هل خطر لك أن تتابع ترميم اللقى الأثرية؟ وهل زرت أحد المعامل الفنية؟ إذا لم تزرها موقع eSuweda يدعوك لرحلة قصيرة في المعمل الفني في مديرية آثار "السويداء".

في المدينة التي تعتبر من حيث تقييم وزارة السياحة الأغنى باللقى الأثرية، وفي ذات المبنى الذي يقع على الجهة الشرقية لطريق "السويداء"- "قنوات"، والذي يحتضن المتحف يحتل المعمل الفني الطابق الأرضي، الذي يفيض بالقطع الفخارية والمعدنية والحجرية وكسر فخارية لا تعد ولا تحصى تحتاج ليد المرمم لتعود لشكلها الطبيعي الذي كانت عليه في سالف العصور.

تترافق عملية المعالجة بعملية التوثيق حيث نصور القطع قبل وبعد العمل ونوثق المراحله والمواد المستخدمة ونحتفظ بالصور في أرشيف خاص للمحافظة على معلومات القطعة، التي يمكن لأي شخص في المستقبل الاستفادة منها والتعرف إلى طريقة المرمم ومجمل التفاصيل عنها وحالة التلف وطرق المعالجة، بهدف أن تكون رحلتها من الموقع للمتحف واضحة لنا كفريق عمل حيث يمكن تقييم نتيجة استخدام هذه المادة أو تلك بعد مرور فترة زمنية، وهل هي مادة جيدة والحالة التي وصلت إليها القطعة، بالتالي فإن التوثيق يسهم في تخزين كم كبير من المعلومات تساعد من سيكمل من بعدنا أو أي باحث اختص في هذا المجال الذي يلتقي فيه التاريخ والعلم مع الفن

الأستاذ "وسيم الشعراني" مدير آثار "السويداء" بيّن لموقعنا أهمية المعمل بقوله: «إن الميزة الحقيقية لهذا المعمل تتمثل في أنه ينجز مختلف أعمال الترميم بالاعتماد على خبرة ومعرفة العاملين، ولا ترسل أي قطعة للمعمل الفني في "دمشق" بهدف الترميم هنا الاعتماد على الذات، حيث تتم معالجة وترميم القطع الأثرية المكتشفة في مواقع التنقيب، ويتم تسليمها للمتحف وتسجيلها إلى جانب متابعة أعمال التنظيف والترميم والتوثيق والرسم ميدانياً في مواقع التنقيب، مع العلم أن عدد اللقى التي تحتاج للمعالجة والترميم كبير جداً لكن المعمل يفي بالغرض من خلال عناصره الذين لا يتجاوز عددهم الثلاثة.

مهند الطويل أثناء تثبيت بعض القطع حيث الحاجة للملازم

الأستاذ "مهند الطويل" رئيس الشعبة رافقنا في جولة للتعرف على المعمل الذي وحسب قوله مازال بعيداً عن عين الصحافة: «المعمل أحد الأمكنة التي تضج بالحركة، و"السويداء" كانت ومازالت موقعاً غنياً تقصده البعثات الوطنية والأجنبية وبشكل دائم ينتج عنها كم كبير من اللقى التي يستضيفها المعمل، لتدخل في سلسلة طويلة من المراحل يكون نتيجتها ترميم الجزء الأكبر منها لتكون صالحة للعرض بالشكل الذي ينسجم مع العصر الذي قدمت منه، وعلى الرغم من حجم الأعمال المنجزة فالمعمل غير معروف على ساحة المحافظة، وهو المكان الأول الذي يتم فيه التعامل مع اللقى.

ولأن أي مادة في الطبيعة تتجه للاستقرار فإننا كمرممين نعرف أن لحظة اكتشاف القطعة الأثرية هي لحظة مهمة، فهي كمادة وإن وجدت في ظروف سيئة في باطن الأرض وعلى طبقات بعيدة فهي تتجه لتستقر على وضعها النهائي، وعند اكتشافها فإنها ستتعرض لظروف بيئية مختلفة وبالتالي يمكن أن يطرأ عليها بعض التغيرات الفيزيولوجية مثل التمدد أو التقلص والكسر، أو الكيميائية المتمثلة في تفاعل بعض العناصر التي قد تسبب تغيراً على شكل القطعة، لذا فهي بعد هذه المرحلة تحتاج للترميم وهي الغاية التي أقيم لأجلها المعمل حيث تتم المعالجة لتحقيق هدف حماية القطعة كي لا يبقى بينها فراغات ومراعاة الناحية الجمالية لتكون القطعة صالحة للعرض وتعبر عن فترتها التاريخية».

نوال جريرة ترميم المعادن متعة وفن

وعن التوثيق يضيف بقوله: «تترافق عملية المعالجة بعملية التوثيق حيث نصور القطع قبل وبعد العمل ونوثق المراحله والمواد المستخدمة ونحتفظ بالصور في أرشيف خاص للمحافظة على معلومات القطعة، التي يمكن لأي شخص في المستقبل الاستفادة منها والتعرف إلى طريقة المرمم ومجمل التفاصيل عنها وحالة التلف وطرق المعالجة، بهدف أن تكون رحلتها من الموقع للمتحف واضحة لنا كفريق عمل حيث يمكن تقييم نتيجة استخدام هذه المادة أو تلك بعد مرور فترة زمنية، وهل هي مادة جيدة والحالة التي وصلت إليها القطعة، بالتالي فإن التوثيق يسهم في تخزين كم كبير من المعلومات تساعد من سيكمل من بعدنا أو أي باحث اختص في هذا المجال الذي يلتقي فيه التاريخ والعلم مع الفن».

وعن مراحل العمل حدثتنا الفنية "نوال جريرة" أولى العاملات في هذا المخبر حيث كانت العاملة الوحيدة فيه لعدة سنوات، وقالت: «منذ أن تأسس المعمل في عام 2002 أخذت تردنا القطع من مواقع التنقيب وأكثر ما يرمم الفخار والمعادن مثل النقود والأساور والحلي كافة، لأن معظم المواقع الأثرية تشمل القبور وهي تحتوي على حلي الزينة وفقاً لعادات القدماء الذين سكنوا هذه المنطقة، وبشكل عام تبدأ مراحل المعالجة لكسر الفخار بغسلها وتنشيفها ومن ثم نجمعها ونعيد لصقها وفق الطرق العلمية المتبعة وحسب نسبة الكسر الموجودة من هذه القطعة، فنحن لا نتمكن من إكمال القطع من قطعة أخرى أو من مادة حديثة، وهذه طريقة محددة في أنظمة الترميم، ومن الضروري أن يتوافر بين أيدينا ما يقارب ثلثي القطعة لتتم العملية بالشكل السليم، وهناك أنواع كثيرة من الترميم للمعادن والقطع الحجرية وكلها تطبق في هذا المعمل الذي يحاول انجاز مجمل الترميمات وقد نستشير الخبراء في بعض الحالات لكن كل مراحل الترميم تتم في هذا المعمل.

مهند ونوال ورجاء النجم يعرضون ما أنتجت أيديهم

وبالنسبة للمعادن تختلف طريقة المعالجة حيث نستخدم الفرشاة ومن ثم التنظيف الميكانيكي كمرحلة أولى، بعدها نبدأ العمل بالمشرط الطبي، ولابد من الانتباه والحذر لأن الضغط على القطعة قد يغير ملامحها ويؤذيها وهنا تظهر خبرة المرمم، وبالنسبة لنا ومن خلال الخبرة نتمكن من ترميم الجزء الأكبر مما يرد إلينا ولدينا نسبة كبيرة من الكسر الفخارية نتعامل معها وهي بقايا لقطع لا تنسجم مع النسب المناسبة لإكمالها، ولإظهار أهمية هذه القطع قمنا بإكمال عدد منها بالجفصين وظهرت في غاية الجمال حيث يكفي توافر جزء من القاعدة والإطار الخارجي (شفة الوعاء أو الجرة) لنتمكن من إكمالها، وأصبح لدينا عدد كبير من القطع نحتاج لموافقة المختصين ليتم عرضها لأننا لا نريد خسارتها وبهذا الشكل نتمكن من المحافظة عليها قدر الإمكان».