في قرية "جكارا" الواقعة على بعد 10 كم جنوب غرب مدينة "سلقين" في منطقة "حارم"، وعلى الضفة اليمنى من نهر العاصي تم في العام 2009 العثور على بقايا كنيسة تعود إلى الفترة البيزنطية في القرن الخامس الميلادي وذلك على عمق حوالي المتر تحت سطح التربة.

الأستاذ "مصطفى قدور" معاون رئيس شعبة التنقيب في دائرة آثار "إدلب" تحدّث لموقع eIdleb عن هذه الكنيسة بالقول: «عانينا خلال التنقيب بعض الصعوبات بسبب بعض المساكن الحديثة التي تحيط بالموقع من جميع الجوانب، والكنيسة المكتشفة شبيهة بالكنائس البيزنطية المعروفة في منطقتنا من خلال ما تحويه من عناصر معمارية وفنية، ولكن المؤسف هو تعرض الموقع والبناء لتخريب كبير سواء قديماً أو حديثاً، وقد استطعنا من خلال ما بقي من تلك العناصر أن نفهم طبيعة البناء وأهمية إنشائه في هذه المنطقة، تم العثور على آثار جدار تمت إزالته من مكانه في مرحلة لاحقة بلغ عرضه 60 سم، كما ظهر جدار بطول 210 سم وعرض 80 سم وارتفاع 92 سم عن الأرضية، وظهر في الجهة الجنوبية جزء من جدار بطول 170 سم وعرض 80 سم وارتفاع 70 سم، يتقاطع معه جدار آخر يشكلان زاوية قائمة بلغ طوله خمسة أمتار وعشرين سم وعرضه 80 سم وارتفاع 60 سم عن الأرضية، تدل الأبعاد على أن الجدران الثلاثة بنيت في فترة زمنية واحدة وهي الفترة الإسلامية وقد تم بناؤها فوق أساسات حجارة بناء أقدم بلغت أبعادها 60 4045 سم تعود للفترة البيزنطية وهي مرتكزة بشكل مباشر فوق أرضية من الجص، وقد عثر داخل أرضية الكنيسة على مشهدي فسيفساء إلى جانب العديد من الكسر الفخارية التي تعود إلى الفترتين البيزنطية والإسلامية».

أما صحن الكنيسة فيمتد من الباب حتى قدس الأقداس وهذا يشير إلى المدخل الرئيسي للكنيسة الواقع في الجهة الغربية ولكن من الصعوبة كشفه لكونه واقعاً تحت أحد المنازل الحديثة المبنية فوق بناء الكنيسة

ويضيف "قدور": «وهذه الجدران المضافة في الفترة الإسلامية تدل على التغيير الذي طرأ على البنية المعمارية للكنيسة، ومما ساعد على ذلك التغيير هو النسيج المعماري للكنيسة وذلك من خلال استخدام البيزنطيين القباب كأسلوب مميز لتغطية فراغات الكنيسة وأعطاها الطابع المميز لها، وقد مكنهم ذلك من تغطية الفراغات بمساحات كبيرة دون الحاجة إلى نقاط ارتكاز وهذا ما يعزز عدم العثور على أساسات لأعمدة أو نقاط ارتكاز، وهذا بالتالي ساعد على تطوير الشكل الداخلي للمبنى وإلى تغيير البنية الداخلية لبناء الكنيسة في الفترة الإسلامية أي أنه لم يلزم لذلك إلا إضافة بعض الجدران الداخلية».

مشهد عام لموقع الكنيسة

ويتابع الأستاذ "مصطفى قدور" حديثه عن كنيسة "جكارا" بالقول: «تم العثور على العديد من كسر وألواح القرميد التي كانت تكسو القبة مع السقف وذلك لتخفيف الضغط الناتج عن القبة وعلى الجدران بجانب أنه يحقق فكرة العزل الحراري كون المنطقة تعتبر حارة نسبياً، كونها تقع ضمن منطقة منخفضة تحيط بها الجبال، وفي قطاع آخر من قطاع التنقيب ظهرت حجارة مترابطة مع بعضها أخذت شكلاً كالقوس أو الشكل الدائري تقريباً، وهي على شكل صفين متوازيين من الحجارة بأبعاد متقاربة تتراوح بين 35- 47 سم طولاً و20- 24 سم عرضاً، بلغ عددها في كل صف ستة أحجار وبلغ عرضها الكلي 70 سم، وتبرز أهمية تلك الحجارة ذات الشكل المقوس أنها تمثل "البيما" وهي عبارة عن منصة مرتفعة عن الأرض تكون في صحن الكنيسة وهي بشكل دائري يقف عليها أكبر شخصية دينية ليخطب بالناس، وبذلك برزت لنا أحد أهم العناصر المعمارية والدينية في تكوين الكنائس البيزنطية حيث نجد مثيلاً لها في كنيسة "قلب لوزة" في جبل باريشا في منطقة "حارم"، وكذلك ضمن كنيسة في موقع "بنصرة" في الجبل الوسطاني في منطقة "جسر الشغور"».

ويضيف: «أما صحن الكنيسة فيمتد من الباب حتى قدس الأقداس وهذا يشير إلى المدخل الرئيسي للكنيسة الواقع في الجهة الغربية ولكن من الصعوبة كشفه لكونه واقعاً تحت أحد المنازل الحديثة المبنية فوق بناء الكنيسة».

الأستاذ مصطفى قدور

وحول الأهمية الجغرافية والدينية لكنيسة "جكارا" يتحدث الأستاذ "مصطفى نوري" من شعبة المباني في دائرة آثار "إدلب" بالقول: «تبرز الأهمية الجغرافية لموقع "جكارا" وقوعه على الطريق التجاري الواصل بين القسطنطينية وبلاد الشام، إلى جانب أهميتها من الناحية الدينية من خلال وقوعها على طريق الحج الواصل بين القسطنطينية وبيت المقدس في فلسطين، ومن الأرجح أن أهمية الموقع الجغرافية والدينية كانت الدافع وراء بناء كنيسة في هذا الموقع لكون القرية لا تضم أية عناصر أثرية أخرى غير الكنيسة».

جانب من أرضية الكنيسة وتظهر مرصوفة بالفسيفساء