لا يبتعد أبناء "جبل العرب" كثيراً عن البازلت فهو مادتهم الأولى التي تتداخل مع التاريخ والفن والعمارة ولا عجب أن تكون محوراً لدراساتهم، الباحث "نشأت كيوان" أمين متحف "السويداء" شغلته المجسمات البازلتية في جبل العرب، لتكون موضوع دراسته لنيل شهادة الماجستير من جامعة "دمشق" عام 2009.
موقع eSuweda ناقش مع الباحث غاية الدراسة وأهدافها في الحوار التالي:
** توجهي لهذا البحث كان بدايةً لإلقاء الضوء على فن محلي (أصيل) متأثر بفنون الحضارات السابقة والمعاصرة له في تلك الفترة، هذا الفن الذي شهد تطوراً ملحوظاً منذ القرن الأول ق.م أي منذ بداية السيطرة النبطية وما شهدته هذه الفترة من تطور في أسلوب وقواعد وصيغ المنحوتات البازلتية في جبل العرب وما أفرزه من ميزات وخصائص كان لها ارتباط تختلف درجاته مع مناطق فنية إقليمية متعددة داخل وخارج سورية.
يتطرق البحث إلى دراسة المنحوتات البازلتية المجسمة في الفترة الزمنية التي شهدت سيطرة نبطية واضحة على جنوب سورية ومن ضمنها "جبل العرب" منذ بداية القرن الأول ق.م وما تزامن معها منذ الثلث الأخير من القرن ذاته وبداية القرن الأول الميلادي من ازدياد للنفوذ الروماني في المنطقة بعد دخولهم سورية، وهي فترة لاحظت إنها أهملت إلى حد معين من ناحية دراستها دراسة متأنية من قبل الباحثين الذين عملوا في هذه المنطقة ودرسوا فنونها، حيث اقتصرت الدراسات على إشارات بسيطة لبعض الرَّحالة والدارسين الأجانب بطريق المصادفة، وبعض المقالات العلمية لباحثين أجانب كتبوا عن عدد من المنحوتات البازلتية، لذلك لم يُنشر حتى الآن بحث متخصص بفن النحت في جبل العرب يغطي هذه الفترة بين القرن الأول ق.م والثالث الميلادي.
لذا فقد تناولت بالبحث أعمال النحت البازلتية المجسمة حصراً لما عبرت عنه من مواضيع دينية ومدنية تمثل الفكر الذي ساد في جنوب سورية وجبل العرب، كجزء من منظومة حضارية زَخرت بعدد لا بأس به من المنحوتات التي اجتمعت على خاصية نحتها من الحجر البازلتي المنتشر بكثرة على أرض الجبل، ومدى الصعوبة في التعامل مع هذا النوع من الحجارة، وكيف استطاع الفنان المحلي إعادة صياغة هذه الكتل الحجرية وتحويلها إلى منحوتات تعبر عن الفكر السائد في المنطقة، ولا ندعي أننا قد ألممنا بها كلها لكن بقدر الإمكان جرى التطرق للنقاط الرئيسة فيها والتي تثير الجدل سواء بالمنحوتات المحلية أو المنحوتات ذات الطابع الإغريقي- الروماني.
** حرصت على تقديم دراسة فنية وتوثيقية للمنحوتات من خلال القيام ببحث يغني المكتبة الأثرية والمراجع المختصة بالمتاحف، وتجذر الفن في هذه المنطقة كان من أهم التفاصيل التي أضفتها للبحث بعد القراءة المتأنية للمجسمات البازلتية التي تشكل القسم الأكبر من معروضات متحف "السويداء" ومتحف "شهبا" وموقع "قنوات" ومعروضات المتحف الوطني في "دمشق" التي تدل على أن الفن حالة فطرية في هذه المنطقة حيث كان فن النحت يحتل المرتبة الثانية في فنون هذه المنطقة بعد فن العمارة، الذي أخذ القسط الأكبر من الدراسة منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الآن حيث وصِفَت الأوابد المعمارية والزخارف وعدد من المنحوتات، لكن لم يُشر إلى الأخيرة بالكثير من الدراسة والتمحيص لذلك كانت مسألة الإشارة إلى مدى التأثيرات الوافدة إلى المنطقة وخاصة النبطية والرومانية من الأهداف الهامة للبحث وما أفرزته من معايير جديدة أضافتها لفن النحت في جبل العرب، وهذا ما عملت لإبرازه في البحث من خلال تقسيم مجموعات النحت ودراسة المنحوتات البازلتية المجسمة من الناحية الشكلية والفنية وخصائص وصفات هذه المنحوتات، ومقارنتها أحدهما بالآخر مع نماذج أخرى في مناطق مختلفة داخل سورية وخارجها لمعرفة أصول هذا الفن في المنطقة.
** تتكون الرسالة من عدة أقسام أولها الإطار الجغرافي والتاريخ، ومدارس النحت في سورية في العصر الروماني والفصل الثالث المنحوتات البازلتية المجسمة في "جبل العرب" في الفترة ما بين القرن الأول قبل الميلاد والثالث الميلادي والفصل الأخير وهو الأهم وفيه يظهر فحوى الرسالة حيث تمت المقارنة بين ما توافر بين أيدينا من تلك العصور ولنخرج بنتائج تظهر أصالة فن النحت والعناصر التي ساهمت في تطويره خاصة في العصر الروماني.
وبشكل عام فقد كان عملي في دائرة الآثار عاملاً مساعداً لإتمام الدراسة وكانت المرجع الأهم الذي مدني بالمراجع والوثائق الضرورية لهذه المهمة، وبشكل عام فإنك في هذه المدينة تجد عدداً هاماً من الباحثين الذين يحاولون إتمام مشروع الدراسة لتاريخ هذه المنطقة وفي كل عام تجد من يضيف حبة لهذا العقد الذي ينتظر له أن يزين جيد "السويداء" التي تعتبر أحد منابع التاريخ الزاخرة بالعلم والفن وكل معطيات الثقافة.
في النهاية: لابد من الإشارة إلى أن الباحث "نشأت كيوان" من مواليد "السويداء" عام 1980 تخرج في جامعة "دمشق" كلية الآداب قسم الآثار عام 2001 ونال الدبلوم عام 2003 ليحصل على شهادة الماجستير عام 2009 بتقدير 84 بالمئة.
