بصوت واثق قوي وإحساس عالٍ يطل علينا المطرب "محمد فؤاد" معززاً ثقتنا بأن "حلب" هذه المدينة لا تنفك تتحفنا بالمفاجآت والأصوات الطربية التي نحن اليوم بأمسّ الحاجة إليها، وكي يثبت أيضاً أن الفن الصحيح هو الباقي مهما تطورت الحياة وتغيرت الأذواق.
موقع eAleppo التقاه ليحدثنا عن مسيرته الطربية بالقول: «بدأت الغناء منذ الطفولة المبكرة، ولكوني أنتمي لعائلة موسيقية تعشق الفن الراقي مثلها مثل معظم العائلات الحلبية، فإني تربيت على الأصوات الطربية الجميلة. درست الغناء في "معهد حلب" على يدي الفنان المرحوم "عبد القادر حجار" لمدة سنتين وهو من علمني أصول الموشحات، انتسبت بعدها لنادي شباب العروبة وأكملت مسيرتي التعليمية بإشراف خيرة أساتذة الغناء».
إن من يحفظ تراث حلب اليوم برأيي هما: الفنان "حمام خيري" والفنان "أحمد بدور" فهما اليوم أقدر من يحمل راية الفن الحلبي
على نهج الكثير من سلاطين الطرب فقد كانت أولى مشاركات المطرب "محمد فؤاد" في بداية الأمر مردداً، حيث أوجد لنفسه مكاناً في فرقة المطرب "حسن حلاق" لمدة عامين متتاليين من عام /1991/ حتى عام /1993/. ليخطو بعدها الخطوة الأهم في حياة كل صاحب صوت متمكن، يقول: «أولى مشاركاتي كمطرب كانت في مهرجان "جرش" وذلك عام 2004 مع فرقة "شيوخ سلاطين الطرب" وتركت تلك المشاركة أثراً في نفسي لن أنساه، فقد كانت أول مرة أقف فيها على مسرح، وتحديداً "مسرح جرش" حيث وقف عمالقة الغناء في العالم العربي.
شاركت بعدها في مهرجان "إحياء التراث" المقام في "دبي"، وفي مهرجان المدينة في تونس ومهرجان الأغنية التراثية بحلب، وهو كان عبارة عن مسابقة نجحت فيها وأحرزت المركز الأول، كما شاركت في مهرجان الأغنية العربية في الجزائر بدعوة من وزارة الثقافة في سورية، وكان لي تعاون أفتخر به مع الأستاذ الكبير "محمد قدري دلال" في حفلة أقمناها في دار الأوبرا بدمشق لتقديم كل ما لحنه المرحوم الشيخ "علي الدرويش"، كما كان لي مشاركات خاصة باسمي بمعزل عن أي فرقة وذلك في دبي وفي مهرجانات محلية كثيرة. وقد تم تكريمي خلال الكثير من هذه المهرجانات داخل وخارج سورية. بعد ذلك سافرت للغناء في لبنان وبقيت فيها مدة خمس سنوات».
ولعله من أهم ما يميز الأصوات الحلبية أنها واسعة المساحة وقادرة على أداء أصعب الألحان والألوان الغنائية، يقول: «بالنسبة لي أنا أفضل الغناء الطربي الحلبي إضافة إلى اللون الخليجي الذي له حالة خاصة لدي، لكن الفنان يجب عليه إتقان كل أنواع الغناء بغض النظر عن قناعاته. فهو يغني مثلاً في حفلات مختلفة تجمع جمهوراً بأذواق متنوعة ومختلفة، وبالتالي تجدنا نضطر أحياناً كثيرة لغناء الأغاني الساحلية والمعاصرة نزولاً عند رغبة الجمهور. لكننا عندما نسافر لتمثيل مدينة "حلب" فإننا لا نغني سوى الأغاني الحلبية والطربية الأصيلة التي تميز المدينة وتحفظ هويتها».
يبقى حلم كل مطرب أن يوقع اسمه على أغانٍ وجدت لصوته دون جميع أقرانه تحمل بصمته الخاصة ورؤيته الفنية، فهل سعى "محمد فؤاد" بهذا الاتجاه أم إنه اكتفى بتكرار ما جاء به أسلافه وأصبح تراثاً؟ يقول: «أنا أغني الآن مع فرقة جديدة تم تشكيلها مؤخراً وهي فرقة "شباب سلاطين الطرب" التي يقودها الأستاذ "غسان عموري" وهي تقدم الفن الحلبي القديم، أما الأغاني الخاصة فهي تحتاج تكاليف إنتاج باهظة ليس باستطاعة الجميع تغطيتها. فالكلمات والألحان بحاجة لدعم مادي وشركات الإنتاج اليوم منصرفة لإنتاج الأغاني المصورة (الكليبات) التي تناسب الذوق الشبابي السائد، إضافة إلى أن هذه الخطوة بحاجة للتسويق والإعلام حتى لو تكفل المطرب بإنتاجها، وإعلامنا اليوم- وللأسف- ليس مهتماً بحفظ التراث كاهتمامه بالوجوه الجديدة التي نرى أن بعضها لا يمتلك الحد الأدنى من أساسيات المغني».
لا يحتل الأستاذ "غسان عموري" بالنسبة له فقط مكانة قائد الفرقة التي ينتمي إليها بل إنه يعتبره مثله الأعلى في عالم الموسيقا إضافة لقامات سارت الأجيال الفنية على خطاهم، يقول "فؤاد": «الأستاذ "غسان" بالنسبة لي هو الذي لقنني أصول الغناء والوقوف على المسرح وهو الذي أفتخر بالقول إنه معلمي، أما في الغناء فالأستاذ الكبير "صباح فخري" والمرحوم «محمد خيري» هما دليلي في الغناء كما هما بالنسبة لكل من يريد السير على الطريق الفني الصحيح».
ولدى سؤاله عن رأيه في المكانة التي تحتلها مدينة "حلب" كمحَجٍ لكل من يريد سماع الطرب الأصيل؟ قال: «لمدينة "حلب" ماضٍ عريق في الطرب، فكل بيت في أحيائها القديمة لابد أن يوجد فيه شخص لديه خامة صوتية جميلة وصوت طروب. وعندما كانت تجتمع العائلات الحلبية قديماً يكون الغناء هو محرك تلك الاجتماعات ويبدأ كل فرد بعرض مواهبه والتميز عن أقرانه، وكان يقوم الشيوخ آنذاك بتقديم الملاحظات للشباب وتسديد أخطائهم، ما شكل- وعلى مر التاريخ-أيديولوجية موسيقية خاصة تربى عليها كل من عاش في ذلك الزمن. ومازال الكثيرون يحتفظون بها ويورثونها لأبنائهم. أضف إلى ذلك الأعراس الحلبية التي يجب أن تبدأها بالموشحات حصراً. ومدينة حلب تتميز من غيرها بأنها حافظت على تراثها ولا يزال هو الأكثر طلباً من قبل الأغلبية العظمى من الجمهور».
وعن دخول الألوان الأخرى من الغناء إلى الساحة الحلبية قال: «الألوان الأخرى تلقى دعماً من الإذاعات المحلية والخارجية أكثر بأضعاف ما يلقاه الفن الحلبي. علاوة على إهمالنا نحن- وهذا شيء لابد من الاعتراف به- فنحن نجد لدينا فناً مقولباً جاهزاً غناه الكبار قبلنا فنغنيه كما هو دون مراعاة اختلاف الأجيال وتطورها، ولكن وبنفس الوقت فإن الشعب الحلبي اعتاد على سماع الموشحات والقدود كما غناها الكبير "صباح فخري" فلا يقبل عليها أي تعديل وهذا ما نلمسه في الحفلات التي نحييها. إضافة لانعدام المهرجانات التي تقام لحلب وللفن الحلبي حصراً. فمهرجان المحبة مثلاً مهرجان ناجح جداً وهو أكثر المهرجانات لمعاناً في سورية ونحن هنا بحاجة لمهرجان يوازيه من حيث التغطية الإعلامية والترويج الإعلاني والدعم الذي يلقاه، مع العلم أنه تم تنظيم مهرجان "ليالي حلب" ولكن للأسف فإن الجهة الوحيدة التي تغطيه هي "المركز الإذاعي والتلفزيوني بحلب" وهو وحده لا يكفي ولا يفي مدينة عريقة كهذه حقها. ونحن في سورية نمتلك الإذاعات الخاصة والفضائيات التي قلما نراها في "حلب"».
وعلى اعتبار "محمد فؤاد" من هذا الجيل الجديد، فما قراءته لهذا الواقع الذي وصلنا إليه بين انجراف باتجاه "الطقاطيق" الفضائية المصورة والمعلبة كوجبة سريعة لا تحمل الفائدة بقدر ما تحمل الضرر؟ يجيبنا قائلاً: «إن الانتشار السريع للفضائيات وما يبثه بعضها من سموم جعل حالة الانحدار تصل لمستويات لا تحمد عقباها. لكن أملنا في الطليعة الواعية من شباب اليوم الذين أراهم في الحفلات ويطلبون منا غناء موشحات غارقة في القدم، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على تحسن الذائقة السمعية لديهم بشكل ملحوظ، لأنهم بصراحة في حالة سأم من الغناء المعاصر ومن الموضوعات التي تحملها معظم هذه الأغاني شكلاً ومضموناً، فآثروا العودة لعبق الماضي. وهذه نتيجة طبيعية، فمن يظهر بسرعة ودون تعب سيختفي أيضاً بسرعة. وأستطيع القول إن نسبة النصف من الجيل الشاب اليوم تعود إلى الفن الراقي لتنهل من يمه وتتمتع بجمال الكلمة وسحر النغم».
وعن الحافظين للتراث الحلبي اليوم قال: «إن من يحفظ تراث حلب اليوم برأيي هما: الفنان "حمام خيري" والفنان "أحمد بدور" فهما اليوم أقدر من يحمل راية الفن الحلبي».
آراء عديدة سعينا إليها تمحورت حول الفنان "محمد فؤاد" كان أولها للأستاذ الفنان "أحمد خيري" الذي قال: «يتميز "محمد فؤاد" بطموح عالٍ قلما نجده عند أقرانه. وله حضور قوي على المسرح يلهب به الجمهور، وهو يلقب بـ"كنار حلب". إضافة لأنه مهذب، خلوق وقلبه طيب، أعتقد أن من يمتلك موهبته وصفاته وسعيه الجاد؛ فسيكون له بصمة إبداعية لا تمحى».
وعلى هامش مهرجان "ليالي حلب" التقينا من جمهور إحدى الحفلات الشاب "بكري مبيض" وسألناه عن رأيه بصوت "محمد فؤاد" فقال: «من الأصوات التي أطرب لسماعها وأحب أن أسمعها دائماً في "حلب". وبصراحة لم أحضر من فعاليات المهرجان سوى الحفلة التي شارك بها، فنحن في البيت نسمع اللون الطربي الثقيل فقط كاللون الذي يغنيه».
بقي أن نذكر أن المطرب "محمد فؤاد" من مواليد مدينة "حلب" عام /1976/ في حي حلبي غارق في القدم هو "ساحة بزة". متزوج وأب لثلاثة أطفال وهم: "أحمد" 9 سنوات، و"عبد الحميد" 8 سنوات، و"زهراء" عمرها شهر واحد.
