"علي حيدر" طفل في عمر الزهر يملك نور الأمل الذي أغناه عن النور المادي، فهو من القلائل الذين يؤمنون بأن الموهبة ليست المعادل الوحيد لتحقيق الأحلام، وإنما الأمل والعزيمة هما مكملان لكل من يرغب برؤية نور الحياة.
موقع eHama استضافه في لقاء خاص على هامش وصلة موسيقية تألق فيها، في مهرجان "حماة" الأول لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث قال: «بت اليوم لا أؤمن بكلمة عجز لأنها تعني لي الخضوع والموت والفناء، فإما أن نظل تحت نير نظرات الشفقة أو نتحدى عاهاتنا ونثبت وجودنا، ورغم أني تألمت كثيراً لأني حرمت من نظري بعد أن كنت مبصراً، لكنها بالنتيجة مشيئة الأقدار التي أؤمن بها ولا أعارضها».
بعد إتقان "علي" للغة "البرايل" سيخضع لامتحان معهد المكفوفين بدمشق، وأعتقد أنه سيكمل دراسته بشكل طبيعي وأنا أتمنى له التوفيق
ويضيف: «ابتلاني الله عز وجل منذ ولادتي بمرض قصور الشبكية كما شرح لنا أطباء العيون، وفي سن خمس سنوات بدأت أعاني من مشكلات ضعف النظر لأفقد بصر عيني اليمنى في أشهر قليلة ورغم هذا لم أيئس، ودخلت المدرسة بنظر عين واحدة رغبة مني بأن أكون كغيري من الأطفال، ولكني لم أنهِ سنتي التاسعة حتى فقدت بصر العين اليسرى، وأغدو كفيفاً رغم كافة المحاولات لمنع وقوع ذلك، وأتذكر بدقة تفاصيل ذلك اليوم عندما طلب منا المدرس أن نحضر لمذاكرة الرياضيات، وعندما عدت إلى البيت وبدأت التحضير، شعرت بشيء من الغباش يمنعني من رؤية الكلمات، وفي لحظات لم أعد أرى شيئاً، فبكيت جداً وشرحت الوضع لوالديّ وقدما لي كل المساعدة الممكنة لكن دون جدوى، وهمي يومها كان منصباً في كيفية التحضير للمذاكرة، ولكني لم أعد في اليوم التالي إلى المدرسة ولا في يوم آخر، وما يؤلمني أكثر هو أني لن أرى وجوه أصدقائي الذين عشت معهم أربع سنوات».
وعن الفن الذي يعشقه كثيراً ويرى فيه واحداً من أحلام كثيرة يريد أن يحققها يقول: «أنا مدمن على الموسيقا الحماسية التي ترتبط بالوطن، وأعشق "مارسيل خليفة" فأتمنى أن أكون مثله لأنه رائع في ألحانه، وأعزف على آلتين موسيقيتين هما "الآورغ" و"العود"، وأفضل الآورغ لأنه متنوع الإيقاعات كما أنه الأصعب تعلماً بالنسبة لمكفوف، فعلاماته الموسيقية بجانب بعضها ليس كالعود الذي أوتاره فوق بعض، ومنذ عام تقريباً وأنا أتدرب على العزف وهو شيء صعب جداً، لأني غير قادر على رؤية العلامات وبالتالي فإن احتمال الخطأ كبير جداً ويؤثر على المعزوفة ككل، لذا أتحسس جميع العلامات قبل البدء بالمعزوفة وأرسم لها تخيلاً خاصاً، وأبدأ بنقل أصابع يدي وفقاً لتخيلي، وأنا أشكر الأستاذ "محمد محفوض" مدرس في مركز الدراسات الخاصة بالمعوقين "بالسلمية" فبفضله ومساعدته تعلمت العزف على الأورغ، كما له الفضل في تعليمي العزف على "العود" الذي بدأت به مؤخراً، كما الفضل أيضاً للمركز الذي أتاح لي فرصة التعرف على الآلات الموسيقية والتدرب عليها، فلولاهما لما كنت اليوم على خشبة المسرح أعزف، لأن وضعنا المادي لا يسمح لي بشراء أورغ، لهذا فأنا أتدرب فقط في المركز الذي أحرص على المداومة فيه يومياً».
** وجه آخر للأمل..
لا تتوقف الأحلام عند الفن، بل تنطلق في فضاءات ومجالات أخرى يرغب من خلالها "علي حيدر" بأن يعيش حياته الطبيعية، وأن يبرهن للآخرين أنه قادر على ذلك فيذكر هذه الأحلام بقوله: «همي متابعة الدراسة في لغة "البرايل" التي أتقنتها مؤخراً وهي ستساعدني غلى دخول معهد المكفوفين في دمشق لأتابع تحصيلي التعليمي هناك، وأحصل على عمل أساند فيه عائلتي، كما أطمح لأن يتطور مجال الطب في سورية ويصبح لدينا مراكز متخصصة لتركيب عين ليزرية، كي أستطيع بها رؤية الألوان والأشكال التي فقدتها وخاصة وجه والديّ وأصدقائي، وأيضاً كي أرى زهرة الياسمين التي كنت أعشق لونها الأبيض ورائحتها».
كما التقينا "رانيا رزوق" مدرسة "علي" في مركز الدراسات الخاص بالمعوقين في "سلمية" والتي تقول: «عرفت "علي" عن طريق المركز فهو طفل نشيط وودود، وأنا أدرسه لغة "البرايل" التي هي لغة خاصة بالمكفوفين، والتي أتقنها في ثلاثة أشهر فقط رغم صعوبتها».
ثم تابعت قائلة: «بعد إتقان "علي" للغة "البرايل" سيخضع لامتحان معهد المكفوفين بدمشق، وأعتقد أنه سيكمل دراسته بشكل طبيعي وأنا أتمنى له التوفيق».
أما "ريم حيدر" والدة "علي" فتقول: «لا أرغب بالظهور بمظهر المرأة التي تشفق على طفلها، لأن "علي" أكبر من أن نشفق عليه، هو يستحق الدعم والتشجيع لأنه يمتلك الطموح والإرادة والعزيمة، كما أن علاقتي به علاقة مبنية على الصداقة وأشعر بأنه أكبر من عمره الحقيقي، فهو متفهم للأمور ويساعدني في بعض الأعمال المنزلية، كما أنه يرعى إخوته الصغار في حال غيابي، بمعنى أنه يمارس حياته بشكل طبيعي، والشيء الذي يميزه عن غيره هو شغفه بالتعليم وعشقه للموسيقا وأنا ووالده نحاول أن نوفر له كل ما يحتاجه ليكمل مشواره في هذين المجالين».
يذكر أن "علي حيدر" من مواليد قرية "سطحيات" في "السلمية" وعمره حالياً اثنا عشر عاماً.
