«ربما لو كنت مبصراً لما حققت هذا النجاح بالقدر الذي أحققه وأنا معاق بصرياً، وهذه نعمة أشكر الله عليها». عبارة قد تختصر الكثير عما يمكن أن يقال عن إنسان آمن بأن الإعاقة مهما كان نوعها، ما هي إلا محفز للنجاح، إنه الدكتور "أحمد الحميد" الذي لم تثنه إعاقته عن تحقيق ما يرنو إليه في حياته بل زادت من تصميمه ومثابرته، حتى أصبح أول كفيف ينال الدكتوراه من جامعة دمشق.

موقع "eSyria" التقى الدكتور "أحمد الحميد" بتاريخ 25/8/2010 للحديث عن إعاقته وتحديه لها بدراسته قائلاً: «أنا أول كفيف ينال درجة الدكتوراه من جامعة دمشق 2004، ففي البدء واجهتني الكثير من الصعوبات في إعداد رسالة الدكتوراه ولكن المثابرة والتصميم مكناني من تجاوزها، حينها نلت درجة الدكتوراه بدرجة جيد جداً، وأعتقد أني ظلمت في هذه النتيجة، نظراً لما بذلته من جهد مضن في إعداد هذه الرسالة التي حملت عنوان "الحياة الفكرية في مصر والشام والحجاز في العصر المملوكي الثاني"، فهو موضوع لأول مرة يطرق أكاديمياً، خاصة أني راسلت الكثير من الجامعات العربية للوقوف على دراسات شبيهة بهذا الموضوع لكني لم أجد دراسة شبيهة بهذا العنوان فكنت أول من تطرق ودرس هذا الباب، حيث اعتمدت على 400 مصدر ومرجع و50 مخطوط، فكانت الملاحظة الموجهة لي آنذاك، أنه من أين أتيت بهذا الكم الهائل من تلك المصادر والمراجع والمخطوطات وهذه شهادة أعتز بها من قبل اللجنة الفاحصة، بالطبع ارتدت الكثير من المكاتب الخاصة والعامة لاقتناء الكتب المتنوعة والمتخصصة وقراءتها».

لا مستحيل مع الإرادة، والدكتور "أحمد"، عرف عنه نشاطه وحبه العلم، وهو من المثقفين الذين يتابعون كل الشؤون الثقافية بالبلد، كما أنه يهتم بأرشفة كل ما يصدر عن المعاقين من قرارات ومراسيم

عن بداية إعاقته يقول "الحميد": «بدأت إعاقتي منذ أن كنت طفلاً صغيراً عندما سقطت عن السرير وهذا الحادث مهد للإعاقة البصرية، إضافة إلى ذلك لاستعدادي الوراثي، حيث إن لدي شقيق كفيف البصر كلياً، إضافة إلى قراءتي المتواصلة وهذا ما زاد من الإعاقة عما قبل».

من اجتماعات المنظمة العربية للمعوقين

د."أحمد" يتميز بنشاطه وفعاليته في مجال الإعاقة فهو مفوض المنظمة العربية للمعاقين التابعة لجامعة الدول العربية في سورية، يقول في هذا الإطار: «أنا كمفوض من المنظمة العربية للمعاقين في سورية أعمل على التواصل بين المنظمة العربية للمعاقين وتلك الجمعيات الموجودة في سورية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وكذلك أعمل على إعداد وتهيئة أي مؤتمر وورشة عمل إقليمية تكون المنظمة طرفاً فيها في سورية، كما أني أقدم أكثر من ورقة في المنظمة العربية وآخرها كان واقع المعاقين في الجمهورية العربية السورية والدور التشريعي التي تقدم القيادة السياسية للمعاقين، خاصة منذ العام 2000 حتى عام 2010».

ويتابع "حميد" قائلاً: «أعتبر المعاق السوري متميزاً عن بقية المعاقين في الدول الأخرى وأنا أتكلم من واقع تجربة، وهذا ما لاحظته خلال مشاركتي في عدد من المؤتمرات وورش العمل التي أقيمت للمعاقين، حيث كان للمعاق السوري دائماً مكانةً خاصة في تلك الفعاليات والنشاطات، حتى إنني اقترحت في الندوة القومية التي أقيمت في "بيروت" بالتعاون مع منظمة العمل العربي مؤخراً أن يكون عام 2011 عام المعاق».

غسان الحميد

بدوره يقول "غسان المصطفى الحميد" رئيس الدائرة القانونية في الشركة العامة للدراسات: «الدكتور "أحمد" كان مميزاً منذ صغره نظراً لتفوقه الدراسي واستمر هذا التميز حتى بعد تخرجه في الجامعة، حيث أقدم على الدراسات العليا، وكان أول كفيف ينال درجة الدكتوراه من جامعة "دمشق" بدرجة جيد جداً، كما أنه يتميز بنشاطه الملحوظ فهو مفوض المنظمة العربية للمعوقين بدمشق وعضو جمعية المكفوفين بمنطقة "دمر" ومدرس في معهد التربية الخاصة».

أشار "غسان" إلى أن للدكتور "أحمد" نشاطات ثقافية وإعلامية كثيرة وهي تعكس في مجملها طبيعته المحبة للعمل، يقول: «حضرت له الكثير من المحاضرات في المراكز الثقافية وشاهدت له عدة مقابلات تلفزيونية وإذاعية منها ما يتعلق بالإعاقة أو التاريخ وأحياناً تتعدى لموضوعات أخرى كالقضية الفلسطينية مثلاً، فمن خلال تحصيله العلمي ونشاطاته الكثيرة يمكن أن أعتبره نموذجاً يمكن أن يكون قدوة لكل معاق».

د. أحمد الحميد

أما الأستاذ "حسان جزائرلي" مدرس لغة عربية فيقول: «الدكتور "أحمد" كان متفوقاً منذ دراسته الثانوية، فهو بطبعه محب للعلم وهذا ما مكنه من الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة "دمشق" رغم أنه كفيف البصر، كما يُعرف عنه بأنه يحب مساعدة الآخرين، حيث ساعد كثيرين من طلاب الدراسات العليا في إمدادهم بأسماء الكتب والمراجع بل أحياناً كان يطلع عليها، هذا ما جعل ثقافته تتعمق أكثر في كثير من القضايا».

من جهته يقول الباحث "أحمد صواف": «لا مستحيل مع الإرادة، والدكتور "أحمد"، عرف عنه نشاطه وحبه العلم، وهو من المثقفين الذين يتابعون كل الشؤون الثقافية بالبلد، كما أنه يهتم بأرشفة كل ما يصدر عن المعاقين من قرارات ومراسيم».

يذكر أن د."أحمد الحميد" مقيم في "دمشق"، مدرّس في معهد التربية الخاصة للمكفوفين بدمشق، مدرس سابق في جامعة البعث في حمص، يعد أوراقه حالياً كمدرس في جامعة حلب كعضو هيئة تدريسية.