عُرف في الوسط الرياضي بـ "زوزو"، أنجبته الجزيرة ليكون شاهداً على حقبةٍ أجمع الكثيرون على تسميتها الذهبية، فهو ابن الزمن الجميل، أعطى للملاعب شبابه وتغيرت النتائج تحت وقع ضرباته. كان يعيل أهله فما قَدّرَهُ زمانه خير تقدير، فقسّم وقته بين أهله وحُلمه، وأبى حُلمهُ أن يكون له شريكاً فأرغمه على التخلي عنه، فعاد من منتصف طريق الشهرة ليقضي حياته بين الأقمشة.

"جوزيف عارف" ابن مدينة "الحسكة" من مواليد 1944، التقاه موقع eHasakeh في محله ليحدثنا عن ذكريات الزمن الجميل بالقول: «كانت البداية عام 1955م عندما شكلنا فريق الحي الذي حمل اسم "الأهلي"، وأذكر وقتها أن الفريق ضم العديد من العمالقة أمثال "صومي كورية" و"سعيد فرجو" و"أنطوان غوبل" و"جورجيك" و"هاماياك".

عدت لألعب مع نادي الجزيرة وبقيت معهم لمدة أربع سنوات، ولكن تعرضت لضربة أدت إلى تمزق الغضروف في قدمي اليمنى، وهكذا اتجهت إلى النهاية الكروية

بقينا نلعب في الأحياء لمدة أربع سنوات، وفي عام 1961م قام السيد "حنا داوود" رئيس نادي الجزيرة آنذاك بضم فريقنا إلى النادي، فلعبنا أول مباراة مع فريق الرافدين في دوري الدرجة الثانية، ولكن بعد أن شاهدني السيد "حنا" قام بنقلي إلى الدرجة الأولى وهنا كان التحول».

جوزيف عارف الى اليسار

يضيف السيد "جوزيف": «في عام 1966م تأسس أول دوري في سورية، وعلى هذا الأساس تم اختيار الفريق السوري من فرق المحافظات الخمس، فكان غازي من "دير الزور"، و"دمشق" و"الأهلي" و"بردى" من "دمشق"، و"الأهلي" و"السوري" من "حلب"، و"الفداء" و"الوحدة" من "حمص"، وأخيراً فريق "الساحل" من "اللاذقية"».

* إلى المنتخب السوري...

يقول "جوزيف" «في عام 1967م طلبني نادي غازي في "دير الزو" لألعب معه ضد فريق النجمة اللبناني، وحدثت معي طرفة جميلة، فقبل المباراة توجهنا إلى مطعم الحاج "رزوق" وكان الحكم وقتها "فاروق بوظو" ولم نكن نعرف بعضنا، كنت أظنه من لبنان فقلت كيف الهمة فأجاب إنها عالية، وسألني هو وأنتم كيف حالكم فقلت له نحن بخير، وبعد أن تجاذبنا أطراف الحديث عرفني وعرفّني على نفسه، وبعد فوزنا بالمباراة بنتيجة واحد إلى صفر، ونحن وفي غمرة الفوز دق "بوظو" على كتفي وقال: جهّز نفسك للانضمام إلى المنتخب السوري. في نفس العام لعب منتخب العمال الذي تم تشكيله من فرق المحافظات ليلعب مع فريق مصر، ولكن لم يحالفنا الحظ وقتها وخسرنا أمامه ولكني لم أعد أذكر النتيجة».

شهادة الصحافة بحقه

*** ما كل ما يتمناه المرء يدركه...

يقول "عارف": «في عام 1968م لعبت مع نادي "رميلان" وحصدنا في هذا العام كأس الجمهورية، كانت نتيجة المباراة النهائية /2-0/، بعد ذلك الوقت طلبني نادي "الجيش" لألعب معه، وعندما وصلت إلى هناك وبينما نحن في التدريب سألني النجم "نبيل نانو" وصديقي "جورج مختار"، هل ستبقى هنا؟، فقلت: نعم ولكني صدمت بالراتب الذي كان ثلاثمئة ليرة وأنا أعيل أهلي، فتغيرت أفكاري، وقررت العودة إلى أهلي وكان وقتها المسؤول عن الفريق الملازم "مخلف العمر" يلحّ عليّ كي أبقى، ولكني حزمت أمتعتي ولم أقف إلا في "الحسكة"، وبدأت أمارس مهنتي "الخياطة" كي أعيل أهلي، وهذا كان قراري فالرياضة لم تكن وقتها تعطي للاعب ما يسد رمقه».

من اليمين عبد المسيح وابراهيم انطون وزوزو عارف

*** المباراة التي لن أنساها!!!

يقلب السيد "جوزيف" في أوراق الماضي ليحدثنا عن المباراة التي لن ينساها بالقول: «في عام 1969م لعب فريقنا مع فريق "حلب" وكان حكم المباراة "حنا مطر"، أحرزت وقتها ثلاثة أهداف وأوقف جمهور "حلب" المباراة ثلاث مرات، وكانوا يلقون علينا زجاجات الماء والحجارة، كنا نذهب لغرف الملابس للخلاص من هذا الهجوم ولكن دون جدوى، فقد كانوا يلحقون بنا إلى هناك وفي الدقائق الخمس الأخيرة ضربني اللاعب "فاتح زكي" لإخراجي من اللعبة، فقام الحكم بطردي أنا واللاعب الذي ضربني، فقلت له هو الذي ضربني فقال: أريد أن تخرج حتى تنتهي المباراة، وأجمل ما سمعت في حياتي كان لقب القناص الذي أطلقه علي الراحل "عدنان بوظو".

في الأسبوع الثاني ذهب فريقنا ليلعب مع قاسيون على كأس الجمهورية، ولم أكن بين صفوف اللاعبين بسبب حرماني بعد مباراة "حلب"، وخسر فريقنا بفارق اثنين لواحد وانتهى كأس الجمهورية».

*** اعتزال قسري!!!

يقول: «عدت لألعب مع نادي الجزيرة وبقيت معهم لمدة أربع سنوات، ولكن تعرضت لضربة أدت إلى تمزق الغضروف في قدمي اليمنى، وهكذا اتجهت إلى النهاية الكروية».

*** إرثه عمَّ العائلة...

وعن حياته الشخصية يقول "عارف": «رزقني الله بولدين وبنت أصبحوا كل حياتي، "فادي" وهو الابن البكر كان لاعباً جميلاً، شاهدت له مباراتين ولاحظت أنه يلعب بعقله ويسيطر على جميع أطرافه حين يلعب، ولكن مشواره القصير انتهى بحادث منعه من المتابعة، أما الولد الأصغر "فراس" فهو مهندس مدني اختص بالمنشآت الرياضية».

يختم "زوزو": «بعد أن حرمت من الكرة سافرت إلى مدينة "الطبقة" وعملت خياطاً حتى عام 1976م، ثم سافرت أنا وعائلتي إلى السويد ولكني لم أتأقلم مع المعيشة هناك فرجعت إلى "الحسكة" بعد أربعة أشهر، وتابعت عملي في الخياطة حتى عام 1978م ثم غيرت المهنة إلى بائع أقمشة، وبعدها أيضاً سافرت إلى أمريكا وعملت هناك في الخياطة أيضاً لمدة عامين، لكن حنيني إلى الذكريات لم يتركني حتى أعادني مرة أخرى، ومازلت لغاية اليوم في محل الأقمشة».

السيد "الياس موسى ميرو" كان من ضمن تشكيلة الفريق وهو الآن مدير مدارس الأمل الخاصة في "الحسكة" يقول: «"جوزيف" كان لاعباً متميزاً ويمتلك مهاراتٍ عالية، وحساً كروياً جميلاً، كما إنه أفضل من لعب الكرات الرأسية العالية، ساعده على ذلك بنية جسمه القوية حيث كان من الصعب على أي مدافع تخليصه الكرة، كان يتمتع برؤية واسعة داخل الملعب هذا الأمر جعله هدافاً من الطراز الأول، والأجمل من هذا وذاك هو أنه كان يجيد اللعب بالقدمين اليمنى واليسرى، وهذا الأمر كان يربك الحارس الذي يواجهه».

ويختم "الياس": «كان "زوزو" قيادياً ناجحاً كما أنه كان لاعباً مشاكساً، ولكن الأمر الذي كان واضحاً عليه هو أنه محباً لزملائه وبعيداً جداً عن الأنانية، وكان من أكثر المشجعين للشباب المبتدئين، وهو لغاية اليوم في غاية الإخلاص في علاقاته الاجتماعية ومن الصعب أن يتكرر هذا اللاعب».

"أحمد حديدي" صحفي كان متابعاً في ذلك الوقت يقول: «كان "جوزيف عارف" لاعباً وهدافاً من الطراز الأول، وكان يشكل مع اللاعب والفنان "نبيل نانو" ثنائياً خطراً في أرض الملعب، يجيد المحاورة ويستطيع التسجيل من أي جهة في الملعب، كما يمتاز بالقفز لأكثر من متر في الهواء، كان يخافه لاعبو النادي الأهلي في "حلب" خصوصاً عندما يريد التسديد إلى المرمى، هو لاعب مشاكس يستطيع السيطرة على الكرة بشكل عجيب، سجله الرياضي حافل بالإنجازات، ودَّع "جوزيف" الملاعب عام 1970م بعد إصابة بالركبة اليمنى، ولكنه كان وسيبقى في ذاكرة أهالي "الحسكة" والكرة السورية».