تمثل التجربة الفنية الوليدة للشابة "آهين سيدو" إحدى أهم التجارب الشبابية في منطقة "عفرين" ليس لأنها أتت من صبية عشقت الريشة والألوان فأبدعت في الفن التشكيلي إنما باعتبارها من التجارب الإبداعية القليلة لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي تجربة تدل على أنّ الإبداع لا حدود له ولا قيود.
موقع eAleppo الالكتروني التقى الفنانة الشابة "آهين سيدو" والتي تحدثت عن تجربتها بالقول: «في البداية أود القول بأنه بإمكان الإنسان وخاصّةً في مرحلة الشباب أن يبدع في مختلف المجالات الفنية والأدبية إذا تحلى بالصبر والأمل والإيمان بالمستقبل وعدم الاستكانة لليأس وعلى كل إنسان أن يعمل في المجال الذي يحبه لكي يكون قادراً على تحقيق الإبداع.
"آهين" تبرز لنا شخصيتها من خلال عدد من لوحاتها التي تتسم بالبساطة الفنية مع حملها لنا الكثير من المعاني تدفع كل من يملك القليل من المشاعر الفنية أن ينحني أمامها تكريماً لها ولمشاعرها الحساسة والمتدفقة من أعماقها بشكل مستمر
لقد تعلقت بفن الرسم منذ طفولتي المبكرة والسبب في ذلك يعود إلى خصائص فطرية بحتة ومع مرور الزمن ازداد تعلقي بالألوان لكوني كنت فاقدة للنطق وكان الرسم على اللوحات إحدى وسائل تفريغ الطاقات والشحنات المكبوتة في أعماقي وخاصّة منذ الصف التاسع حيث اضطررت على ترك المدرسة بسبب وضعي الصحي الأمر الذي أغضبني وأزعجني بشكل يفوق التصور، وبالتالي تولدت لدي قناعة مفادها أنه إذا لم يكن بمقدوري أن أتواصل مع الناس وخاصة أصدقائي وأهلي من خلال النطق فإنّ الرسم كان أفضل وسيلة للتعبير عما يجول في داخلي وللتواصل مع أبناء مجتمعي».
وأضافت: «تحتوي لوحاتي على رسوم الطبيعة من حولي من خلال معالجتها بحسب وضعي كي تتضمن الأمل والحب والتواصل مع الآخرين عبر الموسيقا التي هي لغة الجميع تارة وعن طريق عبق الأزهار والورود التي تحمل المحبة والصفاء لكل الناس مع الإبقاء دائماً على عنصر يمثل الأمل في كل عمل من أعمالي الفنية».
وختمت "آهين" متحدثة عن طموحاتها: «كان طموحي دائماً أن أقيم أول معرض فني لي وقد تحقق لي ذلك في بداية العام الحالي بمساعدة الأهل والأصدقاء وخاصة المركز الثقافي في "عفرين" الذي يرعى دائماً المواهب الشبابية وكان ذلك المعرض نقطة تحول مهمة في حياتي إذ منحني المزيد من الثقة والتشجيع، وبما أنّ طموح الإنسان لا يتوقف فانا الآن أطمح بحضور مميز على الساحة الفنية في محافظة "حلب" وعموم القطر».
وحول التجربة الفنية للشابة "آهين سيدو" من ذوي الاحتياجات الخاصة يقول الأستاذ "عبد الرحمن محمد" /"عبدو ليلاف"/ وهو فنان ضوئي: «قبل كل شيء لا بد من توجيه الشكر للمركز الثقافي على اهتمامه بالفنانين الشباب وخاصة من ذوي الاحتياجات الخاصة من أبناء المنطقة والتي تشكل دفعة معنوية تشجيعية كبيرة لهم لتحقيق المزيد من التطور والإبداع.
وبالنسبة لأعمال الفنانة الشابة والواعدة "آهين سيدو" فأقول باختصار إنّ أناملها خرجت من خلف جدران الصمت /باعتبارها فاقدة النطق/ لتقول لا للمستحيل فعلى الرغم من أنها غير قادرة على النطق /إلى حد كبير/ إلا أن أحاديثها لا تنتهي وذلك عبر لوحاتها وأعمالها التي تشكل رصيدها الكبير من الكلمات وتشكل شريطاً يتضمن ذكرياتها وأسرارها وحكاياتها الطفولية وأخيراً الآمال التي تحلم بتحقيقها والطموحات التي تدغدغ مخيلتها».
وختم: «تشكل تجربتها أهم تجربة شبابية في منطقة "عفرين" وهي تؤكد أنّ الإبداع لا حدود ولا قيود صحية واجتماعية له، وهو بالتالي ليس حكراً على جنس محدد /الذكور/ وليس خاصاً بالأصحاء والذين لا يعانون من مرض وما شابه إنما هو / أي الإبداع/ نزيف للطاقات الكامنة في أعماق كل إنسان وهذا النزيف يحتاج إلى موهبة وحب فطري وصبر لكي يتحول إلى عمل فني مبدع يتذوقه الناس ويحبونه وهذا ما فعلته الشابة "آهين سيدو" التي توافرت فيها كل عناصر الإبداع الفني من عشق للفن وموهبة طفولية وإرادة قوية، أتمنى لها مستقبلاً فنياً مشرقاً».
أما الفنان التشكيلي "محمود بكر" /من ذوي الاحتياجات الخاصة/ وهو الذي أشرف على تعليم الشابة "آهين" فن الرسم في مرسمه "ميترا" بمدينة "عفرين" فقد قال: «إنّ أمل "آهين سيدو" يرفرف في المساحات الفارغة وعينيها تطلقان شرارة ووميضاً معلناً تمردها على مآسيها التي خلفه الزمن في حنجرتها حين أفقدها النطق وهي بأعمالها الفنية الرائعة أعلنت ذاتها الأنثوية وفرضت حضورها الفني المبكر في الساحة الفنية في "عفرين" وربما غداً في الساحتين الفنيتين في محافظة "حلب" وعموم القطر».
وأضاف: «"آهين" تبرز لنا شخصيتها من خلال عدد من لوحاتها التي تتسم بالبساطة الفنية مع حملها لنا الكثير من المعاني تدفع كل من يملك القليل من المشاعر الفنية أن ينحني أمامها تكريماً لها ولمشاعرها الحساسة والمتدفقة من أعماقها بشكل مستمر».
وحول المصادر التي استقت منها أعمالها الفنية قال "بكر" وبه ختم حديثه لموقعنا: «لقد استقت الفنانة "أهين" أعمالها الفنية من واقعها الخاص /الشخصي/ ومن البيئة الاجتماعية المحيطة بها، فمعظم لوحاتها هي تعبير عن حالتها الصحية وتشكل تمرداً على الصمت التي فرض عليها الزمن فهي تارة تتحدث عبر الموسيقا وتارة أخرى من خلال شجرة الزيتون المشهورة في منطقة "عفرين" وهكذا، كما رسمت في بعض أعمالها المعروضة واقعها الاجتماعي والطبيعي المحيط بها من وجوه ريفية معبرة وجبال وبيوت طينية تتخللها مناظر طبيعية خلابة وهي بمجملها تشكل الريف بمختلف حالاته وأوضاعه، وهناك أخيراً مجموعة من أعمالها تتضمن الأزهار والورود التي تشكل الحب والجمال والصفاء».
وأخيراً التقينا السيدة "صبحية خليل" وهي والدة "آهين" التي حدثتنا عن ظهور بوادر التميز في شخصية "آهين" بالقول: «منذ أن كانت طفلة صغيرة كانت ترسم وبشكل كبير ولم نكن نعر ذلك أي اهتمام لأنّ تركيزنا كأهل كان منصبّاً على تطوير صحتها وبالتالي التفوق وإكمال دراستها ولذلك أجرينا لها عملية جراحية في اللوزات وهي في الصف الرابع نتج عنها بعض التحسن في مجال النطق والتكلم ولكن دون الشكل المرغوب به وحينما وصلت إلى الصف التاسع تركت الدراسة نهائياً بسبب وضعها الصحي الذي رافقه الخجل الشديد.
حب الرسم عند "آهين" فطري وقد كانت متعلقة به منذ طفولتها المبكرة كما قلت وقد ازداد تعلّقها بالرسم بعد تركها للدراسة حيث كانت تخرج ما فيها من غضب وبكاء على اللوحات الفنية».
** «ذهبت إلى "حلب" حيث سجلناها في أحد المراكز الفنية هناك ولكنها لم تستطع المتابعة بسبب البعد الجغرافي بين مدينتي "عفرين" و"حلب" ومن ثم وبعد افتتاح مركز "ميترا" لتعليم الفن والرسم في مدينة "عفرين" بإشراف الفنان "محمود بكر" سجلناها في المركز حيث ساعدها الفنان المذكور مشكوراً وأشرف عليها بنفسه لتبدع كل هذه الأعمال الفنية».
يُذكر أن الفنانة الشابة "آهين نظمي سيدو" هي من مواليد مدينة "عفرين" في العام 1988 درست حتى الصف التاسع ولم تستطع إكمال دراستها بسبب وضعها الصحي لكونها لم تكن قادرة على النطق.
