كانت جدران القصور والمباني في الحضارات القديمة، مزينة من الداخل برسومات على طبقة من الجص، ضمن أفاريز ذات رسوم تشكيلية، وهي تصور موضوعات مختلفة، منها ما يمثل حملات عسكرية، أو مشاهد إذلال الخصوم...

أو مناظر مستمدة من الطبيعة، وغير ذلك من المشاهد الأخرى، ونضرب مثالاً على ذلك الرسومات المكتشفة في "تل أحمر" على "الفرات" من قصر الملك الآشوري "كار شلمانصر"، ومثلها تم العثور عليها في قصر "ماري" الشهير على "الفرات"، وبعض الرسومات في موقع "حلاوة" الأثري على "الفرات" بالقرب من "الرقة".

هذه الشهادات تقدم لنا خدمة كبيرة، حيث إنّ الأصبغة تطبق فوق التجصيص قبل أن يجف

لا شك أنّ أغلب هذه الرسومات تعرضت أو تتعرض مع الزمن، نتيجة لعوامل كثيرة، إلى انفكاكات وتساقطات، لذلك كان لا بد من التدخل السريع لمعالجتها، في سبيل الحفاظ عليها من التلف مرة ثانية. ففي حالة تعرض هذه الرسومات الجدارية إلى إصابات خطيرة، فإنَّ أول ما تلجأ إليه المؤسسات والجهات العلمية ذات الصلة بالموضوع، مثل المتاحف، والجامعات، هو القيام بعملية الجرد، والفحص، والتدقيق، التي تسمى عملية التوثيق الشاملة، أي عملية توثيق كاملة بالرسوم والصور، وإعداد بحث مسبق من قبل المختصين، حول جميع المخلفات في المخبر والمكتبة إن كانا في المتحف أو في الجامعة.

صورة جدارية تمثل وجه محارب

في الغالب، تكون الرسومات "الفريسكات" على جدر المباني والقصور الأثرية القديمة، منفذة على طبقة من الجص الأبيض، أو المائل إلى السمار. ومادة الجص هذه، كانت تصنع، وما زالت، يدوياً من تربة بيضاء، توجد عادة على شكل عروق بيضاء تسمى في منطقة "الرقة" بـ"المجصات"، وحسب الكمية المراد استعمالها، تتعرض هذه الكمية لعملية حرق من الأعلى في العراء الطلق، بواسطة روث الحيوانات الطبيعي لمدة عشرة أيام، بعد ذلك تزال من الأعلى طبقة الحريق "الرماد"، ثم تعرّض مادة الجص إلى الهواء كي تبرد، ثم تنقل إلى البناء لتسييع جدرانه بهذه المادة، ومن ثم قيام الفنان أو الرسام بتنفيذ الرسوم على جدره. لذلك عند القيام بصيانة وترميم طبقات الجص سواءً كانت مدهونة أو غير ذلك، فإنه من الضروري التعرف على مواد البناء وتقنية الممارسة، وهنا لا بد من القيام أيضاً بعمليات تحليل مسبقة، ومراجعة مؤلفات قديمة بعض الشيء، من شأنها المساهمة بتقديم بعض المعطيات حول مثل هذه القضايا.

لقد نفذت هذه الرسوم على طبقات الجص الأبيض وفق تقنيات فنية متشابه، ففي قصور "بابل"، كما في قصور مدينتيْ "ماري"، و"كركميش" الواقعتين على "الفرات"، نفذت رسومها بطريقة فنية اعتمدها الرومان فيما بعد، ومن العصر الروماني لدينا شهادة موثقة للمؤرخ الشهير "بيلينو"، في كتابه الشهير "التاريخ الطبيعي"، وشهادة أخرى من المؤرخ المعروف "فيتروفيوس" في كتابة السادس عن العمارة المعروف باسم "العمارة"، وبهذا الخصوص تقول السيدة" بيرخينيا باخة ديل بوثو" في كتابها "علم الآثار"، ص: /278/: «هذه الشهادات تقدم لنا خدمة كبيرة، حيث إنّ الأصبغة تطبق فوق التجصيص قبل أن يجف» ويتحدث "فيتروفيوس" «.. عن ثلاث طبقات من الكلس وبودرة من الرخام، الممدة فوق طبقات أخرى ثلاث من الكلس والرمل». وأيضاً: «..عن تهذيب سطحي قبل وبعد تطبيق الأصبغة». المرجع السابق.

جدارية لمحاربين من الفرات

لا شك أنّ الكثير من المعاهد العلمية ذات الصلة بالموضوع، قد قامت بدراسة الطرق الفنية، وقد تمت رؤية هذه الممارسة والتأكد منها، من خلال الدراسات والتطبيقات التي أجريت بين المتحف الوطني بـ"دمشق"، والمعهد المركزي للترميم في "روما".

قد يتساءل المرء أحياناً عن سبب تلف الرسوم الجدارية، والطبقات الجصية، لا شك أنّ الرسوم "الفريسك" الجدارية، مثلها مثل بقية المخلفات الأثرية. إنْ هي ظلت دون تنقيب "بقيت مطمورة تحت الأتربة"، وهذا لا يعني أنها تظل محفوظة تماماً رغم وجود شروط الاستقرار من الحفظ، فقد تكون هذه الرسوم، وهي بهذه الحالة التي هي عليها، تالفة تقريباً بسبب الانهيارات، وجذور النباتات، وحركة الحيوانات المستمرة، ووجود الأملاح المعدنية التي تحتويها مياه التربة، وهذه كلها عوامل مساعدة على فصل الأبنية أو تدميرها.

جدارية كاتب القصر من ماري

أما عند ترك هذه الرسوم في العراء الطلق، دون وجود شروط فنية للرطوبة ودرجات الحرارة المستقرة، فهذه الحالة تثير مجموعة من العوامل التي يمكن أن تكون عامل تخريب كامل لها. وعوامل تلف الرسوم الجدارية كثيرة ومتعددة منها: الأملاح الموجودة في ماء الجدار، والمواد الرطبة التي تكون بتماس مباشر مع الهواء، وأيضاً الفعل المباشر لعوامل التعرية مثل الأمطار، الذي يساعد على التآكل والتفتيت، وهناك أيضاً الصقيع القاسي، وخطر التخريب من قبل الزوار، والمعالجات غير المناسبة والتخزين السيئ، وكذلك الترميم السيئ سواءً في المتاحف، أو في المبنى ذاته، وأضرب على ذلك مثلاً حياً ترميم طبقات التجصيص في "قصر البنات" في "الرقة"، التي بدأت تتساقط نتيجة للعوامل التي ورد ذكرها.

أما كيف لنا أن نحمي هذه الرسوم، والتدخل السريع لحمايتها، فهناك تدخل وقائي مؤقت، وتدخل نهائي في المكان، وتدخل آخر يتم عمله في المعمل الفني الذي نسميه المخبر. فأما التدخل الوقائي المؤقت، فهو يعني حماية جميع البقايا والمخلفات الأثرية، مع الأخذ بعين الاعتبار تطبيق الإجراءات الوقائية، التي ورد ذكرها في معرض الحديث عن هذه الإجراءات، في وقاية الطبقات الجصية المرسومة على الجدر في المباني الثرية القديمة.

وغالباً ما يكون، التدخل النهائي في المكان، هو الحل الأنجع والأفضل في سبيل الحفاظ على الرسوم الجدارية، وهنا فإنه من المستحسن ترك الرسومات في مكانها، وعدم نقلها إلى مكان آخر، لأنها بالأصل نفذت من أجل زخرفة المبنى وحمايته، أياً كان شكله، وعندما نشرع في إزالتها ونقلها من مكانها الأصلي، فإننا نكون قد ساهمنا في عملية التخريب، لأنَّ رفعها من مكانها حتى ولو استعملنا أدق الطرق العلمية، فإنها تفقد جزءاً من معناها التصويري. وكما ورد في البداية فإنه يجب حمايتها من قسوة الطقس، وأنه لا بد من مراعاة أن يكون التصميم الذي نبحث عنه أن يكون منسجماً مع المحيط، إضافة إلى تطبيق عكس البنود التي تساهم في تخريب الرسومات الجدارية.

أما التدخل في المعمل الفني "المخبر"، فإنّ ذلك يتم بعد التأكد من أنَّ الطبقات الحاوية على الرسوم، أو الطبقات الجصية غير متصلة بالسطح الجداري، ففي مثل هذه الحالات لا بد من تحضير ركيزة صلبة لهذه الطبقات، لوضعها بشكل نهائي في المتحف الأثري، أو إعادتها للقيام بوضعها في مكانها الأصلي، وعليه لا بد أن تكون هذه الركائز ذات حركة وخفة مميزة، وصلبة، وهناك شروط علمية لاستخراج هذه الرسومات منها: استعمال الشاش للف القطعة الحاوية على الرسوم، وأن يكون وجه هذه القطعة إلى الأسفل فوق سطح صلب، وكذلك استعمال الضمادات القطنية المزدوجة، شرط أن تكون ملتصقة بطبقة من الكلس، ويستعمل خبراء المعمل الفني مواد عازلة أثناء المعالجة مثل مادة "البريمال"، أو "أسيتات البوليبينيلو"، وغيرها التي تساعد في عملية التقوية، وفي النهاية يقوم الفنيون باستعمال هياكل من قضبان الألمنيوم التي تمنع تحرك اللوح، وينصح بعدم استعمال الألواح الخشبية، إذ أنها تعتبر مادة سريعة التلف. وفي النهاية يقوم المرممون بما يلي:

ـ نزع وإزالة كافة أنسجة القلع المستخدمة، وذلك باستخدام المحاليل المناسبة وهي كثيرة.

ـ يقوم المرمم للوحات الجدارية بملء التجاويف والإصلاح اللوني، وذلك بواسطة الأصبغة المطلوبة والمطابقة.

المراجع:

1ـ "مارك روسكل"، "معنى تاريخ الفن"، ت: "فخري خليل"، "بيروت" لبنان /2003/م.

2ـ د."منى يوسف نخلة"، "علم الآثار في الوطن العربي"، ط: دار"جروس بريس" "طرابلس" لبنان.

3ـ "الحوليات الأثرية العربية السورية"، المجلد الرابع والعشرون، الجزآن الأول والثاني، "دمشق" /1974/م.