كثيرة هي الكلمات (الألفاظ) الفصحى والعامية التي نسمعها اليوم، وترجع في أصولها إلى لغات أجنبية مختلفة، والعكس صحيح حيث نجد العديد من الكلمات والألفاظ الأجنبية التي تعود في جذورها إلى اللغة العربية.
فإلى أي حد تؤثر وتتأثر اللغات بعضها ببعض، وهل من أثر للدول المتقدمة علمياً على تفوق لغتها، وكيف يمكن أن نحافظ على لغتنا، وما دور مجمع اللغة العربية كحارس أمين عليها كلغة قادرة على مواكبة التطورات العلمية، هذه الأسئلة وغيرها كانت محور لقاء eSyria مع الدكتورة "لبانة مشوح" عضو مجمع اللغة العربية بدمشق بتاريخ /26/1/2010 أجابت فيه على أسئلتنا:
** اللغة العربية كما نعلم من اللغات السامية، وجذورها مختلفة تماماً عن اللغات اللاتينية التي أخذت عن اليونانية مثل الفرنسية والاسبانية، وفيها الكثير من الكلمات ذات الجذر اليوناني المشترك، ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد نقاط مشتركة مع اللغة العربية حيث يمكننا أن نقول: إن صلة القربى إن صح التعبير بينها وبين أي لغة أخرى ليس فقط اللغة الاسبانية والفرنسية، هي في تواصلها، في الجسور القائمة بين اللغات منذ القديم وستستمر هذه الصلة التي نشأت منذ القديم إلى أبد الآبدين، طالما أن هناك شعوباً تتواصل وحضارات تتلاقح فاللغات يتأثر بعضها بالبعض الآخر.
وفي معجم الألفاظ العربية نجد كلمات كثيرة دخيلة، وكلمات معربة، أخذت بها المعاجم العربية وقبلتها من الفارسية والتركية واليونانية وغيرها، وهذا بفضل التواصل الحضاري بين الشعوب، وخاصة عندما قام العرب بترجمة العلوم، فعربوا الكثير من الألفاظ العلمية، إلى أن وجدوا بديلاً منها يتلائم مع طبيعة اللغة.
لكن بالمقابل المفردات العربية التي دخلت اللغة الفرنسية أكثر من أن تحصى، وهناك عدد من الكتب التي تشير لذلك، ومؤخراً قام الدكتور "منصور حديفي" بترجمة كتاب لمصلحة المركز العربي للترجمة والتعريب بعنوان "الكلمات المسافرة باللغة الفرنسية"، وهذه الكلمات التي أتت من مكان وعبرت أمكنة، وانتقلت إلى أمكنة أخرى وأكملت ترحالها لتعود ربما إلى اللغة الفرنسية بحلة جديدة.
وتتابع "مشوح" إذاً الكلمات العربية موجودة، والفرنسيون أخذوا عن الإيطاليين والرومانيين ولغات أخرى كثيرة منها اللغة العربية، ويجب ألا ننسى أن هناك عامل التجارة والترجمة الذي نشط في الغرب وخاصة في الحوض الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، نقلاً عن العرب الذين كانوا في الأندلس، هكذا تداخلت اللغات، ولكن كل لغة حصلت على خصوصيتها، وعلى شخصيتها، وكل الناطقين بأي لغة يحاولون أن يتمسكوا بهذه الخصوصية حتى لا تضيع لغتهم.
** مقولة "ابن خلدون" صحيحة مئة بالمئة الدول القوية تفرض حضارتها ولغتها، وهذا ينطبق على اللغة الإنكليزية اليوم، كما كان ينطبق على اللغة العربية فيما سمي فيما بعد بالعصور الوسطى، ويجب ألا ننسى أن العرب كانوا سادة العالم بوقت من الأوقات، وبالتالي كانت لغتهم هي السائدة بجامعة السوربون، وكان على الطالب أن يدرس مقرر اللغة العربية.
إذن تصرفوا مع لغتنا كما نتصرف نحن مع اللغة الإنكليزية حيث نعتبرها إلزامية، ويجب على الجميع أن يعرفها، لا محبة في الإنكليزية، ولكن استفادة من الحضارة والعلم، ومما أحرزته هذه اللغة من علوم ومعارف، وإلا فلن نلحق بركب الحضارة، وكان هذا هدف الفرنسيين والإيطاليين من معرفة اللغة العربية، فالعربية لم تكن هدفاً بحد ذاته وإنما ما تعبر عنه، وما تختزنه من معارف كان هو الهدف وانتقلت اللغة العربية لتصبح لغة ثانية وثالثة ورابعة وربما عاشرة.
لكن هل العولمة فعلاً تهدد الحضارة واللغة؟ لم تهددها في السابق ولا أعتقد أنها ستهددها اليوم إذا كان للغة حراس يحرسونها، بمعنى أن يكون هناك من يحرص على استحداث ألفاظ جديدة، تواكب حركة العلوم، وإلا احتاج المستخدم إلى لغة غير لغته.
** أن نقول إن المجامع اللغوية لم تكن موفقة باستبدال ألفاظ عربية، وأن نستدل على ذلك بأن العامة تستخدم ألفاظاً غير التي استحدثتها، أو أقرتها مجامع اللغة العربية، فهذا ليس بدليل لأن العامة هي السباقة دوماً لاستحداث الألفاظ، هذه هي القاعدة في كل لغات الأرض.
لكن ما دور المجامع؟ أقول: يأتي دورها لاحقاً، تنظر فيما استحدث من ألفاظ وترى إن كانت هذه الألفاظ تتواءم مع مبادئ وأسس وقواعد اللغة الحسية، والتركيبية أم لا؟ فإذا وافقتها تعتمد هذه الألفاظ، وهذا يعني أن مجامع اللغة وعامة الشعب ليسا بطرفي نقيض، نحن لا نناقض الشعب والشعب لا يتحدانا، هما عمليتان تتواكب إحداهما مع الأخرى، ولكن الثانية أي مجمع اللغة هو مراقب ومدقق ومشدد وإذا وجد أن هناك استحداثاً لألفاظ درجت على لسان العامة وليست من صلب اللغة يجب أن يتدخل المجمع.
وتضيف "مشوح" متسائلة: الآن هل يخفق أو ينجح مجمع اللغة؟
هذا أمر آخر، هناك ألفاظ استحدثتها مجامع اللغة العربية في الدول العربية، وأقرتها، ودرجت مثل (الطائرة) و(السيارة) هذا لفظ استحدثه مجمع اللغة العربية، ودرج، إذاً هناك ألفاظ أخفقت فيها مجامع اللغة مثل (الرائي)، فلا أحد يقول اليوم الرائي بدلاً من التلفزيون، ولكن بالمقابل المذياع درج، فالعامة تدرج على ألسنتها الألفاظ لأنها الأسرع في تداول اللغة، وهي التي تستخدم اللغة يومياً، وهي التي تكون بحاجة إلى ألفاظ جديدة، والسليقة العامية رائعة ويجب ألا نستهين بها، لكن المجامع تأتي لاحقاً لتنظر في هذه الألفاظ، وكثيرة هي الألفاظ التي وافقت المجامع عليها، وأخرى استحدثتها، وبعض التي استحدثتها درجت وبعضها الآخر لم يدرج، الوظيفتان متكاملتان.
** مجامع اللغة العربية، ومجمع اللغة العربية بدمشق خاصة، أحدثت عدداً من اللجان وظيفتها رصد الألفاظ التي تدرج على الألسنة، والمستخدمة في الترجمات والكتب والمطبوعات وفي وسائل الإعلام، وتم إخضاعها للدراسة، وهناك لغويون يقومون على دراستها وإرجاعها، أو ردها لأصولها، أو إنكار أصولها، وهنا ندخل في عملية ابتكار أو استحداث ألفاظ جديدة.
فهناك لجنة للمعاجم، ولجنة للسانيات، ولجنة لألفاظ الحضارة، وهي المستخدمة يومياً عند الناس.
اللجنة تعمل منذ عامين، وتوصلت إلى قوائم مشهود لها، وهناك لجنة للترجمة، تنظر في كل ما ترجم، إذاً: مجامع اللغة العربية جادة في عملها، وهي دائماً أو أكثر الأحيان صائبة، ولكن قد تدرج الألفاظ التي تستخدمها المعاجم وقد لا تدرج وهذا عائد لأسباب كثيرة.
** اللغة العربية ليست أصعب من اللغات الأخرى، وصعوبة اللغة أمر نسبي، بالنسبة للمتعلم، المتعلم الذي يأتي من روسيا ولغته الأم هي الروسية أو العبرية، لا يجد الصعوبة نفسها التي يجدها مثلاً (الياباني) في تعلم العربية، لأن تركيب الكلمات وأشكال التراكيب، أو الميزان الصرفي، من جذر واحد في العبرية والعربية، وقريب جداً في الروسية، ولكنه بعيد عن التراكيب، والألفاظ باليابانية إذاً صعوبة اللغة العربية أمر نسبي بالنسبة للمتعلم وللغة الأم التي ينطق بها.
** لا شك أنها خطوة عظيمة أن تنتخب سيدة في الخمسين، ولكن ليست بسن متقدمة جداً، ومن المعروف أنه ينظر إلى مجامع اللغة العربية على أنها مجمع للخالدين، أي إن الباحث ينتخب قبل أن يتوفاه الله، الآن تبدلت الصورة، وهذا تطور كبير، يعكس تطور الذهنية العامة، وفي سورية بشكل خاص، لا شك أن المرأة أخذت الكثير من حقوقها وأنا لا أقول إن المجمع كان حكراً على الرجال الأستاذة الدكتورة "ليلى الصباغ" انتخبت قبل سنوات، وكانت الأولى في كل مجامع اللغة العربية بالعالم العربي، إذاً سورية متقدمة على غيرها من الدول العربية، وعلى المرأة أن تثبت نفسها، وألا تطلب من الآخرين استجداءً أو عطفاً ولا منة، وعندما تثبت نفسها في مجال العلم والمعرفة والثقافة ينصاع الجميع ويشار إليها بالبنان ولكن هذا أمر يكتسب ولا يستجدى.
يذكر أن "لبانة مشوح" تحمل شهادة الدكتوراه في الادب الفرنسي من فرنسا، شغلت منصب رئيس قسم اللغة الفرنسية بجامعة "دمشق" والآن تشغل منصب رئيس قسم اللغة الاسبانية بجامعة "دمشق"، شاركت في تأسيس المعهد العالي للترجمة والترجمة الفورية، انتخبت في مجمع اللغة العربية عام / 2008/.
