العديد من الحمامات التي تضمها أسواق "معرة النعمان"، منها الحمامات الخاصة التي تتبع لوجهاء المدينة مثل حمام "الباشا"، ومنها الحمامات العامة مثل حمام "التحتانية" وحمام "التكية" الملحقة بخان "مراد باشا" وهي من العهد العثماني، إلا أن طابع استخدام الحمام والعادات والتقاليد المرتبطة به تتبع لاختلاف الحمام وتنهج منحىً مختلفاً في كل مدينة على الرغم من تشابه طراز الحمام العمراني بشكل عام.
الأستاذ "شريف الرحوم" وهو مدرس متقاعد تحدث لموقع eIdleb عن المعنى الاجتماعي الذي يكرسه حمام السوق في مدينة "المعرة"، حيث قال:
يتكفل أحد أقارب العريس أو أصدقائه بإقامة الحمام على نفقته الخاصة، وتُقام زفة كبيرة داخل الحمام، وأشهر من غنوا أغاني حمام العرس هو المرحوم "عباس السبيع"، ويُقدم للحضور أيضاً الطعام والشراب، وكان يُشرب وقتها في الحمام الشاي والزهورات، وذلك بعد الخروج من القسم الوسطاني إلى البراني
«إذا عدنا بالزمن إلى الفترة التي سبقت عهد استخدام الحمامات وهو تقريباً منتصف القرن الماضي، لوجدنا أن الحمام كان يُخصص له غرفة من بين غرف المنزل أو جزء من غرفة النوم أو الجلوس، وحين درجت عادة استخدام الحمام بطل الاستحمام في غرف البيوت، وفي أيام الأعياد جرت العادة أن يستحم أفراد العائلة في عتبة إحدى الغرف تجنباً للمشاحنات بين المستحمين التي تسببها شدة الازدحام في حمامات السوق، ويتم الاستحمام بتسخين الماء على بابور "الكاز"، ويكون أمام المُستحم جرن حجري صغير ووعاء ماء بارد يتم ملؤه من خزان الماء، وفي مدينة "المعرة" تختلف عادات استخدام الحمام عن غيرها من المدن، ومثال ذلك أن ماء الحمام كان يستخرج من "ركية" ماء قريبة من ساحة الجامع تدعى "الساطورة"، وبما أن ماء هذه الركية غزير جداً فقد كان صاحب الحمام يبيعه للناس بـ "الراوية" وهي وعاء مصنوع من الجلد توضع على الحمار بحيث تتدلى من الطرفين فتكون متوازنة فلا تقع من على ظهره، وجرت العادة أن يُستخدم الحمام يومي الاثنين والخميس، وعادةً كان يُؤجر الحمام في فترات الأعراس والمناسبات وخاصةً في يوم الخميس، والمسؤول عن الحمام هو "القيِم" للرجال و"القيِمة" للنساء وهي التي تحسب عدد المدعوات على مسبحتها وتدعو النساء للحضور من منازلهن».
الحاج "حسن الحرامي" ممن عملوا قديماً في حمام التكية بـ "المعرة"، تحدث عن عادة الاستحمام في حمام السوق خاصةً في المناسبات وطبيعة التقاليد المتبعة، حيث قال: «كان الحمام يُقدم خدمته للمسافرين بالمجان زمن العثمانيين، لأنه جزء من استراحة الخان ومكان لتخزين بضائع هؤلاء المسافرين، وبعد أن درجت عادات الاستحمام في الحمامات العامة درجت بالمقابل تقاليد معينة حين القدوم للاستحمام، مثل جلب المأكولات والأطعمة المختلفة المخصصة للحمام، وبما أن الحمام "الجواني" فيه ليوانات فإن المستحم كان يغطي ليوان استحمامه بقماشة تدعى "الأزرق" وهي سميكة لا تبدي ما خلفها أبداً، ومنهم من يدعو "المكيس" وهو عامل الحمام الذي يستخدم كيس التنظيف ويقوم بالتدليك حين يريد المستحم ذلك، وعادات الناس أطلقت تسميات معينة على كل جرن في حمام "التكية"، فلدينا مثلاً جرن "العيار" الأكثر سخونةً بين الأجران لأنه قريب من "القميم" وهو مرجل تسخين الماء، وجرن "السيدي ويس" وهو باتجاه مسجد "أويس القرني"، وأيضاً جرن الأبيض وهو خاص لاستحمام العرسان كلٌ على حدة، حيث يبدأ استحمام نساء العروس منذ الصباح، ويكون "البيلون" هو مادة الاستحمام الرئيسية التي توضع في أوعية نحاسية خاصة، ويستخدمن معها "كيس حمام" من نوع الماعز و"الليفة"، وما تزال آثار كتل "الحناء" عالقة حتى يومنا مع بقايا آثار ألهبة الشمع على الجدران».
وعن عرس الرجال أضاف الحاج "حسن": «يتكفل أحد أقارب العريس أو أصدقائه بإقامة الحمام على نفقته الخاصة، وتُقام زفة كبيرة داخل الحمام، وأشهر من غنوا أغاني حمام العرس هو المرحوم "عباس السبيع"، ويُقدم للحضور أيضاً الطعام والشراب، وكان يُشرب وقتها في الحمام الشاي والزهورات، وذلك بعد الخروج من القسم الوسطاني إلى البراني».
العادات الخاصة التي عُرفت في حمام السوق وما يتعلق بها من حمام العرس والمناسبات، جميعها اندثر اليوم ولم يتبق منها إلا نزرٌ يسير لا يُعبر عن الإرث الحقيقي الذي خلفه لنا أجدادنا في زمنٍ عاشوا فيه حياةً ملأى بالشقاء والبهجة في آنٍ واحد.
