قد تكون مدينة "حلب" المدينة العربية الوحيدة التي تميزت بالقدود الحلبية والموشحات، بحيث لم تستطع أية مدينة عربية أخرى أن تشبهها في ذلك.

ولأن "حلب" تحمل هذه الميزة كان لابد أن نتابع هذا التراث الثري، ونلقي الضوء على تفاصيله من أهم الذين كتبوا عنه، أو قاموا بغنائه.

الأناشيد الدينية ذات تاريخ قديم وكانت تعرف بالأغاني الدينية وليس الأناشيد، لكننا في حلب تعرفنا عليها بكثافة أكثر في فترة السبعينيات، وقد ذكر الأستاذ "محمد قدري دلال" أن الموشح الديني كان مصنفاً بدعاء إلى الرب، أو في مدح الرسول (ص) أو تعداد صفاته، لكني أضفت في اتجاهات النشيد إضافة إلى ما ذكره أناشيد تحكي عن معاناة الأمة من الآلام التي تحيق بها والآمال التي نرجوها لها مثل: "نحن جند الله أشبال الفـــــدا / إن دعانا الحق لبـَّينا الندا ومشينا موكباً يطوي المدا / في سبيل الله لا نخشى الردى ## لا نبالي من خطوب أو منون دربنا درب قويم / في صراط مستقيم يشـهد الله العظيم / قصدُنا الرحمن". وأيضاً عملت في أناشيدي على تغطية المناسبات الهامة في بلادنا كعيد الأم، وعيد المولد النبوي، مثل: "تبدى الســر لكن ليس يفنى / لأن الحُبَّ مكـَّنه خشوعي لذاك فإنني أبدو محباً / بحق للذي روَّى ربوعي صلاتي دائماً أهدي لطه / رسولاً طيباً لله داعي أغثني يا مهيمن وارضَ عني / لأحيا العُمرَ في حب المُطاع". إن ما أطمح إليه في النشيد الديني مخاطبة الآخر لتنويره وتعريفه من نحن، ولأشير إلى أن هناك نموذجاً لإنسان لا يميل إلى تطرف أو مغالاة في طريقٍ يحبه الجميع

وللتمتع بمعرفة كل ما يتعلق بهذا الموضوع أفادنا الباحث "محمد قدري دلال" من كتابه المهدى إلى موقعنا "القدود الدينية- بحث تاريخي وموسيقي في القدود الحلبية" بمعلومات هامة وشيقة عن اهتمام سكان حلب بالموسيقا واحتلالها مساحة كبيرة من حياتهم منذ حياة أميرها "سيف الدولة" حين أهداه "أبو الفرج الأصفهاني" كتاب الأغاني إرضاء لميوله الموسيقية، حتى يومنا هذا، وقد قدم لكتابه بكثير من الوجدانية العالية لهذا التراث حيث وصفه بالسفر النفيس.

أشكال التراث الغنائي الحلبي:

يبدأ الباحث حديثه عن الموشح فيقول: «الموشح نص لحني على شعر- في الغالب- أو زجل يمتاز لحنه بجودة الصياغة، وجزالة الجمل الموسيقية مع حسن ترابط بينها، ووحدة عضوية متينة، إضافة إلى انسجام الجمل اللحنية مع وحدات الايقاع. ومن أقدم الموشحات المتوارثة منذ القرن الخامس عشر الميلادي وهو:

"كلما رمت ارتشافا / من رضاب السكر

سلّ من لحظيه سيفا / وانثنى كالسمهري

المنشد الديني أبو الجود

يا له من غصن بان / كلما عاتبته

أو طلبت الوصل منه / فرّ مثل الجؤذر".

ثم يتحدث عن الموشح الديني أو التوشيح الذي درج الملحنون والمنشدون على تسميته ابتهالاً أو استغاثة أو دعاء للرب وتعداد نعمه، أو مدحاً للرسول ومعجزاته ومثال ذلك:

يا مادحا خير الأنام / بادر ولا تخش الملام

قل ما استطعت بمدحه / مداح طه لا يضام

ثم تأتي القصيدة التي يقول عنها هي لحن على شعر فصيح سهل الايقاع. وهي تنتقى من قصائد الغزل الرفيع، ذات ألفاظ رقيقة، ومعان مؤثرة. ومن الشعراء الذين غنى لهم منشدو حلب هم: "عمر ابن الفارض، وعبد الرحيم البرعي، وعبد الغني النابلسي، وأبو مدين"، وغيرهم.

أما أشهر قصائد "ابن الفارض" التي تكررت بأصوات المنشدين والمطربين الحلبيين فهي:

"زدني بفرط الحب فيك تحيرا/ وارحم حشاً بلظى هواك تسعرّا

يا قلب أنت وعدتني في حبهم/ صبرا فحاذر أن تضيق وتضجرا

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا/ سرّ أرق من النسيم إذا سرى".

أما الموال الحلبي الذي حقق شهرة بالغة نظراً لطريقة غنائه وترتيب جمله وأسلوب استخدام المقام فيه فيعتبر الأكثر تداولاً وتميزاً ورمزاً وشعاراً لمدينة حلب. وقد سمي بأسماء كثيرة منها السبعاوي، والنعماني، والبغدادي.

ومن أشهر المواويل المعروفة في بلاد الشام:

"سعيد الزار مكة وحل الحرام/ وطاف بالركن حفيان أقدام

هوى ليلى رماني وانحل العظام/ وشابت روسنا واحنا نتحلاها

هوى ليلى بالقلب طعنا/ كم مفتون عقله بالهوى جنا

ومن زارك ياليلى يدخل الجنة/ سعيد الزارها وشرب من ماها".

ثم يأتي "الدور" وهو من الناحية الأدبية شعر باللهجة المصرية المحكية وإن كان الملحن غير مصري، وليس له عروض تضبطه، ولا تنسيق في طول الأبيات وعدد الوحدات العروضية، فمنها ما يبنى بناء القصيدة، ومنها بناء الموشح، أما اللحن فيقسم إلى جزأين تصل بينهما "لازمة" موسيقية صغيرة تشعر بالانتقال إلى جو آخر. يعود تاريخ الدور إلى أوائل القرن التاسع عشر ولكنه تطور على يد ملحنين كبيرين هما "عبده الحامولي" و"محمد عثمان"، ومن أشهر أدواره:

"أصل الغرام نظرة / يا شبكتي من العين

الوعد كان يجرى / ده كان لي غايب فين

ياللي كويت الفؤاد ارحم / أسباب ضنايا العين

الوعد كان يجرى / ده كان لي غايب فين"

بعد ذلك يتحدث الباحث في كتابه عن القدود بتفصيل ممتع فيبدأ: «القد في اللغة: القامة، والقطع، والمقدار، واصطلاحاً: أن تصنع شيئاً على مقدار شيء آخر، كأن تأخذ نصاً شعرياً أو لحناً آلياً، وتصنع على نص الأول أو لحن وإيقاع الثاني ما يوافقهما. لكن القد الحلبي هو اسم يطلق على لون من ألوان الغناء، وقالب للتأليف الغنائي الحلبي، أما من حيث النص الشعري فهو والموشح صنوان. لكن الأشكال التي يصاغ عليها القد إما أن تكون نصاً لحنياً من الموسيقا الآلية. أو نصاً شعرياً بالفصحى على زجل أو العكس. أو نصاً بالفصحى على نص مثله في قلب الموشح. وأول الشعراء وأهمهم في القدود هو الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي الذي توفي في /1720/م وأهميته من كونه شاعرا متصوفا وملحنا عبقريا، عالج كافة أشكال الانشاد الديني من التوشيح إلى القد. ومن أشعاره المنتشرة إلى يومنا هذا على أعاريض القد المعروف (قدك المياس يا عمري):

"تجلى وجه محبوبي / وهذا كل مطلوبي

بعيد عنك مشروبي / فيا نار العدا ذوبي

جمال الأهيف الزاهي / وحسن الأغيد الباهي

به صبري هو الواهي / وموتي فيه مرغوبي"».

المنشد الديني "أبو الجود"

منذ السبعينيات وحتى يومنا هذا أصبح النشيد الديني مشهوراً في الاحتفالات الخاصة بالمولد النبوي الشريف، وبعض المناسبات الدينية كشهر رمضان المبارك، أو رأس السنة الهجرية، وأيضاً في بعض الاحتفالات الخاصة بمناسبات الزواج، ولكي نتعرف أكثر على أسباب انتشار هذا الشكل الغنائي تحدثنا مع المنشد الديني الأشهر في حلب المهندس "محمد منذر سرميني" /أبو الجود/ وسألناه عن أهمية هذا الشكل الغنائي في الوقت الحالي فقال:

«الأناشيد الدينية ذات تاريخ قديم وكانت تعرف بالأغاني الدينية وليس الأناشيد، لكننا في حلب تعرفنا عليها بكثافة أكثر في فترة السبعينيات، وقد ذكر الأستاذ "محمد قدري دلال" أن الموشح الديني كان مصنفاً بدعاء إلى الرب، أو في مدح الرسول (ص) أو تعداد صفاته، لكني أضفت في اتجاهات النشيد إضافة إلى ما ذكره أناشيد تحكي عن معاناة الأمة من الآلام التي تحيق بها والآمال التي نرجوها لها مثل:

"نحن جند الله أشبال الفـــــدا / إن دعانا الحق لبـَّينا الندا

ومشينا موكباً يطوي المدا / في سبيل الله لا نخشى الردى

لا نبالي من خطوب أو منون

دربنا درب قويم / في صراط مستقيم

يشـهد الله العظيم / قصدُنا الرحمن".

وأيضاً عملت في أناشيدي على تغطية المناسبات الهامة في بلادنا كعيد الأم، وعيد المولد النبوي، مثل:

"تبدى الســر لكن ليس يفنى / لأن الحُبَّ مكـَّنه خشوعي

لذاك فإنني أبدو محباً / بحق للذي روَّى ربوعي

صلاتي دائماً أهدي لطه / رسولاً طيباً لله داعي

أغثني يا مهيمن وارضَ عني / لأحيا العُمرَ في حب المُطاع".

إن ما أطمح إليه في النشيد الديني مخاطبة الآخر لتنويره وتعريفه من نحن، ولأشير إلى أن هناك نموذجاً لإنسان لا يميل إلى تطرف أو مغالاة في طريقٍ يحبه الجميع».