استضافت قاعة الآثار في دائرة آثار جبلة تزامنا مع فعاليات مهرجان جبلة الثقافي ندوة بعنوان "العلاقات الحضارية بين الساحل السوري وممالك شرق المتوسط" أدارها المهندس "ابراهيم خيربك" رئيس دائرة آثار جبلة وشارك بها مجموعة من الباحثين والمحاضرين والخبراء في مجال علم الآثار حيث شهدت حضورا مميزا من قبل المجتمع الأهلي و الطلابي بالإضافة إلى بعض الأساتذة والباحثين المختصين في مجال علم الآثار.

الدكتور "جعفر الخير" نائب رئيس الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية كان من أهم المتابعين للندوة حتى نهايتها، وفي إجابة لموقع eLatakia حول إمكانية توظيف المعلوماتية في مجال الآثار، قال الدكتور "الخير": «أقام فرع الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية في "ادلب" بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف ندوة "المعلوماتية في خدمة الآثار" حيث تناولت الندوة الموضوع الأساسي وهو التوثيق البصري والسمعي والصوري للآثار، وبالتالي توظيف المعلوماتية في هذا المجال مهم جدا لكون التقانات المعلوماتية أصبحت اليوم من أهم الوسائل التي تساعد على الدراسات الآثارية.

تعتبر "أوغاريت" مثالا واضحا على التنوع الثقافي من ناحية الأعمال الفنية التي يلاحظ فيها إلى جانب الخصائص السورية مؤثرات من قبرص وبحر إيجه ومصر وهذا بدوره يقدم وثيقة هامة من العلاقات المتينة مع الدول المجاورة، هذا ما أكدته المكتشفات في "أوغاريت" بشكل عام وما قدمه لنا هذا المبنى مؤخرا بشكل خاص

الدكتور "ميشيل مقدسي" الباحث الأثري ومدير التنقيب في مديرية الآثار والمتاحف تحدث عن العرض الذي قدمه بالقول: «حاولت أن أقوم بدراسة العلاقات بين منطقة الساحل ومنطقة الداخل عن طريق عرض فكرتين رئيسيتين، تركزت الفكرة الأولى حول طرق الاتصال والتجارة التي كانت عصب العلاقة والفكرة الثانية كانت عرض التواصل بين مفهوم التنظيم والعمراني للمدن أي مساقط المدن وكيف كانت على الساحل السوري للمدن وكيف كان الاتصال والإيصلات بالأفكار مع مناطق سورية الداخلية ومناطق الفرات وكيف كان هناك مفهوم واحد في الألف الثاني قبل الميلاد لهذا لتنظيم العمراني، وهذا شيء أساسي لأن البضائع تنتقل ولكن مع البضائع تنتقل الأفكار وهنا صلب انتقال الثقافات بين المدن الساحلية والمدن الداخلية والمدن الرافدية والذي يميز الحضارة في سورية، وهناك انتقال ثقافي وحراك ثقافي بين جميع هذه المناطق كان يتحرك مع البضائع والانتقال التجاري».

الدكتور مقدسي يستعرض اهم المحاور في محاضرته

ولفت الدكتور "مقدسي" لأهمية هذه الندوات التاريخية والأثرية للمجتمع المحلي، وقال: «تعتبر هذه الندوات اتصال على مستوى عال بين المجتمع المحلي ونخبة من الباحثين العاملين على هذا الموضوع، وللمرة السادسة وبالتزامن مع مهرجان جبلة الثقافي يتم لقاءات أثرية تندرج ضمن الإطار الثقافي، وبالتالي كل سنة نحن على موعد ولمدة أسبوع كامل مع هذا اللقاء الثقافي الذي يتميز عن باقي الندوات التي تتم في اللقاءات والمهرجانات الأخرى كالمحاضرات الفلسفية والأدبية والمحاضرات التي لها طابع نقد فني وغيرها لأن هذا اللقاء الثقافي على سوية ثقافية عالية».

وقدم الدكتور الباحث "ملاتيوس جغنون" محاضرة بعنوان "أرواد ومعركة قرقر 853 قبل الميلاد نموذج للتعاون بين ممالك الساحل والداخل"، كما استعرضت الدكتورة "خزامى بهلول" الحاصلة على شهادة الدكتوراه بالشرق القديم في محاضرة لها اكتشاف مبنى هام في "اوغاريت"، وعن الأفكار التي تناولتها الدكتورة "خزامى" قالت: «تعتبر "أوغاريت" مثالا واضحا على التنوع الثقافي من ناحية الأعمال الفنية التي يلاحظ فيها إلى جانب الخصائص السورية مؤثرات من قبرص وبحر إيجه ومصر وهذا بدوره يقدم وثيقة هامة من العلاقات المتينة مع الدول المجاورة، هذا ما أكدته المكتشفات في "أوغاريت" بشكل عام وما قدمه لنا هذا المبنى مؤخرا بشكل خاص».

الدكتورة خازمى بهلول

ولفتت الدكتورة "بهلول" لخصوصية الموضوع الذي تناولته في محاضرتها بالقول: «تركزت محاضرة الندوة على علاقة الساحل السوري مع شرق المتوسط، وقد حاولت أن أتفرّد بمحاضرتي من خلال عرض المكتشفات الأثرية التي خرجنا بها من موقع "اوغاريت" وتوضيح كم كانت العلاقات متينة مع بحر "إيجه" ومصر وقبرص فركزت على ناحية اللقى والمكتشفات لأهم النتائج التي خلصت خلال خمس سنوات وأهمية المبنى الذي ظهر معنا بالتنقيب وما علاقته بالقصر الملكي، تحدثت من خلال عرض اللقى والمكتشفات في المبنى عن حالة استثنائية والتي أظهرتها أعمال التنقيب في المبنى كالعثور على باب حجري لمدفن لأول مرة بموقع "أوغاريت" والعثور على أرضيات من البحر وهذه حالة فريدة لأوغاريت والأشكال التي عثرنا عليها كالأسد لأول مرة في "اوغاريت" وهناك قطع عثرنا عليها تحوي العاج والمعلوم عن العاج أنه لا يتواجد تحديدا إلا في القصور الملكية، وجميع تلك المؤشرات لها علاقة بقصر وبموقع القصر، ونأمل في المستقبل أن تظهر التنقيبات لقى ومكتشفات تبين اسم صاحب هذا المبنى».

وتناول الدكتور "بسام جاموس" المدير العام لمديرية الآثار والمتاحف في محاضرته التي استعرضها موضوع العلاقات الحضارية بين ممالك الساحل السوري "أوغاريت" وممالك حوض المتوسط الشرقي في الألف الثاني قبل الميلاد، وفي حديث لموقعنا قال الدكتور "بسام جاموس": «ألقينا الضوء على العلاقات الحضارية التي تربط ممالك الساحل السوري مثل "اوغاريت" و"تويني" و"سيانو" وتل" الشامية" و"رأس البسيط" والممالك الداخلية والخارجية، ولدينا معطيات جديدة تبين أنه كيف كانت سورية لها علاقات دبلوماسية مع الملوك وكيف كنا نصدر الزيوت والخمور والأتاس العاجي، وأيضا هناك بناء القصور التي كان يزورها ملوك الممالك الداخلية والخارجية للاطلاع على عبقرية الفنان السوري في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وتحدثت عن العلاقات التي كانت تربطنا مع مصر بالألف الثالثة قبل الميلاد وعلاقاتنا مع الأناضول التي بدأت في الألف الثانية عشر قبل الميلاد، كما تحدثت عن مراحل الدراسة التي تمت في الساحل السوري بدءا من "رينيه دوسو" و"ليونارد وولي" للبعثات الدنيماركية في تل "سوكاس" والبعثات الفرنسية التي عملت في موقع "اوغاريت" بالإضافة للبعثات الوطنية التي أخذت الجدارة ومشاركتها جنبا إلى جنب مع البعثات الأجنبية، وركزت على خطوط الملاحة البحرية والبرية والنهرية التي كانت تربط مملكة "اوغاريت" بشكل خاص مع "رودوس" و"قبرص" و"كريت" وكان لدينا نتائج ومعطيات أثرية كبيرة أكدت هذه العلاقات الحضارية كالأختام الاسطوانية والرقم المسمارية والجرار وتجارة النسيج وتجارة الخمور، كما تناولت نقطة مهمة وهي تأهيل هذه المواقع والتشابه الذي كان موجودا على صعيد العمارة بين قصر "اوغاريت" الملكي و"كنوسوس" في العالم الايجي بشكل خاص، كما انه هناك عملية هامة جدا الآن على هامش هذه الندوة وهي أننا نقوم بتدريب حوالي "100" طالب من قسم الآثار على أصول التوثيق والتنقيب والتوظيف وكذلك الرسومات وإقامة شبكات تربيع تربط الواقع النظري والواقع العملي وقد حققنا نتائج مهمة في موقع تل "الشامية" الذي يعتبر أول موسم نبدأ به والذي يبعد حوالي سبعة كيلو مترات عن موقع "اوغاريت" ».

الدكتور بسام جاموس

وركز الدكتور "جاموس" عن أهمية هذه الندوة بالقول: «تعتبر هذه الندوة توعية أثرية وإلقاء ضوء ساطع على الحضارة السورية أمام الجمهور الكبير الذي نراه في "جبلة" والتعرف على حضارة الأجداد وما قدموه من هدايا حضارية للعالم والبشرية كعرض الأبجدية الاوغاريتية وللمقطوعة الموسيقية الاوغاريتية وعرض للمدافن الملكية التي تعطي طراز معماري على مستوى عالمي وعرض للمعابد ذات الطابع السوري المحلي، وهذه المعطيات تعطي التوعية الكبيرة للطلاب والجمهور والاهم من هذا كله هو التركيز في محاضراتنا على التوعية الأثرية للطلاب والمحافظة على الآثار لكونها تراث الإنسان البشري وهي الرمز الحضاري الذي يعطي صورة مشرقة عن طبيعة البلد».