عرضت إحدى صالات مجمع دمر الثقافي نتاجات ما يقارب ثلاثين فناناً تشكيلياً، فكان هذا المعرض إعلاناً عن بدء فعاليات المجمع الثقافية لعام 2010 وتحت اسم "معرض الشام الجديدة للفن التشكيلي الأول للفنانين المقيمين في مشروع دمر".

لم يكن هذا الوجود المكثف لنخبة من الفنانين التشكيليين في منطقة سكنية واحدة إلا ملهماً ومحفزاً لتنظيم فعالية ومكاناً لاحتضان أعمالهم، دون وجود لجنة لاختيار أو تقييم الأعمال كما هي عادة المعارض الضخمة الجماعية، فكان كل فنان لجنة لذاته اختار ما شاء من أعماله لوحة أو اثنتين وعلى الأغلب اختار المشاركون آخر أعمالهم والبعض منهم وجدها أهمها.

الأعمال التي قدمتها في المعرض هي لوحات منجزة في الغربة حيث كنت في "بريطانيا" موفداً لمدة ستة أشهر وذلك منذ ما يزيد على عشرة أعوام، وأحضرتها معي من بلد الإيفاد، بالتالي اعتبرها من خيارات أعمالي التي لم تظهر للجمهور إلا قليلاً، كما اعتبرها من خلاصات أعمالي التي احتفظ بها لأولادي وللأجيال القادمة كذكرى

موقع "eSyria" حضر افتتاح المعرض في مجمع دمر الثقافي، حيث التقينا الدكتور "عبد العزيز علون" الكاتب والناقد التشكيلي وصاحب فكرة إطلاق المعرض، الذي تحدث عن هذه الفكرة: «بكل دول العالم توجد نشاطات فنية مهمة جداً تجري خارج الإطار الرسمي بمعنى وجود قاعات للبلدية في الأحياء المتطرفة والريف تدعم النشاطات والفنانين أو الأدباء وهي نشاطات ليست أقل شأناً على الإطلاق من التي تقام في مركز المدينة أو في صالات العرض الضخمة، من هنا وبعد إقامتي الطويلة في "مشروع دمر" والتي تزيد على الخمسة عشر عاماً وجدت أن هذه الضاحية البعيدة بعض الشيء عن قلب دمشق تمثل تجمعاً ضخماً للفنانين بوجود خمس وثلاثين فناناً تشكيلياً في منطقة واحدة بين مصور، ونحات، وحفار ومزخرف».

من الحضور

يتابع "علون": «هذا المعرض بالسويات التي يضمها يعتبر من أعلى سويات المعارض في سورية، فهو يضم أعمال الفنان التشكيلي "فاتح المدرس" والفنان "نعيم إسماعيل" وكانا مقيمين في هذه المنطقة، وثلاثة عمداء من كلية الفنون الجميلة بدمشق العميد الحالي د."محمود شاهين"، والعميدين السابقين "عبد الكريم فرج، وخالد المز"، ومن أساتذة كلية الفنون الجميلة لدينا ستة فنانين مشاركين، وكانت الفكرة بمشاركة كل فناني الحي وإن كانوا غير سوريين كالفنانة العراقية "سناء الراوي" التي شاركت معنا بالمعرض بعملين».

ضم المعرض تجارب عديدة ومتنوعة للفنانين فلم تكن المدرسة الفنية أو تقنية العمل محط اهتمام الجمهور بل تجربة الفنان بمجملها من خلال العمل المعروض الذي يمثل صاحبه، ما أتاح للمشاهد أن يتفاعل ويختبر مشاعره أمام هذا الحضور المكثف لسوية عالية من فناني سورية دون تدخل أي جهة قد تبدو وصائية في تلقين وتأطير الذوق العام للعرض.

لوحة للفنان "فاتح المدرس"

من المشاركين حدثنا الفنان التشكيلي "نشأت الزعبي" عن أهمية العرض: «مبنى مجمع دمر الثقافي يحتوي فضاءات عديدة، من الممكن أن تكون فضاءات ثقافية فعّالة، والمعرض اليوم يأتي كانفتاح على مشروع ثقافي مهم يهدف إلى ألا يكون هذا المجمع قاحلاً بل يتحول إلى قلب نابض بالجسد الاجتماعي لدمشق الجديدة "مشروع دمر"، فالتفاعل بين سكان المنطقة والمعرض والفنانين المشاركين والمجمع الثقافي هو غاية في الأهمية، ومن المفيد أن تتم لقاءات كهذه بين فناني كل منطقة لأن تفاعل السكان مع بعضهم ومع الثقافات التي تطرح هي ما نحتاجه للارتقاء بثقافتنا البصرية».

وعن أعماله التي شارك بها يقول "الزعبي": «العمل الفني يبادر بالبراعة، ويرادف الاهتمام إلى اللانهاية بالتقنيات، أي إن العمل الفني وقبل كل شيء هو انعكاس لحالة تنشئ بالوجدان لذلك أعمالي لا يوجد لها خطة مسبقة فالعمل لينشئ من المفروض أن يتشكل ضمن فكرة أو نصف فكرة بالبداية وعند الدخول إلى صلب العمل يتحول إلى مكان تجتمع فيه الذكريات والتداعيات ومهمة الخط واللون في أعمالي ليست نقلاً للطبيعة وإنما تجريد الطبيعة إلى حد ما من واقعيتها لخلق وجود مبهم لا يدرك إلا بواسطة اللاوعي».

من أعمال "خالد المز"

الفنانة التشكيلية "غادة دهني" تقول: «الكثير من سكان الحي يجدون صعوبة بالوصول إلى قلب المدينة للتواصل مع الأوساط الثقافية وحضور النشاطات الفنية، لذا تكمن أهمية هذا النشاط أنه قدم أعمال نخبة من الفنانين التشكيليين من سكان المنطقة واليها، وقد اخترت لوحتين لعرضهما من أعمالي المنجزة في الفترة الأخيرة حيث عملت سابقاً على مواضيع من الطبيعة والزهور بشكل خاص، أما حالياً فبدأت بالتطرق لموضوع المرأة والأطفال والمعاناة الموجودة في مناطق مختلفة من العالم، فالمشاعر الداخلية التي تعتري إنسانيتنا تقودنا لتصوير معاناة البشر لذا لم تعد الزهور وسيلة تفريغ كافية لمشاعري وأحاسيسي ولم استمر في ذلك النمط، بل التفت إلى البورتريه وذلك ضمن المدرسة التعبيرية الواقعية التي انتهجها عموماً ليكون محور اهتمامي إيصال فكرة معينة تبوح بها تعابير الوجه الذي أصوره».

أما الدكتور "عبد الكريم فرج" فيقول: «لدينا هنا مجموعة كبيرة ومبدعة من الفنانين يتعارفون فيما بينهم من خلال مجموعة أعمال انتقائية، وأنا تعرفت إلى أعمال وجوانب فنية للفنانين لم أتعرف إليها مسبقاً، وبذلك تكمن أهمية هذه التجربة والتي من المفترض أن تتكرر في مختلف مناطق دمشق، فهذا المعرض يجمع بين الجانب الثقافي والجانب الاجتماعي، كما وجدت أن كل فنان يجتزئ من تاريخ عطائه أفضل أعماله بسبب حس كل واحد منا أن زميله أو جاره سيشاهده بعين مختصة وخبيرة».

شارك "فرج" بعملين من مجموعته المقتناة في جامعة "كوفنتري" بصالة "لانشستر" كطبعة ثانية، والمكونة من أربعة وعشرين عملاً، فقدم هنا لوحتين من الطبعة الأولى، وعنها حدثنا: «هي أعمال منجزة بتقنية واحدة "الحفر على المعدن" من حيث المبدأ لكن لوحة ملونة ولوحة دون لون، الملونة استخدمت فيها تقنية اسمها الفحم المقسى والمسحوق، والذي يعالج به سطح المعدن وتعالج معه الألوان بنفس الوقت، والعمل الثاني هو لشجرة كانت تقف أمام بيتي في شارع "هينلن" في "بريطانيا" فكنت كلما فتحت النافذة أجدها في وجهي لذلك حاولت إدخال الشجرة إلى داخلي عن طريق الرسم بالإبرة الجافة، ومن ثم طبعت بعد التحبير».

يضيف: «الأعمال التي قدمتها في المعرض هي لوحات منجزة في الغربة حيث كنت في "بريطانيا" موفداً لمدة ستة أشهر وذلك منذ ما يزيد على عشرة أعوام، وأحضرتها معي من بلد الإيفاد، بالتالي اعتبرها من خيارات أعمالي التي لم تظهر للجمهور إلا قليلاً، كما اعتبرها من خلاصات أعمالي التي احتفظ بها لأولادي وللأجيال القادمة كذكرى».