تجاوز بفنه حدود الجمال مسافراً إلى الوراء، ليحفر على أخشاب الزيتون حقباً زمنية حط فيها رحاله، ترجم ما استطاع منها على الخشب ولكن ما تزال ذاكرته حُبلى، ولسان حاله يقول: "ما شاب رأسي من سنينٍ تعددت/ لكن رأسي شيبته النوازل".
الفنان "يعقوب درويش بحي" من مواليد الحسكة 1949م فنان ينحت من الخشب أشكالاً متعددة، التقاه موقع eHasakeh وكان هذا الحوار:
ما شدني لهذا الرجل، صمته العميق الذي كنت أشاهده فيه والذي دفعني للتقرب منه، وذات مرة وجدت لوحة فنية تمت صناعتها بقدر كبير من الاحترافية، فسألته لمن هذه اللوحة فقال لي إنها من صنعي وبدأ يخبرني عن بعض لوحاته
** منذ صغري أحببت الموسيقا والرسم، أما الموسيقا فلم أتعلمها لأن المجتمع كان ينظر إليها بنوع من الدونية، ولم يكن والدي يمنعني من تعلمها بقدر ما كان خوفي من نظرة المجتمع تمنعني، فاتجهت إلى الرسم ورسمت لوحتان، الأولى في أيام المد الثوري وعبرت عما في داخلي بالألوان، وكانت اللوحة عبارة عن بركان فاللون الأسود في القاع كان يدلل على القهر والحرمان والاستبداد، ومثل اللون الأحمر الثورة وما يدلل عنه من الدم والغليان وأخذ من اللوحة محل سائل الماغما، أما التقدم فدللت عليه بالأخضر، بينما شكل الأصفر حالة من النور وانقشاع الظلم، وهذان اللونان امتزجا عند فوهة البركان.
أما اللوحة الثانية فهي عبارة عن رجل كهل يصرخ ويخرج من فمه أطفالاً صغاراً، ولكني لم أتابع الرسم لأنني اتجهت إلى المسألة الفكرية والهم العام، واستمر هذا الحال معي حتى أوائل التسعينيات وفي عام 1994م بدأت بالنحت.
** لقد كان الرسم عندي مرتبطاً بفترة زمنية وبعد نهاية تلك الفترة لم يعد يراودني، فاتجهت إلى النحت لأنني رأيت فيه فناً يدرب النفس على الهدوء والصبر، وأحسست بأنني أستطيع أن أقول شيئاً عبر قطع من الخشب، فأنا أنحت بشكل دلالي إلى حدٍ ما.
** كانت الأفكار تزدحم في مخيلتي فتأخذني في كل الأصقاع، نحت العديد من الأشكال فلم أكن أركز على شيءٍ بعينه، وبعد أن استقر الغليان في مخيلتي طفت المرأة على سطحه، فهي أكثر الحلقات ضعفاً في المجتمع، والمرأة بتقديري هي إبداعٌ بحد ذاتها ولولاها لم يكتب الشعراء ولم يرسم الفنانون، فالمرأة برأيي هي الجمال المجسد على الأرض، على عكس ما يراها البعض كجسد للمتعة.
** لا أستطيع الجزم بأنني تأثرت أم لا، فنحن في المحافظة معزولون تماماً عن الحراك الفني على الصعيدين الوطني والعالمي، وتقصر متابعتنا للأمور الفنية على ما نشاهده في التلفزيون وبعض المجلات، ولكن بعض ما نشاهده يؤثر حتماً على المشاهد وبالطبع فإن لم أتأثر كفنان فإني سأتأثر كمشاهد.
** الحقيقة أنني لا أختار الخشب براحة تامة ولكني أنحت أعمالي بما هو متوافر، ولكن هناك عدة أنواع وهي تختلف عن بعضها من عدة نواحي:
1- خشب الزيتون: وهذا النوع فيه جمالية عالية بحد ذاته وقبل النحت، فعند قص الخشب إلى قطع تشكل التموجات لوحات فنية بحد ذاتها، وألياف خشب الزيتون تساعد على النحت بشكل دقيق.
2- خشب السنديان: رغم قساوة هذا النوع وصعوبة العمل فيه إلا أن أليافه ليست قاسية ويعطي نعومة عالية عند صقله.
3- خشب الدلب: ينمو في مناطق الساحل وهو خشب أسمر اللون وله ألياف ناعمة الأمر الذي يسهل عملية نحته.
4- خشب الزان: وهذا النوع من الأخشاب يصعب معه العمل لأن النحت فيه يتطلب السير باتجاه واحد.
5- اللوزيات: وهذا النوع يصعب التعامل معه بسبب طول أليافه، ناهيك عن تركيبة الألياف المعقدة داخله، إذ تتشكل بين الطبقة والأخرى من الألياف طبقة هشة يصعب معها تنعيم القطعة الفنية لذا يعاب على هذا النوع التجوفات الحاصلة أثناء عملية الصقل.
** شاهدت معرضين في المحافظة الأول للفنان "دنخا دنخا" وهو نحات على مستوى عالمي والثاني للفنان "جيان عبد الرحيم"، تميز المعرضان بتقنية عالية تجلت الدقة بشكل كبير في لوحات "دنخا"، وكان في المعرض ترف فني كبير وهذا ما أعيبه على المعرض، فالفن عندنا فيه من الترفيه أكثر مما فيه من معالجة الواقع، فالانطباع الذي تشكل لدي أن الفنانين كانوا يهربون إلى الأمام.
** بالتأكيد لا ولكن الفن هو أحد أدوات التغيير، لقد كان الفن عنصراً مهماً للتغيير في أوروبا إذ ارتبط بقضايا المجتمع المرأة والمجتمع والإنسان، وبرأيي لو استطعنا أن نرتقي بالمجتمع إلى مرحلة التلذذ بالفن بعد تجاوز مرحلة الجوع والبحث عن الطعام، وقتها سيصبح الفن كفيلاً بتغيير واقع المجتمع ولو بشكل طفيف.
** لم أرَ أحداً سبقني إلى هذه الفكرة والحقيقة كان استخدام العظام من باب التجربة، فقد وقع تحت يدي عظم صغير كان يلزمه القليل من النحت ليصبح ساق امرأة، وبالفعل بعد أن أجريت عليه بعض التعديلات التي لم تأخذ مني سوى القليل من الوقت، من هنا جاءت الفكرة وأصبح ميلي يتجه للحفر على العظام.
** بالتأكيد، فلا يمكن العمل على العظام قبل تحضيره بشكل جيد فأنا أتّبع عدة مراحل قبل العمل، أولاً أقوم بغليه بنسبة 70% من فترة الطهو وأضيف له بعض المنظفات، ومن ثم أغمره بمادة الأوكسجين لمدة /48/ ساعة متواصلة الأمر الذي يكسبه بياضاً ناصعاً فيصبح قريباً من العاج، والمرحلة الأخيرة تكون بطلائه بمادة الألتيكو اللاصقة ليكتسي بطبقة بلورية، وبهذا يكون العظم جاهزاً للعمل.
** بحكم عملي لا أستطيع أن أتفرغ للنحت بشكل كامل فمتطلبات الحياة أكبر من أن نتجاوزها، لذلك تراني أعمل لمدة ساعتين في اليوم، وفي بعض الأحيان أهجر النحت لفترة غير وجيزة وتلعب المزاجية دوراً كبيراً في حياة الفنان.
** لغاية اليوم لم يخالجني هذا الشعور ربما لأنني لم أشعر بأنني وصلت إلى هذه المرحلة، فأنا أتوقع أن المعرض يجب أن يقدم شيئاً جديداً للمجتمع، ولكن من الممكن أن أعرض بعض الأعمال كي أشرح وجهة نظري تجاه المرأة، أما فيما يخص الأعمال الأخرى التي لا تسكنها المرأة فلن أعرضها لكونها لا تتجاوز النظرة الفنية البحتة.
** الشيء الذي لم أتمكن من نحته هو عمل بحجم كبير، ففي هذا الوقت لا تمكنني الحالة المادية من فعله ربما سيحدث ذلك مستقبلاً، أما ما يراودني فهو الأسرة وأنا أحلم منذ زمن بعيد أن أجسدها بلوحة، ولكن الفكرة لم تختمر لهذا التاريخ.
السيد "علي دادا" 1977م صديق الفنان "يعقوب درويش بحي" قال لنا: «ما شدني لهذا الرجل، صمته العميق الذي كنت أشاهده فيه والذي دفعني للتقرب منه، وذات مرة وجدت لوحة فنية تمت صناعتها بقدر كبير من الاحترافية، فسألته لمن هذه اللوحة فقال لي إنها من صنعي وبدأ يخبرني عن بعض لوحاته».
