفة العوامل المؤثرة في تخطيط المسكن الإسلامي بشكل عام والمسكن الدمشقي بشكل خاص وما هي العوامل الدينية، الاجتماعية، السياسية وحتى المناخية منها حتى وصلت إلى مجموعة مقالات في هذا المجال، كما أني درست بعمق مكثف البيت الإسلامي في "القاهرة" بدءاً من تأسيس "فسطاط" أي قبل "القاهرة" 350 عام وحتى نهاية العصر العثماني، ولدي كتاب مطبوع في "مصر" عن العمارة الإسلامية في "القاهرة". وفي "سورية" قمت بمجموعة من الدراسات جعلني أكثر قرباً من الشخصية الإنسانية الإسلامية وأكثر فهماً لطبيعة التصميم المعماري الذي ينتج عبر تأثيرات مباشرة لفكر الديني، الاجتماعي والشرقي ولدي أكثر من 50 مقالا في هذا المجال، بالإضافة إلى العديد من الدراسات عن العمارة الإسلامية في القدس، وأملك أرشيفا كاملا عن هذه العمارة الفريدة في العالم، كما قمت بتقديم العديد من المشاريع لحماية التراث الإسلامي في "سورية" وفي مدينة دمشق بشكل خاص، وقدمت أكثر من ورقة عمل في مؤتمرات خارجية كانت آخرها في مدرسة الفنون في "باريس" عن المعطيات الأثرية لمدينة "دمشق".
*ما هي المنهجية التي تعتمد عليها في دراساتك الأثرية؛ وما هي الأدلة التي تستند عليها عند اعتماد الوثائق التاريخية؟
**اعتمد على المنهج التحليلي وأحاول الابتعاد عن المنهج الوصفي أو التقريري، وحتى عندما أقرأ التاريخ لا أقرؤه من منظور وصفي، واعتقد أن العالم كله أصبح يتجه نحو هذا المنهج لأنه يعتمد على دراسة المقارنات والاستقراءات التي تعتمد على أدلة علمية، فالأدلة في علم الآثار كثيرة ومن أهمها الشاهد التاريخي أي العمارة أو المبنى التاريخي نفسه، وثم تحليل هذا الشاهد من خلال النقوش المكتوبة أو المحفورة على هذا المبنى، ثم من خلال المصادر الوثائقية "حجج الوقف" أذا أمكن، كما أنني اعتمد على أدلة أخرى مثل الصور والأشكال وتحليل المساقط.
*كيف ترى أهمية مشاريع المسح الأثري في التوثيق العمراني، وما هي أهم إنجازاتك في هذا المجال؟
**إن عمليات المسح والاهتمام بالمعالم الإسلامية الأثرية حالة حضارية تحمل في طياتها قيماً ودلالات تاريخية عظيمة، فهي الشاهد على عمق الحضارات التي توالت عبر الأزمنة والعصور، كما تعطينا تصوراً واسعاً عن نمط البناء وفنون العمارة الذي يستهوي الكثير من السياح العرب والأجانب. ولكن السؤال أين هي مشاريع المسح الأثرية التي أقيمت لتصنيف هذا التراث ووضعه في مكانه المناسب؟ وللأسف حتى الآن لم نستطيع أن نقيم مشروعا مسحيا متكاملا للآثار السورية بسبب ضعف التمويل، أما بالنسبة لي فقد قدمت في عام 2006 في مدينة "الاسكندرية" مشروع مسحي متكامل للآثار الإسلامية في "سورية ومصر" وقدمت فيها كتابا مطبوعا في "مصر"، وبعدها قدمت مشروع مسحي متكامل لمدينة "دمشق"، ولكن المشروعين لم يريا النور بعد بسبب التمويل، بالإضافة إلى العديد من المقالات والدراسات عن المسح الأثري وجميعها منشورة في الصحافة.
*كيف ترى التراث العمراني الإسلامي السوري في التراث العالمي؟
**المعالم الأثرية كثيرة ومتعددة في سورية، وتكاد لا تخلو مدينة أو بلدة منها لتقدم شاهداً حيّاً على عظمة حضارتنا وعراقتها الموغلة في التاريخ، وهذا ما جعل "سورية" من أولى الدول للتوقيع على اتفاقية التراث العالمي، والعمل على أن تكون المواقع السورية من أهم المواقع الأثرية على لائحة التراث العالمي، فمدينة "دمشق" على لائحة التراث العالمي منذٌ عالم 1979، بالإضافة إلى عشرات المواقع الأثرية في جميع المحافظات السورية، وهذا يؤكد مدى الغنى والرقي الحضاري والأثري في سورية.
*كم يبلغ عدد الوثائق والمخطوطات الأثرية لديك، وما هي أندرها وما أقدمها؟
**إن عملي لفترة طويلة في "دفتر خان" في وزارة الأوقاف "بمصر" أعطاني فرصة نادرة للوقوف على الحجج الأثرية الإسلامية "في مصر وسورية" والعالم الإسلامي بأكمله، ففي "دفتر خان" استطعت جمع أكثر من 200 وثيقة نادرة عن "دمشق والقاهرة"، ومن أهمها وثائق السلاطين، حيث أملك مجلدين كاملين عن السلطان "قايتباي" ومثلهما عن السلطان "برسباي"، بالإضافة إلى مئات الوثائق النادرة عن العمارة الإسلامية في "سورية ومصر"، وتم توظيف جزء من هذه الوثائق في رسالتي الماجستير والدكتوراه ، والجزء الثاني سوف ينشر في المجلس الثقافي الأعلى "بمصر" في كتاب عن العمارة الإسلامية في "القاهرة" في العصر المملوكي، كما أملك أرشيفا كاملا عن الآثار الإسلامية في "سورية"، بالإضافة إلى أرشيف كبير ونادر عن العمارة الإسلامية في مدينة "القدس".
*برأيك ما هي أهم الصعوبات التي تواجه الباحث والبحث التاريخي؟
**عدم وجود جهات بحثية تتبنى هكذا أنواع من البحوث والدراسات التاريخية الأثرية، وعدم وجود جامعات تميل إلى مثل هذه البحوث والدراسات، حيث ترى جامعات خاصة لديها كليات للديكور والعمارة وفنون أخرى وبالمقابل لا ترى أي كليات للآثار، كما أننا مازلنا مقصرين في تخريج باحثين بدرجة الدكتورة في مجال الآثار والعمارة الإسلامية بشكل خاص.
*ما رأيك في زيادة حركة التأليف في التراث العمراني الإسلامي وإنشاء بنك للمعلومات؟
**أرى التأليف والتوثيق حاجة في غاية الأهمية وملحة بشكل كبير جداً، فلا سبيل للحفاظ على التراث العمراني الإسلامي إلا من خلال التوثيق والتأليف لإظهار ولفت الانتباه والأنظار إليه، ولكننا للأسف نفتقد إلى مثل هذه البنوك التي نحن بحاجة لها أكثر من أي شيء آخر في المجال التاريخي والأثري، كما أن أغلب المؤلفات في هذا التراث تأخذ الطابع الوصفي أو السياحي، ونحن بحاجة إلى مؤلفات تأخذ الطابع التحليلي قياساً ببقية الدول العربية، وأذكر هنا مؤلفات الدكتور "عبد القادر ريحاوي" فهي مؤلفات هامة جداً، أما بالنسبة لي فقد تم طباعة العديد من الكتب والمؤلفات في هذا المجال في "سورية ومصر" منها "منازل القاهرة ومقاعدها في العصرين المملوكي والعثماني" صادر عن دار زهراء الشرق للطباعة والنشر"القاهرة" عام2004، وكتاب الدولة الفاطمية- الدعوة والتأسيس نشر الكتروني، وكتاب "القصور والدور المملوكية في القاهرة " وهي دراسة أثرية حضارية ، كما هناك كتاب سوف يصدر خلال الأشهر القادمة بعنوان "المعالم الأثرية للحضارة الإسلامية في سورية" بالتنسيق مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "ايسسكو"، بالإضافة إلى العديد من المقالات في هذا المجال.
*ما هي آخر مشاريعك البحثية؟
**الكتاب الذي تحدثت عنه، بالإضافة إلى مشاركتي مع العديد من الباحثين الآخرين بالتعاون مع رئاسة الجمهورية لإصدار موسوعة عن الآثار الإسلامية في "سورية" بشكل خاص، وبرأيي أنها سوف تكون موسوعة رائدة على مستوى العالم في مجال التراث والآثار.
التقينا الدكتور والمحاضر في جامعة "دمشق" قسم الآثار"نائل الحنون"، وحول رأيه بالباحث التاريخي في مجال العمارة والفنون الإسلامية يقول: يعد دكتور "غزوان ياغي" من أهم الباحثين في مجال الآثار الإسلامية في سورية والعالم العربي، فهو من الباحثين الشباب المتحمسين دائماً للعمل المتواصل في هذا المجال ايماناً منه بضرورة الاهتمام بهذا التراث العريق من خلال التوثيق والمسح والترميم الأثري، فهو يعرف بشكل دقيق أين يبحث عن المعلومة التي يريدها وما ساعده في ذلك دراسته الأكاديمية للتاريخ والآثار والعمارة مما شكل لديه حلقة متكاملة، كما له إنجازات كثيرة في مجال المسح والترميم وعلى أعمال التسجيل الأثري وأعمال الصيانة للمباني التاريخية، أسلوبه يعتمد على الأخذ من عدة مصادر وبعد تصنيفها بالذكر يقوم بإجراء تقاطعات تطفي طابعه الشخصي على الحالة التي هو بصددها، فضلاً عن إنجازاته الكثيرة في مجال توثيق العمارة الإسلامية وتسليط الضوء عليها، بالإضافة إلى إسهاماته في مجال التأليف وتقديم مشاريع لحماية التراث الإنساني الإسلامي في سورية والوطن العربي من الضياع.
الجدير بالذكر أن الدكتور"غزوان ياغي" من مواليد "سلمية" 1970، حاصل على درجة الدكتورة في العمارة والفنون الإسلامية من جامعة "القاهرة"، مدير المعهد التقاني للآثار "بدمشق"، محاضر في المعهد المتوسط للآثار والمتاحف التابع للمديرية العامة للآثار والمتاحف لمادة المباني التاريخية السورية، محاضر في قسم التاريخ جامعة دمشق لطلاب دبلوم الدراسات العليا لمادة علم الآثار والتسجيل الأثري، محاضر في قسم الآثار جامعة دمشق لمادتي صيانة وترميم الآثار و مناهج وتقنيات البحث الأثري، أشرف على عدد من رسائل الماجستير في جامعتي "حلب ودمشق".
كما انه سبق وأن عمل مديراً لمديرية آثار مدينة دمشق، ومديراً للمباني والتوثيق الأثري في سورية، ومديراً للمتحف دمشق التاريخي، كما أنه عمل باحثاً في معهد الدراسات الألماني قسم آثار المشرق "دمشق" 2007-2008، ورئيساً للفريق الوطني لتسجيل القرى الأثرية في شمال سورية "المدن الميتة" على قائمة التراث العالمي بالتعاون مع مكتب يونسكو فرنسا حتى عام المنسق العام لإتحاد الآثاريين العرب الذي يتخذ من دمشق مقراً دائماً له في الفترة 2008، فضلاً عن العديد من الدراسات، المؤلفات، والمشاريع، وإلقاء العديد من المحاضرات في مؤتمرات في سورية والعالم.
