عند زيارتك لدمشق وأزقتها القديمة، لا بد أن يجذب انتباهك بناء هام يقع على أحد جانبي نهر "بردى" بقببه البيضاء ما يوحي بعظمة هذه المدينة التاريخية، إنها "التكية السليمانية" في "دمشق".

وللتعرف أكثر على هذا الصرح المعماري الإسلامي الكبير، "eDamascus" التقى السيد "هاني العشي" رئيس لجنة سوق المهن اليدوية في التكية السليمانية، وعنها يقول: «تنقسم التكية إلى قسمين: "الكبرى" التي تتألف من مسجد ومدرسة، و"الصغرى" التي تتألف من حرم للصلاة وباحة واسعة تحيط بها أروقة وغرف تغطيها قباب متعددة، كانت مأوى للغرباء وطلبة العلم، والواقع أن التكية أخذت تؤدي الوظيفة نفسها التي كانت تقوم بها الخنقاوات، أي إنها خاصة بإقامة المنقطعين للعبادة من المتصوفة، كما أنها قامت خلال العصر العثماني بدور آخر وهو تطبيب المرضى وعلاجهم وهو الدور الذي كانت تقوم به البيمارستانات في العصرين الأيوبي والمملوكي، إلا أنه مع بداية العصر العثماني أهملت البيمارستانات وأضيفت مهمتها إلى التكايا، وتطور دور التكايا بعد ذلك، وأصبحت خاصة بإقامة العاطلين من العثمانيين المهاجرين من الدولة الأم والنازحين إلى الولايات الغنية مثل مصر والشام، ولهذا صح إطلاق لفظ "التكية"، ومعناها مكان يسكنه الدراويش وغالبا ممن ليس لهم مورد للكسب».

تعد التكية السليمانية أول بناء وضع على الطراز العثماني في "دمشق"، هذا الطراز الذي تبدو فيه الجوامع كتلة متراصة بالغة الضخامة والارتفاع يضفي تكوينها المعماري على الزخرفة في المظهر الخارجي وفي الواجهات

ويضيف "العشي": «التكية تضم اليوم المتحف الحربي وسوق الصناعات الشعبية الذي تأسس عام 1974 والذي يقع في مدخل المدينة القديمة الغربي، ويتألف من قسم المعروضات الذي يضم محلات "الفضيات والذهب"، ويتكون من صفين من الدكاكين بطول 85 متراً، بكل صف 22 دكاناً تشبه الأواوين مسقوفة بقباء طولية وله بابان شرقي يؤدي للخارج والغربي يتصل مع التكية، وتشكل بداية موسم الصيف وأيام الأعياد ورأس السنة أهم المواسم لأصحاب المحلات اذ تنشط حركة الهدايا وزيارات المغتربين الذين يحملون من بلدهم تذكارات تعبر عن تراثهم الأصيل ويأتي في المرتية الثانية أبناء دول الخليج الذين يفضلون النحاسيات مثل النرجيلة وأباريق القهوة والسيوف الدمشقية ذات النقوش الإبداعية المطعمة بالذهب والفضة، وعلى الباب الشرقي كتابة تشير إلى تجديده في عهد السلطان "مصطفى الثالث" "1757ـ 1773 ميلادي"، وقد تم إزالة الجناح الشرقي من الدكاكين وحل محله معهد الحقوق أو وزارة السياحة الآن، وتم تحويل السوق بعد إصلاحه إلى سوق سياحي للصناعات اليدوية، والقسم الآخر الواقع في التكية المعروفة باسم "التكية السليمانية" ويضم معامل الحرف التقليدية، واختيرت التكية الصغرى مكاناً له بينما اتخذت التكية الكبرى مقراً للمتحف الحربي، والتكيتان تمثلان ما يعرف بالتكية السليمانية».

الباب الغربي للتكية

كما التقينا الدكتور "غزوان ياغي" الباحث في شؤون العمارة الإسلامية ومدير معهد الآثار والمتاحف "بدمشق"، وحول هذا الصرح المعماري الإسلامي الفريد يقول: «تعد التكية السليمانية أول بناء وضع على الطراز العثماني في "دمشق"، هذا الطراز الذي تبدو فيه الجوامع كتلة متراصة بالغة الضخامة والارتفاع يضفي تكوينها المعماري على الزخرفة في المظهر الخارجي وفي الواجهات».

يواصل "ياغي" حديثه، فيقول: «تبلغ المساحة الإجمالية للتكية السليمانية نحو أحد عشر ألف متر مربع حيث أقيمت الشرقية منها على الطراز العثماني الاستانبولي، أما الغربية منها فتشمل التكية المحاطة بسور له ثلاثة أبواب رئيسية وصحن سماوي فيه بركة ونافورة جميلة والصحن مبلط بالحجارة البيضاء والسوداء، أما الأروقة فمسقوفة على شكل قباب صغيرة ووراءها غرف كبيرة مسقوفة بقباب أكبر من القباب الأولى، والتكية يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام، أولها المسجد، ويمثل الجزء القبلي من التكية السليمانية، ويتقدمه رواق عريض محمول على أعمدة ذات تيجان مقرصنة مسقوف بثلاث قبات، أما قاعة الصلاة فشكلها مربع، ضلعه 16 متراً عليها قبة برقبتها 24 نافذة وهي محمولة على أربعة مثلثات كروية محمولة بدورها على أربعة عقود تستند على أربعة دعامات ضخمة، ويقع المدخل الرئيسي للقاعة في الواجهة الشمالية، وعلى جانبيه محرابان مزينان مع كتلة المدخل بالمقرنصات، حيث تقوم المئذنتان في زاويتي الجدار الشمالي للمسجد، وقد تم تجديدهما في عام 1745م، كما تم تجديدهما مرة ثانية في عام 1928م.

دكتور غزوان ياغي

أما الجزء الثاني من التكية السليمانية فيتكون من مجموعتين سكنيتين، وهما جناحان شرقي وغربي، ويتكون كل جناح منهما من ستة غرف مربعة طول ضلعها 6م، يتقدم كلاً منهما رواق مغطى بقباب صغيرة بحيث تقابل كل غرفة قبتان.

أما القسم الثالث من التكية والذي يمثل الجناح الشمالي منها فيتألف من قاعتين كبيرتين ومطبخ والغرف الملاصقة له، فالقاعتان الكبيرتان تمتد كل منهما من الشمال للجنوب بطول 40 متراً، يتوسط كل منها صف من الدعامات التي تقسمها لقسمين، غطي كل قسم منها بسبع قباب، أما المطبخ فهو مستطيل الشكل، مغطى بأربع قباب مفتوحة في وسطها للتهوية والدخان وبه حوض للمياه، وربما تم استخدم أحد الغرف الملاصقة له لسكن شيخ التكية».

سوق مهن اليدوية

يضيف "ياغي": «أما المدرسة فهي بناء مستقل، يقع في الشرق من التكية أبعادها 45×40 متراً، وهي تشبه مبنى التكية، في وسطها صحن مزود ببركة مستطيلة وتحيط به مجموعة من الغرف الصغيرة المسقوفة بالقباب والتي يتقدمها رواق مغطى بقباب على غرار الجناح السكني الواقع في التكية، وفي المدرسة مسجد خاص لا مآذن له، ولا منبر بشكل مصلى، مغطى بقبة ذات رقبة مضلعة مزودة بالنوافذ، ويكسو جدران المصلى ألواح "القاشاني" وبه شبابيك وخزائن للكتب، وأمام المسجد مصطبتان ضمن رواق يتقدمه "بائكة" من ثلاثة عقود. وللمدرسة باب رئيسي كبير بمنتصف الواجهة الشمالية وأربعة أبواب أخرى صغرى تصل المدرسة بالأجزاء المجاورة والمحيطة بها، ويدخل من الباب الرئيسي للمدرسة إلى دهليز على جانبيه إيوانان صغيران كغرفتين للحراسة، وتفتح كتلة المدخل هذه على صحن المدرسة بثلاثة عقود محمولة على عمودين ويغطيها ثلاث قباب للوسطى منها رقبة بها كوى مزخرفة».

كما التقينا الباحث التاريخي "أنس حسين"، فقال: «تقع التكية على الضفة اليمنى لنهر بردى شرقي المتحف الوطني بدمشق حيث سميت التكية السليمانية نسبة للسلطان العثماني "سليمان القانوني" الذي شيدها عام 1554 مكان قصر "الملك الظاهر بيبرس" الذي كان يسمى "قصر الأبلق"، وقد نزل فيه السلطان "سليم" خلال إقامته في "دمشق"، وبعدها هدم القصر وبدئ ببناء التكية السليمانية عام "962هـ وانتهت في عام 967هـ، ثم بدئ ببناء المدرسة الملحقة بها عام 974هـ، وهي السنة التي توفي فيها السلطان "سليمان".

"التكية السليمانية" الآن أصبحت سوقا للمهن اليدوية حيث يتواجد في دكاكينها عدد كبير من صانعي الحرف مثل "البروكار الدمشقي، صناعة الزجاج التقليدي، النحاسيات والموزاييك الشامي" وتعد من أعظم الأبنية التاريخية في دمشق وقد اتصف عمرانها بالتصميم العثماني ذي القباب والأروقة، وتتألف التكية من صحن واسع تتوسطه بركة كبيرة مستطيلة الشكل وتتوزع حول الصحن مجموعة من المباني، ويحيط بمباني التكية سور حجري، ولها ثلاثة أبواب غربي، وشرقي، وشمالي».

كما التقينا السيدة "ميسون كركوكلي" مديرة معمل الزجاج في "التكية" ومدرسة فنون يدوية، فتقول: «يعود الفضل في اختراع الزجاج وانتشاره في العالم إلى سورية التي كانت مهد هذا الاختراع.

حيث نصنع هنا جميع أنواع الأدوات التي يمكن استخدامها في المنزل، من الكاسات بجميع أنواعها إضافة إلى مزهريات وثريات وغيرها من الأدوات وبأشكال وأحجام مختلفة حسب رغبة الزبون، وطبعاً أسعار الزجاج المصنوع يدوياً أغلى من الزجاج الصناعي، لأنه يتطلب وقتاً أطول وجهداً وتكلفة أكبر من الصناعي، ولأن الأخير يستخدم الآلات والقوالب الجاهزة في التصنيع، حيث يثمن سعر كل قطعة مصنوعة يدوياً حسب الحجم، والوزن، كما نقوم برسم الزخارف على القطع الزجاجية، ما يضيف إليها جمالية تشد النظر إليها، بعد الانتهاء من تصنيع القطعة الزجاجية وتبريدها نبدأ بالرسم عليها، كما هناك من يحفر على الزجاج، حيث تغطس القطعة بالشمع وبعدها يبدأ الحفر عليها».

والجدير بالذكر انه تم في عام 2007م بالتعاون بين المديرية العامة للآثاروالمتاحف والحكومة التركية أعمال دراسة وتحليل لكامل مباني التكية والمدرسة بهدف الانتهاء من وضع الدراسة الفنية لمشروع ترميم متكامل سيقوم الجانب التركي بتمويله بناء على اتفاقية وقعت بين الجانين، يتوقع منها أن تعيد الألق إلى كل الأجزاء التي ذكرناها أعلاه.