هي ليلة من ليالي الشتاء القاسية تترقب فيها الأنظار نشرة الأحوال الجوية... ثمة عاصفة قادمة و"أرواد" جزيرة الساحل السوري على موعد مع العزلة وأهلها يستعدون للحدث...!! فهل خطر ببالك عزيزي القارئ أن تفكر كيف يمكن أن تكون حياتك في حال قدِّر لكَ أن تعيش معزولاً عن العالم في جزيرة وسط البحر وتحتاج على الأقل نصف ساعة من الوقت للوصول إلى اليابسة لتحصل على حاجات حياتك الأساسية؟
موقع eSyria حاول من خلال اللقاءات التالية رصد حياة أهالي الجزيرة في ليلة عاصفة والبداية مع السيد "علي نجم" رئيس مجلس بلدية "أرواد" الذي التقيناه بتاريخ "20/2/2010" حيث يرى:
حياة الإنسان في جزيرة "أرواد" صعبة، وظروف العمل فيها أكثر صعوبة ومشقة من الحياة والعمل على اليابسة، فالعمل في البحر يحتاج لبذل الجهد والطاقة وامتلاك القدرة على التحمل
«حياة الإنسان في جزيرة "أرواد" صعبة، وظروف العمل فيها أكثر صعوبة ومشقة من الحياة والعمل على اليابسة، فالعمل في البحر يحتاج لبذل الجهد والطاقة وامتلاك القدرة على التحمل».
ويضيف: «في الماضي كنا نتحضر لاستقبال العاصفة من خلال تخزين المواد التموينية التي يحضرها الأهالي بشكل يومي، وذلك للمواد التي لا تفسد مثل الحبوب وغيرها، وفي حال استمرار العاصفة لعدة أيام كنا ننقطع عن العالم الخارجي، لكن في حال الحاجة كنا نقصد مرفأ "الفاخورة" مستعملين مراكب غير مجهزة غير آبهين بالمخاطر الحتمية والمؤكدة لركوبها أثناء العاصفة».
أما في هذه الأيام فقد تم التحكم ببعض صعوبات الحياة في الجزيرة أثناء العواصف خاصة بعد التطور الكبير في مختلف مجالات الحياة وهنا يقول السيد "نجم": «وجود سيارة إسعاف في مرفأ "الطاحونة" بشكل دائم إضافة إلى ازدياد عدد المحلات التجارية التي تستقدم المواد التموينية والغذائية إلى الجزيرة، حيث وصل عددها تقريباً إلى سبعين محلاً تجارياً، وإمكانية الاحتفاظ بأكبر كمية من المواد الغذائية في البرادات الخاصة هي أمور سهلت على الأهالي الحياة في حال استمرار العاصفة أياماً عديدة قد تصل أحياناً إلى عشرة أيام تتوقف خلالها كل أشكال الحركة من الجزيرة وإليها».
أما المشكلة الأكثر إلحاحاً في الجزيرة برأي السيد "نجم" فهي: «التعليم الذي يحتاج إلى كادر تعليمي مقيم في الجزيرة، حيث يغيب حوالي خمسة وتسعين بالمئة من المدرسين والمدرسات وخاصة لمرحلة التعليم الأساسي "الحلقتين الأولى والثانية" لفترات طويلة في أيام الشتاء، باستثناء المدرسين القادمين من "طرطوس" الذين يحضرون عن طريق مرفأ "المارينا" الأقل خطورة من مرفأ "أرواد" الحالي أثناء العواصف، ولكن هذا لا يكفي لردم الهوة والنقص الحاصل في العملية التعليمية وتعويض الطلاب ما فاتهم».
ويشير السيد "نجم" إلى إمكانية تجاوز هذه الصعوبات من خلال الإسراع في إنجاز مرفأ "أرواد" الجديد الذي يقع جنوب مطعم "السواري" على شاطئ مدينة "طرطوس" لأنه أقرب إلى الجزيرة ويختصر المسافة إلى النصف وأكثر أماناً لكونه يقع مقابل الجزيرة مباشرة.
وللحالات المرضية طريقة خاصة يعالج من خلالها أبناء "أرواد" مرضاهم حسب الحاجة وضمن الإمكانيات المتوافرة وهنا يقول الدكتور "محمد خضر حليمة" رئيس مركز "أرواد" الصحي:
«ما بين الرجاء والخوف نعمل بإمكانياتنا وخبرتنا التي اكتسبناها من خلال عملنا في هذا المجال، يساعدنا في ذلك أن المريض يفضل بذل الجهد ومساعدتنا ومقاومة المرض قدر الإمكان على أن يموت في عرض البحر أثناء إسعافه».
ويضيف: «تشكل الحالات المرضية الصعبة نسبة 2% من مجمل الحالات التي نتعرض لها، حيث نقوم بداية بتقدير الحالة المرضية ومعالجتها هنا في الجزيرة قدر الإمكان وفق الخبرات الخاصة بنا، وفي حال الضرورة القصوى نتصل مع الموانئ لمنحنا إذن المغادرة ومتابعتنا على طول الطريق للاطمئنان علينا، ونختار زورقاً كبيراً لقدرته على مقاومة الأمواج ونذهب إلى مرفأ "المارينا" وهذه مجازفة من الطبيب والمريض وأهله والسائق».
معاناة أخرى قد تصادف الأهالي وهي نقص المواد التموينية وخاصة الخبز وعن هذا يقول السيد "أحمد بدر أمون" أحد أصحاب المحلات التجارية في "أرواد": «نعاني من نقص مادة الخبز أثناء العواصف حيث يمكن أن نحضر ما يكفي الأهالي لمدة يومين أو ثلاثة، ولكن عند امتداد العاصفة لعشرة أيام نكون بموقف حرج جداً فنلجأ إلى فرن الصفيحة في الجزيرة ليصنع لنا الخبز الذي يزيد سعره إلى الضعف في هذه الأثناء، حتى إنه لا يستطيع سد العجز في مادة الخبز أحياناً».
في حين يشكو الطالب "محمد أمون" طالب ثانوي عدم حضور المدرسين في الأحوال الجوية السيئة حيث تقوم مديرة المدرسة بمهمة التعويض عن النقص، ولكنها لا تستطيع التعويض للجميع وعلى مدار أيام العاصفة فكيف لها أن تعطي الحصص الدراسية اللازمة لحوالي "400" طالب وطالبة في "أرواد".
ويوضح السيد "محمد فحل" من أهالي الجزيرة طريقة استعداده مع عائلته لاستقبال العاصفة فيقول: «نحاول تأمين بعض الحاجات الأولية من الخبز والمواد الغذائية الضرورية قبل حدوث العاصفة، ونعتمد على المواد الأولية الموجودة في المنزل مثل الحمص والفول والحبوب التي لا تفسد جراء التخزين، وقد تعودنا على هذه الحالة ولكن الآن بعد توافر المحلات التجارية والتجهيزات الخاصة بالتخزين أصبح الأمر أسهل من الماضي، أما في حالات المرض فأحياناً مثل الولادة نقوم بإخراج المرأة الحامل إلى "طرطوس" قبل قدوم العاصفة للمحافظة عليها وجنينها من الموت في حال حدثت الولادة أثناء العاصفة».
