إذا كانت دلالة لفظ البيئة تنصرف في الاستعمال اليوم إلى الأرض وما يحيط بها من غلافٍ جوي ومن هواء وتربة ونباتات ومياه، فإن دلالة هذا المصطلح أو اللفظ في أصل وضعه كما تشير معاجم اللغة لا تقتصر على تلك المسميات مما يمكن أن نطلق عليها بمجموعها البيئة المادية، بل إن تلك الدلالة تتسع لتشمل البيئة غير المادية من ثقافة وفنون وعلاقات اجتماعية وسياسية وثقافية وقيم أخلاقية.
وهكذا فمثلما يحيط حياتنا من الناحية المادية غلاف جوي فإن غلافـاً من نوع آخر يحيط حياتنا من الناحية الروحية أو المعنوية.
إذا كان التصحر في سورية قد بلغت نسبته 65% من مساحتها، فإن البيئة غير المادية قد أصابها ما يماثل ذلك من تصحر وجفاف، لو كان يمكن أن تقاس بالنسبة المئوية. من هنا تنبع أهمية النظرة الكلية للتنمية البشرية، بحيث لا تقتصر على تحسين البيئة المادية (على أهميته وضرورته) إذ إن ذلك التحسين لابد أن يتساوق مع تحسين شروط البيئة غير المادية في مختلف وجوهها وجوانبها وينسجم مع متطلباته، وبمعنى آخر فإنه لا يصح الفصل بين البيئة المادية والبيئة غير المادية عندما نتصدى لحل معضلة التنمية البشرية وذلك نظراً للتأثير والتأثر المتبادل والعميق بين البيئتين
ومن خلال ذلك أكد الباحث والكاتب الأستاذ "محمد طربيه" لموقع eSwueda على أهمية البيئة في حياتنا اليومية، وتأثير التلوث الذي نعانيه كبشر على هذه الأرض بالقول: «مثلما يؤثر تلوث البيئة المادية على أجسامنا أو صحتنا الجسدية، فإنه يؤثر وربما بدرجة أكبر على صحتنا النفسية وسلوكنا كإصابة الإنسان بالخمول والكسل وفقدان الطاقة والحيوية وبنوع من البلادة في الإحساس والتفكير وكذلك فإن تأثير التلوث على صحتنا النفسية يتمثل بشكل أساسي في التدهور المستمر في قوة الحواس الخمس مثل ضعف البصر وضعف حاسة السمع أو حاسة الشم، ومن المعروف أن حاسة الشم تضمحل كلما عاش الإنسان في بيئة ملأى بجو ملوث بالغازات السامة أو الروائح الكريهة، وكذلك حاسة السمع تضمحل كلما عاش الإنسان وسط الأصوات الزاعقة والضوضاء... كما تتمثل في إصابة الإنسان بالتوتر الزائد ما يؤدي إلى العدوان على الآخرين وبحالات من الاكتئاب والحزن واليأس والانعزالية، كما تقول الكاتبة "نوال السعداوي".
ذلك أن الإنسان مثلما هو ابن الطبيعة وكائن من كائناتها الحية فهو أيضاً وبالدرجة نفسها ابن المجتمع بما فيه من علاقات اقتصادية واجتماعية وآداب وفنون وتراث وتاريخ..... الخ، ولعل استمراره على هذه الأرض كجنس بشري وككائن حي مرهون بإقامة التوازن بين متطلبات كونه ابن الطبيعة ومتطلبات كونه ابن المجتمع».
وعن علاقة التصحر بين الإنسان والبيئة تابع "طربيه" سرد رؤاه لهذه القضية بالقول: «إذا كان التصحر في سورية قد بلغت نسبته 65% من مساحتها، فإن البيئة غير المادية قد أصابها ما يماثل ذلك من تصحر وجفاف، لو كان يمكن أن تقاس بالنسبة المئوية.
من هنا تنبع أهمية النظرة الكلية للتنمية البشرية، بحيث لا تقتصر على تحسين البيئة المادية (على أهميته وضرورته) إذ إن ذلك التحسين لابد أن يتساوق مع تحسين شروط البيئة غير المادية في مختلف وجوهها وجوانبها وينسجم مع متطلباته، وبمعنى آخر فإنه لا يصح الفصل بين البيئة المادية والبيئة غير المادية عندما نتصدى لحل معضلة التنمية البشرية وذلك نظراً للتأثير والتأثر المتبادل والعميق بين البيئتين».
ويذهب "طربيه" إلى سرد الأمثلة على أهمية البيئة في تنمية الجوانب الروحية والنفسية للإنسان بالتأكيد على: «أن الشواهد والأمثلة على أهمية البيئة الطبيعية في تنمية الجانب الروحي أو النفسي من الإنسان وعلى أثرها في ثقافته ودورها في إطلاق تأملاته في الأدب والفلسفة والتفكير كثيرة ومتعددة، منها على سبيل المثال في تاريخنا الأدبي العربي القديم ما أورده "ابن قتيبة" 216– 270 هـ في مقدمة كتابه الشعر والشعراء إذ قال: «قيل "لكثـيّر عزة" يا أبا صخر كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال أطوف في الرباع المخلية والرياض المعشبة فيسهل عليَّ أرصنه ويسرع إليَّ أحسنه. وقيل أيضا: لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف العالي والمكان الخضر الخالي.
ومن هنا لابد من التأكيد على أهمية النظرة الكلية للتنمية بالتركيز على المفهوم الشامل للبيئة ولابد تبعا ً لذلك من القول إن تخريب البيئة في جانبها المادي بالاعتداء على الغطاء النباتي أو احتطاب الأشجار الحراجية وبتلويثها سواء بانبعاث الغازات السامة أو تلوث المياه أو استعمال المبيدات الكيماوية أو التعرض للضجيج... يتأثر ويؤثر بخراب البيئة في جوانبها غير المادية من التكالب على المصالح الخاصة والضيقة والتنكر للقيم والمفاهيم العامة كما سنرى من خلال استعراض واقع البيئة الطبيعية أو المادية في المحافظة، وواقع الأماكن التي يمكن- إن أهلت- أن تكون مواقع مهمة للسياحة البيئية».
ويعدد طربيه أهم هذه المواقع، وما يميزها، بالقول: «أولاً- الحراج: إذا كان الله قد وهب هذه المحافظة أحراجاً طبيعية كالحرج الممتد من قرى "سليم"، "عتيل"، "قنوات" وصولاً إلى "الكفر" و"سهوة بلاطة" و"حبران" و"مياماس" و"سهوة الخضر" مروراً "بالسويداء"، ومناطق بيئية ذات طبيعة خاصة ومتفردة في الناحيتين الجغرافية والجيولوجية وفي نباتاتها البرية وكائناتها الحية كمنطقة اللجاة، وخرباً أثرية متميزة تمت بفعل الطبيعة كخربتي "الهبارية" و"الأومباشي"، وكهوفاً ومغاور فريدة في طبيعتها وطولها وتنوعها كمغاور "عريقة" و"أم الرمان" و"حيور اللوز" .... الخ، أقول إذا كان الله قد وهب محافظتنا ذلك كله.. فإن أجدادنا وآباءنا الذين عمروا هذه المنطقة قد وعوا على نحو لافت أهميتها، لذلك حافظوا عليها انسجاماً مع سيادة بيئة اجتماعية– ثقافية– أخلاقية عامة سمت الحرج عرفياً بالحس الفطري والسليقة العفوية (الضمنة) وذلك إدراكاً منهم لأهمية الشجرة الطبيعية المعمرة ذات الخضرة الدائمة في تلطيف الجو وجلب الأمطار وتنقية الهواء، وجعله أصلح للتنفس دون قوانين وضعية أو تحليلات علمية ومعنى الضمنة أنها منطقة مضمونة من الجميع عرفاً ومصونة من الاستعمال الفردي أو الإيذاء سواء بقطع الأشجار واحتطابها أو إشعال الحرائق فيها أو استعمالها لرعي المواشي لأنها ملكية عامة.
بل أكثر من ذلك فإنه كان يُنظر لمؤذي الحرج أو المحتطب منه أو مشعل الحرائق فيه نظرة ازدراء ويطبق عليه نوع من النبذ الاجتماعي والحرم الديني باعتباره متنكراً للتراث والآداب العامة والقيم الأخلاقية..... ويـتـَغاضى عمن يجمع توالف الحرج والأوراق المتساقطة من أشجاره للاستعمالات الخاصة كالتدفئة فذلك يؤدي من حيث النتيجة إلى تنظيف الحرج وبالتالي إعادة تأهيله.
ثانياً - "اللجاة": وآفاق السياحة البيئية في المحافظة لا تقتصر على الأحراج فحسب بل تتعدى ذلك إلى المناطق المتميزة في طبيعتها الجغرافية والجيولوجية والبيئية ومثلها الأبرز هنا "اللجاة" تلك المنطقة التي تم الاحتفال بالإعلان عن اختيارها ضمن عشرين محمية في العالم من قبل منظمة اليونسكو وذلك برعاية الدكتورة كوكب داية وزيرة الدولة لشؤون البيئة يوم 18/2/2010 وبذلك أصبحت اللجاة أول محمية إنسان ومحيط حيوي في القطر تسجل في المنظمة الدولية.
ثالثاً- الخرب: أضف إلى ذلك الخرائب الفريدة في طبيعتها والغريبة في تميزها والتي تشكل هي الأخرى مراكز جذب سياحية وبيئية على درجة كبيرة من الأهمية، ومثالها الأبرز هنا هو خربتا "الهبارية" و"الأومباشي"، وكلنا يعلم أن مئات الدراسات العلمية والتحليلات التقنية من الباحثين العرب والأجانب قد دُبجت وأجريت حول الموقعين المذكورين ولاسيما لجهة تفسير ظاهرة العظام المدماة والملتصقة بالحجارة تلك الظاهرة التي وضعت لها الفرضيات المختلفة والاحتمالات المتعددة .
رابعاً- المغاور: وقل الشيء نفسه عن المغاور والكهوف الطبيعية وثمة أمثلة كثيرة عليها في مختلف مناطق المحافظة، مثل "جو عريقة"، و"الهوة" في "أم الرمان"، و"سطح النملة" في "الرضيمة الشرقية" ومغارة "حيور اللوز"، والمغاور المنتشرة في قرية "بارك" وعلى جانبي وادي "السويداء".
إن الأحراج والمحيمات الطبيعية والخرائب والمغاور والكهوف التي استعرضناها هنا تعد مواقع جذب سياحية– بيئية مهمة لما تتمتع به من فرادة وتميز وغرابة وإن في استثمارها سياحياً جدوى اقتصادية كبيرة، وذلك في حال تخديمها بالطرق المعبدة التي توصل إليها براحة واطمئنان وبدورات المياه والبوفيات والنزل الصغيرة ومحطات الاستراحة، ومن المؤكد في هذه الحالة زيادة الدخل القومي من واردات السياحة البيئية.
وإذا كان تقلص المساحات الخضراء وتلوث المياه وانبعاث عوادم السيارات واستعمال المبيدات الكيماوية تمثل أسباباً لتلوث البيئة فإن ثمة أسباباً أخرى لذلك التلوث أهمها التلوث بالضجيج بدءاً من أصوات السيارات والدراجات النارية وانتهاء بالأغاني الهابطة في الحفلات الصاخبة؟ فقد ثبت علمياً أن الضجيج يؤذي الأذن ويشوه الذوق، وبالمقابل فقد ثبت أن حفيف أوراق الأشجار وتغريد الطيور وخرير مياه الجداول وهدير الشلالات والبحار تؤثر بشكل علاجي صحي على الجهاز العصبي ووظائف غدد الإفراز الداخلي، كما بينت الإحصائيات أن الأفراد العاملين في الغابة وعلى ضفاف الأنهر أو في البحر يتعرضون بدرجة أقل من أبناء المدن بالإصابة بالأمراض العصبية وأمراض القلب والأوعية الدموية».
وهنا لابد من القول إن من مستلزمات نجاح السياحة البيئية أيضاً حماية المدن القديمة أو الأحياء القديمة في كل مدينة وفنونها وتراثها الشعبي لكون ذلك مرتبطاً بالغلاف اللامادي أي الغلاف الاجتماعي والثقافي الأخلاقي وليس مصادفة أو ترفاً اهتمام منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة بالتراث الثقافي اللامادي حفاظاً على التنوع الثقافي عبر اتفاقية حماية التراث الثقافي اللامادي التي انضمت إليها الجمهورية العربية السورية عام 2003 حيث تعمل المنظمة بالتعاون مع مديرية التراث الشعبي في وزارة الثقافة والجمعيات الأهلية على إحياء ذلك التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة في البيوت والأحياء والحقول والحراج ذاتها التي انبثق منها فعبر عن عقلية الشعب وروح الجماعة لارتباطه الوثيق بتلك الأمكنة لذا علينا أن نكف عن النظر إلى الفنون الشعبية والتراث اللامادي على أنها فنون غير راقية أو منحطة لأنها فنون العامة أو أنها متخلفة لا تخاطب العقل، وإنما الجسم والغرائز أو أنها فنون سطحية وأساطير وأحلام، وفي أحسن الحالات مجرد فلكلور شعبي للتسلية والمتعة الحسية.
أما كيف نقوم بحماية البيئة بمفهومها الشامل والكلي فيذهب "طربيه" إلى أن ذلك مسألة مركبة وذات جوانب متعددة ومتداخلة طبيعية وثقافية وسياسية، ويقول: «من هذه الجوانب الجانب الطبيعي، فإذا كان ثمة عوامل لتغير المناخ لا سلطان للبشر عليه فإن عوامل أخرى تؤثر في تغير المناخ، راجعة لعبث الإنسان بإفساده مكونات الغلاف الجوي بما ينتجه من أنواع الملوثات المتعددة أو بإزالة مساحات كبيرة من الغابات وتقطيع كثير من الأشجار أو بتعرية سطح الأرض من النباتات.
أما الجانب الثقافي فيتلخص في إن حماية التنوع البيئي والتنوع الثقافي للشعوب، والخصوصيات المكانية والتاريخية والتراثية مقاومة للعولمة المتوحشة التي تسعى لمحو الخصوصيات الوطنية والهويات القومية وفرض ثقافتها وطريقة عيشها وتفكيرها من خلال القطب الواحد المهيمن، ومن هنا يمكن تفسير انسحاب كل من الولايات المتحدة وبريطانيا من اتفاقية حماية التراث اللامادي علماً بأن بريطانيا عادت وانضمت إليها.
وتأتي المسألة السياسية التي تعد مسألة البيئة جزءاً من الصراع بين الشمال والجنوب بين الدول الصناعية الكبرى والدول النامية بين أنظمة سياسية واقتصادية لا تقيم وزناً للسلام العالمي ولا يهمها سوى تصدير صناعاتها المدنية والحربية ودول تحررت من الاستعمار التقليدي لكنها بقيت مستهلكة للمنتجات الصناعية المختلفة.
يقول "باري كومونر" مؤلف كتاب إقامة السلام مع الكوكب: «في وسعنا الآن أن نرى أن العدوان الذي نشنه على الطبيعة والحروب والتهديد بالحروب التي أوقعت العالم في البؤس لها أصل واحد هو إخفاقنا في البلدان الرأسمالية والاشتراكية على السواء في الانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة إلى ديمقراطية لا تشمل فقط الحرية الشخصية والسياسية بل القرارات الأولية التي تقرر مستقبل حياتنا وحياة الكوكب، والآن بدأ الناس يعرفون أن البقاء يتوقف على إنهاء الحرب مع الطبيعة وإنهاء الحروب بيننا نحن على السواء».
