تعتبر الزراعة العضوية تطوراً في العملية الزراعية، لأنها تسهم في تخفيض استخدام الأسمدة والمواد الكيماوية، ولها أهميتها في العائد الاقتصادي بتخفيف تكاليف الإنتاج.

«نشأت الزراعة العضوية عالمياً كنظام بديل للتغلب على العواقب الناجمة عن الاستخدام الكبير والمكثف لمستلزمات الإنتاج الخارجية وذلك بالاعتماد بشكل أساسي على المصادر المتوافرة محلياً ومحاولة إعادة صيانة النظام البيئي»، الحديث كان للباحث الدكتور "طوني طلب" رئيس قسم التقانة في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية لموقع eSyria بتاريخ 12/1/2012 وتابع بالقول: «تطورت الزراعة العضوية على مدار القرن العشرين وذلك بمبادرات من المزارعين أنفسهم بالبداية، أما الاهتمام البحثي بموضوع الزراعة العضوية فهو يعود بشكل أساسي إلى العقود القليلة الماضية ويعد تأسيس الاتحاد الفيدرالي الدولي لحركات الزراعة العضوية بمثابة نقطة تحول في تاريخ الزراعة العضوية، تعرف الزراعة العضوية بأنها "نظام الإنتاج الذي يتجنب أو يستثني إلى حد كبير استخدام الأسمدة والمبيدات ومنظمات النمو وإضافات العلف الصناعية المركبة"، وتعتمد أنظمة الزراعة العضوية بشكل كبير على الدورات الزراعية، واستخدام بقايا المحاصيل والمخلفات الحيوانية والأسمدة الخضراء والنباتات البقولية، إضافة لاستخدام المخلفات العضوية من خارج المزرعة بشروط محددة، وتطبيق المكافحة الحيوية للآفات، وينصب الاهتمام الأكبر لأساليب الزراعة التكثيفية على تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة من المحصول، لذا فهي تستند إلى مفهوم بسيط وهو أن إنتاجية المحصول تزداد بزيادة ما يقدم له من العناصر الغذائية وتنخفض نتيجة الإصابة بالآفات المرضية والحشرية والأعشاب والتي يجب مكافحتها. بالمقابل فإن الزراعة العضوية هي أسلوب شمولي يسعى إضافة إلى تحقيق إنتاجية عالية الجودة إلى الوصول إلى هدف هام ألا وهو المحافظة على الموارد الطبيعية وخصوبة التربة ونظافة الماء وغنى التنوع الحيوي. كما يجب في الزراعة العضوية تغيير طريقة التفكير "فبدلاً من معالجة المشاكل لا بد من معالجة أسباب هذه المشاكل" والأخذ بالاعتبار أن أي إجراء سوف يؤثر على الجوانب الأخرى لنظام إدارة المزرعة».

نشأت الزراعة العضوية عالمياً كنظام بديل للتغلب على العواقب الناجمة عن الاستخدام الكبير والمكثف لمستلزمات الإنتاج الخارجية وذلك بالاعتماد بشكل أساسي على المصادر المتوافرة محلياً ومحاولة إعادة صيانة النظام البيئي

وعن تميز الزراعة العضوية ومقاييسها تابع الباحث الدكتور "طوني طلب" قائلاً: «تتميز الزراعة العضوية بوجود نظام خاص بمراقبة الجودة يطمئن المستهلك أن المنتَج قد تم إنتاجه عضوياً أي وفق معايير محددة، ويقوم هذا النظام على كل من المقاييس والتفتيش وإصدار الشهادات والاعتماد، أما المقاييس فهي عبارة عن اتفاقيات موثـقة تحتوي خصائص ومواصفات فنية أو أية معايير دقيقة أخرى يتم استعمالها باستمرار لضمان أن المواد أو المنتجات أو العمليات التصنيعية أو الخدمات تلائم الغاية المنشودة؛ والمقاييس التي تتعلّق بالمنتجات الغذائية العضوية هي مقاييس إنتاج أو تصنيع تصف أو تفرض أو تسمح أو تمنع إجراءات ومواد ما، إضافة إلى أنها مقاييس لمنح الشهادات ولبطاقات البيان. أما التفتيش فهو الوسيلة التي تضمن تطبيق المقاييس من خلال زيارة الموقع للتحقق من أن الأداء لأي عملية (إنتاج، تداول، تخزين، تصنيع وغيرها)، يتوافق مع المقاييس الخاصة لبرنامج منح الشهادات أو التصديق، ويعرف منح الشهادة بأنه الإجراء الذي يقوم بموجبه طرف ثالث بإعطاء إقرار خطي بأن المنتَج قد تم الحصول عليه وفق مقاييس الإنتاج العضوي وإعطاء المستهلكين والمستوردين ومصنّعي الأغذية ومنظمات التجزئة ضماناً بالأصل العضوي، أما الاعتماد فهو الإجراء الذي يضمن أهلية جهات منح الشهادات حيث تقوم بموجبه جهة أو سلطة مختصة بتقييم برنامج التصديق أو منح الشهادات ومنحه الاعتراف الرسمي».

الدكتور طوني طلب

وحول آلية تطبيق الزراعة العضوية أوضح الباحث الدكتور "طوني طلب" بالقول: «قبل البدء بمثل هذا الإنتاج يجب على المزارعين أو مربي الحيوانات معرفة مكونات منظومة الإنتاج العضوي وشروط الزراعة العضوية وكيفية التطبيق من أجل التحول السليم لمثل هذا الإنتاج. وهذا يتضمن الشروط والإجراءات التي سينفذونها خلال كامل مراحل الإنتاج وحتى وصول السلعة للمستهلك، لذا وقبل البدء بالإنتاج العضوي على المزارعين دراسة موقع المزرعة وتاريخها والمزارع المحيطة بها والأعشاب البرية والآفات الموجودة في البيئة ومعلومات أخرى عن المنشآت والآلات والأدوات الموجودة فيها إضافة إلى المنشآت المحيطة بها من أجل البدء بنظام عضوي سليم. هذا يعني معرفة بيئة المزرعة من تربة وماء وهواء ونوعيتها وما هي الآفات السائدة وخصائص المحاصيل المزمع زراعتها، ثم معرفة كيفية إدارة المزرعة من ناحية الأصناف والدورة الزراعية ومقاومة الآفات وتدابير المحافظة على خصوبة التربة من خلال الممارسات الصحيحة المنصوح بها للزراعة العضوية، وكملخص لذلك يجب معرفة طرق الوقاية من الآفات، والأصناف المقاومة أو المتحملة للآفات الهامة، وكيفية إخصاب التربة طبيعياً بالأسمدة الخضراء أو العضوية أو بالكمبوست المصنع بالمزرعة والدورة الزراعية المناسبة وكيفية التعامل مع المحصول عند حصاده حيث إن المحاصيل العضوية يتم تصنيعها وتداولها بصورة منفصلة من حيث الزمان والمكان عن تصنيع وتداول المنتجات غير العضوية. لذا على منتجي المواد العضوية معرفة كافة المبادئ والتعليمات والقوانين الخاصة بالزراعة العضوية. إضافة إلى ذلك يجب معرفة مواصفات السلعة التي يتطلبها مثل هذا الإنتاج من قبل المستوردين للسوق حيث تختلف المعايير بشكل طفيف من دولة إلى أخرى وكيفية مسك سجلات للمزرعة».

وحول التشريعات القانونية للزراعة العضوية بين الدكتور "موفق جبور" الباحث في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية بالقول: «ضمن نطاق مشروع الزراعة العضوية في المرحلة الأولى 2006-2009 في الجمهورية العربية السورية والتي ركزت على إيجاد قاعدة فنية وتشريعية للزراعة العضوية فقد قامت الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية بتنفيذ بعض التجارب التطبيقية لدى الإخوة المزارعين في مجال الزراعة المحمية في المنطقة الساحلية وفي مجال الزراعات الأخرى كالزيتون والفستق الحلبي... الخ في المناطق الأخرى. كما نفذت العديد من الدورات والندوات وورشات العمل التدريبية للفنيين وللإخوة المزارعين بمعظم المحافظات وقدمت المعلومات اللازمة من أجل تطبيق هذا النمط من الزراعة بشكل علمي. وبلغ عدد ورشات العمل التدريبية بتلك المرحلة 17 ورشة إضافة إلى 10 ندوات، وتتابع وزارة الزراعة تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بالتنسيق مع البحوث الزراعية لمتابعة تأهيل المزارعين والمستفيدين إضافة إلى متابعة تنفيذ بعض التجارب لدى الإخوة المزارعين على أهم الزراعات التي يمكن البدء بها كزراعة عضوية. وقد نجح بعض الإخوة المزارعين بالبدء بالإنتاج العضوي في مجال القطن، الزراعات المحمية، الزيتون الخ..»

أحد الحقول الزراعية

وتابع الباحث الدكتور "موفق جبور" عن دور المؤسسات الحكومية قائلاً: «قامت وزارة الزراعة ممثلة بالهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية بدعوة الجهات ذات العلاقة من الوزارة (الإرشاد الزراعي، ومديرية الإنتاج النباتي، مديرية وقاية المزروعات، مديرية الصحة الحيوانية، اتحاد غرف الزراعة، ومن خارج الوزارة (الاتحاد العام للفلاحين، وزارة الاقتصاد والتجارة، وزارة الصحة، الهيئة العامة للمواصفات، من أجل وضع قانون للزراعة العضوية، وقد تم إعداد القانون وأرسل للجهات صاحبة القرار وقد أقر من قبل مجلس الوزراء وهو في طريقه نحو الصدور الأمر الذي سيساهم بشكل فعال وعملي بتنظيم مثل هذا القطاع، أما على ارض الواقع فقد نفذت وزارة الزراعة عدداً من المشاريع بالتعاون مع الهيئات الدولية التي يمكن أن تعتبر تمهيداً للتحول إلى الزراعة العضوية مثل الإدارة المتكاملة للزراعات المحمية والزراعة النظيفة والمكافحة الحيوية والتخلص من مادة بروميد الميثل في تعقيم التربة بالزراعة المحمية والتي من خلالها تم التركيز على استخدام الأسمدة العضوية الطبيعية وتعقيم التربة بالطاقة الشمسية واستخدام شتول مطعمة من الخضار على أصول مقاومة لآفات التربة والتعقيم الحيوي للتربة والمكافحة الحيوية والنحل الطنان في تلقيح الأزهار مع استخدام وسائل الوقاية لمنع دخول الحشرات أو الإصابة بالآفات إلخ».

وبالنهاية فإن فوائد الزراعة العضوية فقد لخصها الباحث الدكتور "موفق جبور" قائلاً: «تنحصر فوائدها بالحفاظ على البيئة فهي تقلل من تلوث المياه والهواء والتربة بالمواد الكيماوية والمبيدات، وتحد من استخدام مصادر الطاقة غير المتجددة والمواد المصنعة وبالتالي تقلل من ظاهرة الاحتباس الحراري وربط جزء كبير من الكربون في بنية التربة، وتعيد للتربة التوازن الطبيعي حيث تشجع على تكاثر الكائنات المفيدة التي تساهم في إغناء الحياة الفطرية وزيادة أعداد الأعداء الطبيعية والمفترسات المفيدة، والحيلولة دون استنزاف خصوبة الأراضي بتعزيز قوام وبناء التربة من خلال اتباع دورات محصولية تراعي التدابير المتبعة للمحافظة على خصوبتها وزيادة المواد العضوية التي تحفز تكاثر الكائنات الحية بالتربة، وتوفير غذاء صحي خال من المضادات الحيوية والمواد الكيميائية: (مبيدات، أسمدة، مثبتات عقد...) وتقليل المخاطر التي يتعرض لها المزارعون الناجمة عن استخدام المواد الكيميائية السامة، والمساهمة في تنمية الريف واستيعاب أفضل للأيدي العاملة وإعادة تواؤم الريف مع الطبيعة، وبالنظر إلى الواقع الزراعي ضمن ظروفنا المحلية يلاحظ وجود العديد من الزراعات البعلية التي تكاد تكون خالية من أية إضافات كيماوية المنشأ والتي تجعلها مؤهلة للتحول السهل نسبياً للزراعة العضوية خصوصاً مع وجود تكامل بين الشق النباتي والحيواني في العديد من المناطق الأمر الذي يسهل من تدوير مخلفات المحاصيل والاستفادة منها في إخصاب التربة، مع إمكانية إنتاج بعض المنتجات الحيوانية مثل اللحم والبيض ومشتقات الألبان بالشكل العضوي. ولابد من الإشارة إلى الاهتمام العالمي بالصحة والبيئة الذي انعكس إيجاباً على ازدياد الطلب بشكل كبير على المنتجات العضوية، لذلك تعتبر هذه المنتجات سهلة التصدير إذا تم اتباع الطرق الصحيحة في الإنتاج والتداول الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني وعلى العاملين في هذا القطاع».

الدكتور موفق جبور