بأيدي نساء الريف الساحلي يعجن، وبأفخر أنواع الزيوت البلدية يدهن، وعلى دفء رماد الجمر ينضج، هو خبز "الملة" أقدم أنواع الخبز في ريف الساحل السوري، وأسرعه في طريقة التحضير والنضج.
يحدثنا الأستاذ "إبراهيم علي نده" من ناحية "حمام واصل" التابعة لمنطقة "القدموس" وذلك خلال زيارته بتاريخ 10/1/2012 فيقول: «لم يكن أبناء الريف الساحلي مجرد شعب يعيش حياته لمجرد مرور الأيام والساعات، بل هو الشعب الذي يستحق الحياة لأنه استطاع التعايش مع تلك الأيام الفقيرة والظروف الصعبة، فعندما لم يكن يوجد أي نوع من أنواع الخبز الذي يجب أن يؤكل مع الخضار التي يجنونها من الطبيعة، ابتكرت نساء هذا الريف الغني طريقة لصناعة الخبز، وطهوه في وقت لم تكن تستطيع التفرغ حتى لنفسها، فالأعمال المنزلية والحقلية والحياتية كانت تملأ يومها بأكمله.
السر في هذا النوع من الخبز وهو خبز "الملة" أنه اسمك من خبز التنور العادي المعروف في أيامنا هذه، فالسيدة لم تكن تملك بعد الكارة والكف القماشيان، أو حتى قرص الخميرة الذي يساهم في نضج العجينة قبل وضعها في الرماد، أو بلاطة الرق، لذلك كنا نسمع من جداتنا أنهن كنّ يخبزن في أي وقت يجدون فيه الفرصة المناسبة وفي أي مكان، لذلك كان الطحين يرافقهن في كل مكان يحللن فيه، كالحقل مثلاً
سمي هذا الخبز خبز "الملة" لأن طريقة تحضيره بسيطة وسريعة، وطريقة طهوه أسرع من طهو أي وجبة طعام أخرى، حيث إنه بعد عجن مطحون القمح كما كانوا يسمونه فيما مضى، تشعل السيدة النار في أي مكان تجده مناسبا وقريبا منها لمتابعة بقية أعمالها الأخرى، وتتركها حتى تصبح رماداً، وحينها تحضر قطع العجين وترقها بشكل بسيط وتضعها فوق الرماد وتضيف فوقها رماداً آخر، وتتركها لخمسة دقائق. وبعد ذلك ترفع الخبز من الرماد وتنفخ عليه فيتطاير الرماد عن الخبز بشكل كامل، فتقوم بعدها بدهن الخبز بالزيت المسلوق أو ما يعرف بزيت "الخريج"، فيتشرب الرغيف الزيت ويحافظ على طراوته التي هي أساس في طبيعته، لأنه بشكل عام أسمك من خبز التنور العادي المعروف حالياً».
هذا النوع من الخبز تميز بسهولة التحضير وفي أضيق الأوقات، وهنا يقول الأستاذ "إبراهيم": «أتذكر فيما مضى عندما كنا نأخذ القمح على ظهر البغال لطحنه في طاحونة المياه الموجودة بجانب جسر "الحاج حسن" كنا نبقى فترات طويلة ننتظر دورنا، وكان صاحب الطاحونة وفي عجالة من أمره يعجن القليل من الطحين ويشعل النار في الأرض ويتركها خلال عمله حتى تصبح رماداً، فيضع فيه ما تمكن من قطع العجين، ويغطيها بالرماد حتى يفرغ من عمله مرة أخرى، ومن ثم يدهنها بالزيت ويوزعها علينا لتناولها بعد انتظار طويل للدور، وهنا كانت تكمن متعتنا، فهذا الخبز اللذيذ الطري بعد يوم مضن من التعب كان يشعرنا بالشبع والقوة».
وفي لقاء مع السيدة "حسيبة عبد الله" تقول عن طريقة تحضير هذا النوع من الخبز: «فيما مضى لم يكن لنساء الريف الكثير من الوقت لذلك كنّ يقمن بتحضير نار التنور وعجن العجين وانتظاره حتى ينضج ومن ثم رقه وخبزه على الكارة ولصقه على جدار التنور ومراقبته حتى ينضج كما في وقتنا الآن، فالأعمال المنزلية والحقلية الأخرى كانت تملأ اليوم حيث كانت يداها بيد رب الأسرة في جميع الأعمال.
وكما أذكر أن السيدة كانت تقوم بعجن مطحون القمح بالماء ومن ثم تقطعه وتكبسه بيدها بشكل سريع ليأخذ شكلا دائريا أو بيضويا، وهذا طبعاً بعد أن تكون قد أشعلت النار بجانبها وتركتها حتى تصبح رماداً، فتضع العجينة ضمن الرماد وتتركها وتذهب لأعمالها الأخرى، وبعد فترة من الزمن ترفعها من الرماد وتدهنها بالزيت فقط».
أما السيدة "ناديا ريحان" فتقول: «السر في هذا النوع من الخبز وهو خبز "الملة" أنه اسمك من خبز التنور العادي المعروف في أيامنا هذه، فالسيدة لم تكن تملك بعد الكارة والكف القماشيان، أو حتى قرص الخميرة الذي يساهم في نضج العجينة قبل وضعها في الرماد، أو بلاطة الرق، لذلك كنا نسمع من جداتنا أنهن كنّ يخبزن في أي وقت يجدون فيه الفرصة المناسبة وفي أي مكان، لذلك كان الطحين يرافقهن في كل مكان يحللن فيه، كالحقل مثلاً».
