من الفونوغراف إلى الـ DVD مسيرة تتجاوز القرن تغيرت فيها الموسيقا كما الناس والنفوس وتغيرت فيها الأصوات الغنائية من الصوت (الخام) إلى (الأصوات المعيرة وفق الرغبة على الحاسب)، وفي وسط هذا التغيرات يبقى البحث عن القديم هاجساً لدى الكثيرين.
"تسجيلات محمد علي حداد" هذا الاسم الطويل الجميل لم يفارق أسماع "ذويقة" الفن حتى اليوم منذ أكثر من نصف قرن، ما يبحث عنه هؤلاء "الذويقة" يجدونه في عنوانه الذي يجدونه في نهاية كل كاسيت "اللاذقية شارع القوتلي"، وكثير من الزبائن يأتون من عدة بلدان عربية بحثاً عن أغنية معينة أو كاسيت لفنان سمعوا به أو تابعوا أغانيه في زمن ما.
قمنا بنقل هذا التراث كله باستخدام آلة قديمة لا تزال تعمل لليوم وتم أساساً سحب الأسطوانات من "بيك آبات" والبيك آب تم اختراعه بعد الفونوغراف (المسجل) حيث نسحب منه التسجيلات على الكاسيتات ثم ننقلها مرة ثانية إلى سيديات وDVD وبعدة نسخ حفاظاً عليها من عوامل الزمن
السيد "نزار علي حداد" ابن الحاج "علي حداد" تحدث لموقع eLatakia عن تاريخ أقدم تسجيلات صوتية في اللاذقية فقال: «تأسس المحل عام 1951 ومازال لليوم بإدارة مؤسسه الباحث الموسيقي "محمد علي حداد"، ويضم المحل أقدم وأكبر مكتبة موسيقية وغنائية في الساحل السوري من الكاسيتات إلى التسجيلات الحديثة إلى الآلات الموسيقية كالعود والكمان والغيتار والأورغ وغيره، ولدينا في تراث تسجيلاتنا آلات موسيقية تعود إلى الأربعينيات من القرن الماضي».
أقدم تسجيل موسيقي مازال يحتفظ به الحاج "حداد" يعود إلى عام 1906 وهو لعبدو الحامولي الذي توفي عام 1902 حيث كانت الحفلات تبث على الهواء مباشرة، كذلك هناك تسجيلات نادرة لبكري الكردي أستاذ الفنان صباح فخري ولعبد الحي حلمي تلميذ عبدو الحامولي وليلى مراد وطبعاً سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم حيث توجد في المحل حفلات نادرة جداً وبنقاء كبير لها تم تسجيلها خلال فترة ناهزت الخمسين عاماً، ومن تراث "اللاذقية" هناك أسماء تركت بصماتها لليوم وتحولت أغانيها والتي هي جزء من تراث المدينة إلى علامات فارقة فنياً كالفنان "خليل صفتلي" وأغنياته الشهيرة لليوم "سالم" و"على موج البحر" و"حبيتو" وهناك الفنان "ميشيل نعمة" وأغنيته "مسافرة" و"ميليا مطر" صاحبة أغنية "حبيبي أنت حبيبي" و"سليم بزرغال" وغيرهم من فناني التراث الذي نفتقده اليوم بشدة.
وعن كيفية وصول هذه التسجيلات إلى "اللاذقية" قال السيد "نزار": «كان لوالدي منذ كان صغيراً هاجس الموسيقا وأدواتها وأغانيها وجعلها هاجس حياته كلها فسافر إلى مصر ولبنان وحلب ودمشق وبغداد وبنى علاقات طيبة مع أولئك العمالقة الذين أكبروا فيه هذه الروح الطيبة وكثير من تسجيلاتنا الموجودة هي من المكتبات الخاصة لهؤلاء الفنانين من أمثال الموسيقار الكبير "محمد عبد الوهاب" الذي زاره الوالد في القاهرة عدة مرات والموسيقار "محمد الموجي" والموسيقار "فريد الأطرش" و"رياض السنباطي" و"صباح فخري" و"أم كلثوم" و"سعاد محمد" وغيرهم من أعمدة الغناء العربي وعمالقته».
وأضاف: «قمنا بنقل هذا التراث كله باستخدام آلة قديمة لا تزال تعمل لليوم وتم أساساً سحب الأسطوانات من "بيك آبات" والبيك آب تم اختراعه بعد الفونوغراف (المسجل) حيث نسحب منه التسجيلات على الكاسيتات ثم ننقلها مرة ثانية إلى سيديات وDVD وبعدة نسخ حفاظاً عليها من عوامل الزمن».
لا تتوافر هذه التسجيلات لدى الكثير من الوسائل الإعلامية سواء الإذاعات أو التلفزيونات أو غيرها ولذلك يخشى عليها من عوامل الزمن أو العوامل البشرية نفسها فقد تتعرض لأذى يؤدي بها إلى التلف أو الضياع ولذلك فقد وضعت التسجيلات على نسخة رئيسية "ماستر" ووضعت في حقائب من الجلد المقوى ورتبت حسب تاريخها وحسب المطرب المغني.
الدكتور "عبد الكريم صاري" طبيب أسنان سألناه لماذا اختار هذا المحل ليبحث عن كاسيت لـ"ياسمين الخيام" فقال: «تعود علاقتي بالمحل إلى أكثر من ثلاثين عاماً حيث كنا نترقب دائماً أي جديد في عالم الغناء العربي، ما إن تنتهي "أم كلثوم" من إحدى حفلاتها في بلد عربي حتى نبادر بالسؤال عنها هنا فنحن نعرف أن الحاج "محمد علي حداد" سيكون أول من يحضرها إلى "اللاذقية" وبنسخة أصلية صافية خالية من التشويش، اليوم نفتقد هذا الإحساس فلم يعد هناك عمالقة في الغناء العربي وباستثناء السيدة "فيروز" فقد اختفت تلك الأصوات النقية ليحل بدلاً منها أصوات نشاز تعتمد على التقنيات الحديثة في تنقية الصوت».
السيد "محمد جلعود" وهو مهندس في الخمسينيات من العمر يعمل في لبنان تحدث كذلك لموقعنا فقال إنه سأل عدة محلات في بيروت عن أغنية لوردة الجزائرية فلم يجدها هناك ودله بعض الأصدقاء على هذا المحل الذي يعرفه ولكنه لم يتصور أن تخلو مدينة مثل بيروت من هذا التراث ويجده هنا في "اللاذقية".
أخيراً، يستحق هذا التراث الموسيقي النادر والجميل أن يخرج من تلك العلب ويصبح ملكاً وإرثاً وطنياً نزهو به وباحتواء مدينة مثل مدينتنا به، وأن يبث على الملأ وتخصص فترات لبثه تعيد الجيل الجديد وأولئك الذين لم تسمح لهم الظروف والأيام بالاستماع إليه إلى عبق الغناء والموسيقا الراقية بعيداً عن ضجيج وصخب غناء هذه الأيام.
