بحث الإنسان عن النار حتى استطاع أن يكتشفها، وكان ذلك قبل /600/ ألف عام من الآن، فحققت نار الخشب المشتعلة حاجته إلى التدفئة، وإثارة الذعر لدى الوحوش الكاسرة، كما أنّ النار حققت رغبة الإنسان في الحصول على نوع من الإضاءة الدائمة، فاستطاع ابتكار طريقة إشعال الفتيل البدائي بغمسه في الشحوم، أو في الزيوت التي كان يضعها في أجران حجرية صغيرة، أو في الصدف البحرية التي كانت تحتوي على مادة الشحم، أو زيت السمك.
وحول البدايات الأولى لابتكار صناعة الأسرجة، يتحدث الباحث الآثاري "محمد العزو" لموقع eRaqqa قائلاً: «لقد أشرقت في ذهن الإنسان القديم فكرة إطالة أمد شعلة النار، لذلك كان السراج الفخاري القديم، من أكثر الأدوات التي ابتكرها وصنعها الإنسان، وتعتبر السرج الفخارية من أكثر الآثار اكتشافاً في العالم القديم، وفي الشهر الثالث من هذا العام، تم العثور على كمية كبيرة من السرج المصنعة في القرن الثالث عشر ميلادي داخل مدينة "الرقة" في موقع تلة "أبو علي"، وهذا يدل على أن موقع التلّة المذكورة المجاورة لتل "أسود" الأثري، هي من أهم المواقع الإسلامية التي تحتوي على مصانع متكاملة لصناعة الفخار، والأسرجة على وجه الخصوص.
ظلَّت السرج الفخارية والبرونزية والحجرية مستعملة في سورية فترة طويلة من الزمن، وبدءاً من القرن الرابع عشر ميلادي، اشتهرت سورية بصناعة المشكوات الزجاجية، مما حدا ببعض الدول الأوروبية مثل: إيطاليا، وبوهيميا أن تقلدها وتقتبس أشكالها وعناصرها، وحتى نقوشها وكتاباتها العربية
في الألف الثالث قبل الميلاد بدأ الإنسان باستخدام وسائل الإضاءة الاصطناعية، وفكرة استخدام سرج زيت، أنْ صنع فتيل الإضاءة فيها من خيوط أقمشة مفتولة من الحشائش، وكان هذا عند عامة الناس، أما الأثرياء فكانوا يصنعون سرجهم من مادة الحجر العادية، أو من حجر "الغرانيت"، وكانت توضع على قواعد تحملها أعمدة خشبية.
وفي "بلاد ما بين النهرين"، كانت أقدم السرج ذات الأشكال المختلفة، هي من صناعة حضارة "العبيد"، التي اكتشفت في مدينة "أريدو" الأثرية، وتعود بتاريخها إلى عام /4000/ قبل الميلاد، وأغلب السرج المكتشفة هناك كانت على شكل طاسة قعرها غير ثابت، وتشبهها بعض السرج التي اكتشفت في تل "حمام التركمان" على "البليخ" بالقرب من "الرقة"».
وحول تطور صناعة الأسرجة، يقول "العزو": «تشير بعض نتائج الحفريات الأثرية بالعثور على نماذج من السرج الرافدية، كانت مصدرة إلى "بيت شمش" في فلسطين عام /500/ قبل الميلاد. بعضاً من هذه السرج كانت مصنعة من مادة البرونز، يبدو عليها تحسن صناعي من خلال وجود مقبض في جانبي السراج، وبعضها له مقبض واحد فقط وغطاء في أعلاه مع ثقب للفتيل. هذا النموذج من السرج له ما يشابهه من معثورات تل "حمام التركمان" على "البليخ" في "الرقة"، نموذج وحيد معروض في متحف "الرقة" الأثري.
يعود الفضل للكنعانيين في ابتكار السرج الزيتية، المكونة من طاس فخاري على شكل وعاء مبسط قليلاً، أو على شكل صدفة بحرية، وله ما يشبه المصب على الحافة في أحد جهاته العلوية لوضع الفتيل فيها. وينسب الكثير من الباحثين والمؤرخين، للكنعانيين الفضل أيضاً في ابتكار السرج الفخارية، وتعليمهم الشعوب الأخرى هذا الابتكار الهام. وبالتأكيد كان لهذه السرج وظيفة الإضاءة في أيام الأعياد، وعند القيام بالطقوس الدينية المختلفة.
لقد عثر الآثاريون على مجموعة كبيرة من هذه السرج الكنعانية، في "أوغاريت"، وفي "سيميرا"، وفي تل النبي "مند"، وفي عدد من البلاد التي أقاموا فيها مثل، قبرص، سردينيا، ومدن شمال أفريقيا».
ويتابع "العزو" حديثه حول تطور الأسرجة، وضلوع العرب المسلمين بهذه الصناعة، قائلاً: «أما العرب والمسلمون، فقد اهتموا اهتماماً كبيراً بالإضاءة الليلية وإنارة الطرق العامة، ففي العصر الأموي أمر الخليفة "الوليد بن عبد الملك" /705- 715/ ميلادي بوضع المنارات في الطرقات وتعميم الإنارة في الشوارع، وكانت "الرافقة" على "الفرات" في زمن الخليفة "هارون الرشيد" ملأى بالسرج الفخارية المضيئة، حيث كان لـ"لرشيد" هوايات كثيرة، منها أنه كان يهوى ركوب الحراقات من السفن المزينة في نهر "الفرات"، عندما يكون في "الرقة"، وأفضل وقت عنده هو الليل، حيث يكون النهر والماء راكداً، والحراقات مزدانة بالأنوار، حيث تشكل مع أنوار القصر المنعكسة على ماء النهر، لوحة تشكيلية بديعة المنظر».
وحول أهمية السرج، وأماكن اكتشافاتها، يقول "العزو": «إنّ أكثر السرج المكتشفة في سورية جاءت من "الرقة"، و"حماة"، و"حمص"، وهي تشكل مجموعات هامة من السرج العربية القديمة، وأغلبها مصنوعة من الفخار أو الخزف بشكل مربع، يتوسطه حوض صغير لحفظ الزيت وتعلوه عروة، وبعض هذه السرج له شكل بيضوي، أو على شكل حمامة، أو كبش، أو حمل، أو خروف وهكذا.
إن أغلب السرج التي تم العثور عليها في موقع تلة "أبو علي" بالقرب من "الرقة" تعود إلى القرن الثالث عشر ميلادي، والسرج ذات الأشكال البدائية منها تذكرنا بأشكال السرج العربية الكنعانية البدائية. وعن الأشكال التي تم العثور عليها في "الرقة" في تلة "أبو علي"، وأعدادها فقد بينت الحفريات أنّ أعدادها كبيرة، وبفحصها والتدقيق فيها تبين أنها ذات أشكال مختلفة، وأغلبها تشبه السرج التي تم العثور عليها في تل "أسود" عام /1998/ميلادي.
وأغلب السرج التي تم العثور عليها في "الرقة"، متميزة بفتحتها الوسطى المرتفعة على شكل قمع، وهناك أيضاً السرج المثلثة الشكل، وأنّ أغلب السرج الفخارية من الفترة العربية الإسلامية، عليها زخارف منفذة بألوان زاهية، وبعضها مدهون بطلاء أخضر اللون، وبعضها الآخر عليه زخرف بارزة وأخرى غائرة. لقد أثارت هذه السرج مشاعر الشعراء العرب، وداعبت مشاعرهم ونمت تصوراتهم، وأغنت تشبيهاتهم، فوصفوها بقولهم، أن نور العقل كالسراج، فهذا "ابن الدباغ" يقول:
"جسومنا كالمشافي والنفوس لها/ مثل الزجاج ونور العقل كالسراج".
ويرى "عبد الصمد بن المعلل" أنّ محيا الحبيب أكثر ضياءً من نور السراج، ويقول:
"إنّ بيتاً أنت ساكنه/ غير محتاج إلى السرج"».
ويختم "العزو" حديثه، قائلاً: «ظلَّت السرج الفخارية والبرونزية والحجرية مستعملة في سورية فترة طويلة من الزمن، وبدءاً من القرن الرابع عشر ميلادي، اشتهرت سورية بصناعة المشكوات الزجاجية، مما حدا ببعض الدول الأوروبية مثل: إيطاليا، وبوهيميا أن تقلدها وتقتبس أشكالها وعناصرها، وحتى نقوشها وكتاباتها العربية».
