لم يبق في مدينة "حلب" إلا اثنين من أصل خمسة بيمارستانات عرفت بهما المدينة وهما "الأرغوني" و"النوري"، فقد بني البيمارستان "الأرغوني" عام /1354/م حينما شيده الأمير "أرغون الكاملي" الذي تولى نيابة السلطنة بـ "حلب" حيث يضم البيمارستان الأرغوني مجموعة من المقرنصات والرنوك.

موقع eAleppo التقى الأستاذ "عامر مبيض" مؤرخ "حلب" ليطلعنا على جمالية المقرنصات ورنوك البيمارستان "الأرغوني" حيث بدأ حديثه بالقول: «في حي "قنسرين" وفي زقاق عرف قديماً "بدرب البنات" يوجد بوابة كبيرة لها قبة نصفية على هيئة "صدفية" أو "محارة" مزخرفة بـ "المقرنصات" أو النخاريب" زخرفة على شكل خلايا "النحل" وحنية القبة بديعة وضخمة كما بوابة الجامع.

1 ـ صنعة "أبي سلم"،2 ـ بن أبي "محمد ابن أمان"، 3ـ رحمه، 4ـ "الله" إن لفظ الجلالة " الله" كتب في أعلى الحلية

الواجهة الجدارية للبيمارستان الأرغوني وعلى طرفي المدخل مخططة بمداميك حجرية متناوبة باللونين الأصفر والأسود، إن أعلى الباب متوج بزخرفة تزين وجه الحجر المستطيل وفوق هذا الحجر المستطيل المزخرف يمتد شريط كتابي على عرض بوابة البيمارستان دون أن يتعارض مع جماليات الزخرفة لمدخل البيمارستان الذي تزينه حنية القبة زخرفت بمقرنصات وقد صممها المعمار الحلبي بمهارة فنية فذة على شكل جبهة مثلثيه مجوفة بطبقات مقرنصة، وتوجد عقدتا الزاوية في الصف الثاني وتشكل كل عقدة حاملاً معلقاً ونازلتين على أقطار الزوايا بنسب جميلة منسجمة مع وظيفة البناء.

"رنك" فوق المدخل الرئيس للبيمارستان

كان السائد في العصر المملوكي أن تعم الزخارف مساحة كبيرة من المدخل سواء في الأبنية الدينية أو العامة أو القصور وكل ذلك ينم على براعة ففي التنفيذ ولاسيما أم المعمار "المهندس" الحلبي كما يقول العلامة البلجيكي "جورج دوسو" أعطى للعالم دروسا في فن العمارة والإتقان، إن الباب نفسه ليس له ساكف فالنقش المسطح ذو الشبكة المنحوتة، هو الذي كل يحل محل الساكف وإن مصراعي الباب أهمل أيضاً لغرف قديمة».

ولفت "مبيض" بقوله حول معنى كلمة الرنك: «كلمة فارسية بمعنى "لون" والرنك شعار الأمراء وكبار أشراف البلاط المكلفين بمهمات محددة ، يطبع الرنك على تروسهم وممتلكاتهم كما نراه محفوراً على واجهات الأبنية أو منقوشاً على مصاريع الأبواب أو مضغوطاً يصفحها من معادن أو منحوتا في حجارة الجدران وغالباً ما ينفذ بالألوان ويدهن بالميناء على الخزف ويحتل أماكن بارزة في الداخل والخارج.

"يوسف زوعة"

وقد استعلمت الرنوك كثيراً في العهدين الأيوبي والمملوكي كما أم الرنوك الإسلامية ذات ألوان زاهية لأن ألوان النائب هي جزء مهم من شعاره كانت الرنوك مطلوبة بصفة عامة في العهد الأيوبي وبعده في العهد المملوكي ويصح في بعض الحالات الفردية أن تكون هذه الرنوك قد اكتسبت بوارثة الوظائف أهمية رنوك الأسر، والرنك يتخذه الأمير لنفسه عند تأمير السلطان يقول "القلقشندي" ومن عادة كل أمير كبير أو صغير أن يكون له رنك يخصه بحسب ما يختار ويؤثره ويجعل ذلك دهاناً على أبواب بيوتهم والأماكن المنسوبة إليهم».

وتابع "مبيض" حديثه في شرح وظيفة الرنك بالقول: «استعملت الرنوك للدلالة على الشعار الذي يتخذه السلطان كشارة من شارات السيادة ولأفراد من رجال البلاط ومع التوسع في الاصطلاحات العسكرية عند المماليك أصبح لكل وحدة عسكرية أو لكل فئة من المماليك المميزين رنك خاصاً بها له رسومه التي تدل عليه أو حسب الاختصاص فكان السيف يرمز للسلحدار وحذوة الفرس لأمير "آخور" والعصا "للجوكندار" وكانت هذه الرنوك تنقش على الثياب أو الأواني أو سروج الخيل وقد بلغ عدد الشعارات المملوكية الرنوك حتى الآن خمسين شعاراً عرف مدلول بعضها».

حلية شعار مهندس بيمارستان "الأرغوني"

*حلية شعار مهندس بيمارستان الأرغوني

في وسط الرنوك الأربعة نشاهد "شعاراً نقش عليه اسم مهندس لبيمارستان بأربعة أسطر وأضاف "مبيض" قائلاً: «1 ـ صنعة "أبي سلم"،2 ـ بن أبي "محمد ابن أمان"، 3ـ رحمه، 4ـ "الله" إن لفظ الجلالة " الله" كتب في أعلى الحلية».

وعن تحليل تلك الكتابة الموجودة ختم "مبيض" كلامه قائلاً: «في النقش وردت كلم ـ سلم ـ وأنها صنعة أبي "سالم" أو "مسلم" بدلاً من "سلم" وربما الأصح "سلام" لأن ألف سلام كثيراً ما تحذف حتى في القرآن الكريم، أما ألف "سالم" و ميم "مسلم" فلا تحذفان، إن كلمة "صنعة" الواردة في الحلية وردت على كثير من الآثار والتحف العربية بهذه الصيغة أو بصيغة المصدر صنعة أو صناعة كجزء من توقيع صانع الأثر أو التحفة وقد وصلنا كثير من أسماء الصناع الإسلاميين في مختلف الحرف منقوشة كتوقيعات على أعمالهم في المباني».

*الرنوك الزخرفية للبيمارستان الأرغوني

الأستاذ "يوسف زوعة" أمين المتحف الطب والعلوم "بحلب" تحدث عن العناصر الزخرفية الهامة في البيمارستان بالقول: «يوجد في البيمارستان ستة رنوك, أربعة منها أعلى المدخل الرئيسي, واثنان في الإيوان الجنوبي في الحجرات اليمنى و اليسرى, وهي بالكامل تدل على وظيفة "أرغون بن طيجا" استدار "أرغون الكاملي" باني البيمارستان الأرغوني, كما يدل على ذلك النقش الكتابي فوق مدخل البيمارستان، حيث نقش باني البيمارستان "محمد بن أمان بن أبي سلمة" وهو يعرفنا بالمهندس الذي بنى البيمارستان».

وأضاف: «يرى في الصف السفلي للواجهة المقرنصة فوق مدخل الباب أربعة رنوك دائرية وعلى نسق واحد، ضمن الحجر فوق الشريط الكتابي الممتد على الواجهات الثلاث فوق المدخل وعلامات هذا الرنك المتكرر هي دائرة مستديرة ترمز إلى "المنضدة " الطاولة المستديرة وصاحب هذا الشعار هو الخوجة، وفي وسط الدائرة شكل هندسي "معين" ترمز إلى البقجة وصاحب هذا الشعار هو الجمدار ـ الموظف الذي يتصدى لإلباس السلطان أو الأمير ثيابه ـ، وبالمحصلة فإن المتولي الذي بين هاتين الوظيفتين يحق له أن يكون شعاره "الطاولة المستديرة والبقجة ويكون من خاصية النائب أو السلطان ويعرف بـ الإستادار، وقد شغل هاتين الوظيفتين معاً الأستادار "سيف الدين طيجا" ربما يحكم القرابة من نائب "حلب" "أرغون الكاملي بن طيجا" الذي حكم "حلب" مرتين وبنى بيمارستانه في المرة الثانية 1354م».

وبهذا ختم "زوعة" كلامه: «أشرف "سيف الدين طيجا" على بناء بيمارستان الأرغوني بـ"حلب" ونقش اسمه ضمن الحجر بحكم وظيفته، بتولي أمرها الفقير إلى ربه "سيف الدين طيجا" إستادار المشار إليه عفا الله عنه».