أحب الفن الذي يتعامل مع الكتل والأحجام، ليجعل من الكتلة حجماً في الفراغ أو يجعل من الفراغ حجماً في حدود الكتلة، ذلك الفن الذي يجعل من الجماد صوتاً يسمعه أبسط الناس ثقافة ومنه تنتقل رسالة الفنان إلى أي مكان لكي يخاطب العقول ومنها تنتقل إلى القلوب.

النحات "بشار برازي" التقاه موقع eAleppo وكان معه الحوار التالي:

  • ما الذي أغراك بالنحت ودفعك إليه وبمن تأثرت من النحاتين؟
  • الفنان "بشار برازي"

    ** إن الذي أغراني بالنحت هو أنه أبو الفنون وهو يشكل الوثيقة التاريخية الأولى لجميع الحضارات الماضية، فالنحت هو فن مقاوم لعوامل الزمن على غير اللوحات التي يمكن أن تتأثر مع مرور الزمن، وقد شكل القدر دفعاً لي فدفعني إلى النحت في المقام الأول ناهيك عن الرغبة التي شكلت محور اهتمامي في المقام الثاني.

    وأما عن النحاتين الذين تأثرت بهم أذكر منهم "هنري مور" فهو نحات انكليزي يعمل أعمالاً صغيرة لا يتجاوز طولها الـ 15 ـ 20 سم، فعملت أعمالاً تشبه أعماله ولكنني في الفترة الأخيرة بدأت أنحو بمنحى جديد لكي أرسم لنفسي بصمة تميز على الساحة النحتية.

  • في آخر أعمالك بدأت تتجه إلى اللون الموسيقي وعملت منحوتات شكلت في مضمونها آلات الناي والتشيلو هل أردت من ذلك إعطاء بصمة تميز لأعمالك؟
  • ** حالياً أقوم بالبحث عن مفردة غريبة وقريبة في الوقت نفسه فقد قدمت العديد من المنحوتات التي جسدت الآلات الموسيقية ومنها "العود" و"الكمان" وقدمت أيضاً منحوتات أخذت في مضمونها رقصة المولوية والباليه وكان لبيت جدي صدى كبير في ذاتي حينما شكلت منحوتة جسدت فيها مفتاح بيته عندما كانت جدتي تفتح به الباب وتضعه في جيبها خوفاً من فقدانه وكانت هذه التجربة حميمة قريبة من القلب، فجوهر الفن تجسده تلك العملية التي تأخذها من الواقع وتعمل عليه لكي تظهرها للآخرين، فأنا اخترت المفتاح في المنحوتة الأخيرة لكي أجعل منه أداة للإغلاق وليس للفتح لأن الفنان يجب أن يغلق على نفسه لفترة من الزمن لكي ينطلق من جديد وبشكل مثمر.

    "بشار برازي" في معرضه الأخير

    وهذا يمكن أن يكون شبيهاً بحبة الحنطة التي تزرع في الأرض فتبقى في التراب لفترة من الزمن حتى تخرج منه ثمرة ناضجة، لأن كثرة العطاء وبدون توقف مما يؤدي إلى التفسخ داخل الفنان ذاته.

  • النحت يتعامل بالخشب والطين والحجر أين تجد نفسك؟
  • ** في الحقيقة اخترت طريقاً آخر غير الذي ذكرته، اخترت معدن الحديد لأنه بالأساس معدن مطواع يمكن تطويعه بالشكل المراد تصنيعه وبه أستطيع التحكم بشكل المنحوتة التي أريد إنجازها على عكس مادة الحجر التي تفرض عليك أحياناً شكلاً معيناً لا تستطيع تغيره بسبب طبيعة الحجر التي تتعامل معها، وفيما بالنسبة لمادة الطين فهي لم تعد تحقق لي الرغبة في إنجاز المنحوتة.

  • حينما تبعث في الحديد حياة جديدة، هل يأتي ذلك من طبيعة الموضوع أم تعتمد على الشكل والحجم؟
  • ** أنا مع الحجم الكبير لأن النحت بطبيعة الحال يأخذ أحجاماً كبيرة، ففي السابق كان يشكل رمزاً للآلهة أو لأجساد الملوك أو حتى أناس مشهورين وجاءت ضخامة هذا الفن لأنه يقوم على توثيق حدث تاريخي، وكان هذا قديماً وأما الآن فقد اختلف ذلك ما أدى إلى صغر عمل المنحوتة بسبب ضيق البيوت التي يمكن أن تحوي ذلك الفن، إضافة للكلفة الباهظة التي يمكن أن تشكلها المنحوتة، فالصغيرة منها تراها جميلة ولكن الهيبة والعظمة تستمدها من كبر حجمها.

  • نلاحظ أن قلة في أعداد النحاتين وتحولهم إلى التصوير الضوئي ما السبب برأيك؟
  • ** لأن هناك صعوبات جمة تواجه النحاتين بشكل عام، فالشيء الأول الذي يجب أن يفعله النحات أن يفكر ملياً أين يضع المنحوتة وفي أي مكان وخصوصاً إن كان طولها يتجاوز المترين، ناهيك عن البحث المستمر لإيداع أعماله الخاصة ضمن مستودع وخصوصاً إن كان من الفنانين النشيطين، ومن الأسباب أيضاً ارتفاع الكلفة المالية لعمل المنحوتة وعدم بيعها ما يشكل احباطاً داخلياً في نفوسهم الأمر الذي يجعلهم يفرون إلى مهنة التصوير الضوئي.

  • إلى أي مدى استفاد فن النحت من التقنيات الحديثة وماذا أضاف عليه؟
  • ** يمكن القول بأن السرعة قد أضافت على الفن قيمة مضافة، لأن السرعة صفة العصر وهذا مما فرضته التقنيات الحديثة على فن النحت بشكل عام.

  • هل لك وقت محدد للعمل، وفي أي وقت تستلهم الفكرة وما أدواتها وممن تستقيها؟
  • ** لا يوجد وقت معين وعلى الأغلب أستلهم أفكاري من خلال عملية التحريض التي تأتي من قبل الأصدقاء والفنانين الآخرين وليس من الواقع لأنه مملوء بالتناقضات ويمكن في كل سنة أن أختار مفردة معينة من بين خمسمئة كروكية أرسمها بالقلم الرصاص لكي أضفي عليها طابعاً إنسانيا كالتي قدمتها بـ "معلولا" ففي كل بيت أضفيت عليه طابعاً إنسانيا وحتى رقصة المولوية كان طابعها إنساني أيضا من خلال إظهار حركة الرأس واليدين والدائرة التي يدور حولها الراقص وأهملت شكل الجسم الأساسي وكان هذا ضمن الاختزال الذي عملت عليه.

  • ما سبب اتجاه أعمالك الأخيرة إلى الاختزال؟
  • ** إن كل عمل فيه رتوش كثيرة تعمل على تشويش اللوحة ذاتها فجاء الاختزال لحذف العناصر غير الضرورية وعدم تشتيت نظر المشاهد إليها لأن الأشياء التي لاتهم الفنان يجب أن يبتعد عنها ولا يرسمها وما دام العمل الفني وصل إلى المتلقي وبنسبة تزيد عن /50/ بالمائة فهذا كاف، ومن خلال الاختزال أيضاً يمكن أن يكوّن الفنان بصمة تميزه عن غيره من الفنانين وبها تعطي الأريحية في فكر وبصر الناظر إليها.

  • لما اعتمدت الأسلوب المباشر في معظم أعمالك؟
  • ** لأنني لا أخوض بقصة الموضوع وإنما يهمني في النهاية تشكيل الفكرة وصياغة المفردة بالشكل التشكيلي ومن الخطأ الذي يقع فيه الفنانين حديثي العهد هو تحميل اللوحة بأفكار كثيرة ومتعددة مما تؤدي إلى التشتت البصري، فالمخرج "عبد اللطيف عبد الحميد" حينما أخرج فيلمي "رسائل شفهية" و"ليالي ابن آوى" قال فيهما كلما كان عملك محلياً كانت شهرتك عالمية.

  • ما سبب تركيز نحتك نحو الفراغ الواحد؟
  • ** النحت بشكل عام كتلة ضمن الفراغ حينما أضع تمثال في الهواء فإن الخطوط الخارجية للكتلة هي التي تحدد العمل بتفاصيله الداخلية ولكن حينما ينظر إلى العمل من مسافة بعيدة فإنه لا يرى إلا حدوده فقط وهذا ما شجعني على جعل الفراغ ضمن حدود الكتلة على عكس ما يفعله الفنانون الآخرون حينما يجعلون الكتلة ضمن الفراغ، وأحياناً أعمد على ترك بعض حدود الكتلة غير مكتملة لكي أدعها للمشاهد بأن يصيغها بالشكل الذي يريده.

  • ما ايجابيات استخدام الحديد وما سلبياته في عملك؟
  • ** دعنا نتحدث عن السلبيات أولاً فإنها تستلزم حيزاً كبيراً من المساحة وجهدا عضليا إضافة لوجود "الحدّاد" لإجراء لحام الحديد وفكّه في حال فشل العمل ولا تكتمل تلك المنحوتة إلا بوجود آلة تسمى "الطعّاجة" لتطويع الحديد بالشكل الذي تريده وهذا كله يحتاج لمصاريف كبيرة تضاف على عمل المنحوتة أيضاً مما تزيد من قيمتها، وأما ايجابياته فتتجسد من خلال سهولة الشكل الذي تريد أن تصمّمه إضافة لتوافق مادة الحديد مع أفكاري.

    يذكر أن الفنّان تخرّج في كلية الفنون الجميلة بـ "حلب" قسم النحت عام /1986/، اشترك في العديد من المعارض الجماعية، قدم ثمانية معارض فردية من بينها: "ماخفي أعظم" معرض أقيم في صالة الخانجي للفنون الجميلة بحلب /2006/، في دمشق أقام معرض بصالة فاتح المدرس وكانت تجربة ثنائية بمناسبة حلب عاصمة الثقافة الإسلامية. وأخيراً معرض ربيع "حلب" الأخير حيث كان من بين 80 فناناً قدموا عملهم الفني.