"من مفرق جاسم للصنمين حاجة تهلي الدمع يا عين، حاجة تهلي الدمع السخية من يوم فارق سود العيون". الأغنية الحورانية الشهيرة التي عرَفت بمدينة "انخل" التي تتوسط المسافة بين "جاسم" و"القنية"، والتي تشتهر إضافةً لبندورتها الحمراء الشهية، بقصورها الأثرية التي يزيد عمرها الزمني عن ألفي عام.

المهندس "حسين مشهداوي" رئيس دائرة آثار "درعا" دعانا لزيارة قصر "الحريري" نسبةً للعائلة التي سكنته، و"زين العابدين" الأثري وذلك بتاريخ السادس والعشرين من كانون ثاني 2010م، وكانت من حضرته هذه المعطيات: تتربع مدينة "انخل" في القسم الشمالي من "حوران"، جنوب "دمشق" العاصمة شمال غرب مدينة "درعا" بواقع خمسةً وخمسين كيلومتراً، يروى عن ازدهارها اقتصاديا ًفي القرون الأولى للميلاد، وصولاً للقرنين الخامس والسادس الميلاديين.

"زين العابدين" أو "الحريري" هو اسم القصر الأفخم في "انخل"، نسبةً للعائلات التي سكنته، والحقيقة أنه أحد أجمل وأهم المباني والأوابد الأثرية في منطقة الجنوب السوري، لما يتميز به من اتساع وضخامته وكثرة تفاصيل ووصوله إلينا بحالة ممتازة.

بعد الترميم

يعود بتاريخه كما هو ظاهر للعصر الروماني وذلك من خلال مواصفاته المعمارية، والنماذج الفخارية المكتشفة ومطابقته مع بعض البيوت الفخمة في عدد من قرى ومدن حوران. ويبدو أنه لأحد أمراء أو أثرياء المنطقة وربما لقائدها وحاكمها، كما يرجح ذلك البروفيسور الألماني "شتانسل" الذي أشرف على أعمال الترميم فيه عام 2002م.

عن باقي تفاصيله يتابع "المشهداوي" مخطط القصر: يتألف البناء من ثلاثة أقسام رئيسية متصلة ببعضها، وباحة أمامية وسور خارجي، القسم الشرقي عبارة عن قاعة كبيرة تتوسطها قنطرة جعل منتصفها على شكل أقنية متوازية، تقوم على قاعدتين ضخمتين تنفتح عليها أربع غرف اثنتان في الجهة الشرقية متطابقتا الشكل والمضمون لا تحويان أية قناطر، وأخرى طويلة في الجهة الشمالية تدعمها قنطرة شرق غرب بسقف مرصوف بقطع حجرية. يظهر أن تاريخ بناء القنطرة أحدث من تاريخ بناء الجدران وذلك من خلال الاختلاف الواضح في طريقة العمارة ، أما الغرفة الرابعة والتي تقع في الشمال فهي من أهم قاعات وأقسام القصر، كونها تحوي ثلاثة تماثيل نصفية يعتقد أنها لمالكي القصر، شابان في مقتبل العمر وفتاة ترتدي زياً عربياً أشبه ما يكون بأزياء "تدمر"، مكان هذه التماثيل في سقف القاعة وتحديداً على ثلاثة ميازين واحد من كل جهة.

القاعة الرئيسية

كل غرفة من هذه الغرف تنفتح على القاعة المركزية التي يلاحظ في جدارها الشمالي كوة جدارية متقنة، قوامها عمودان آيونيان محززان يعلوهما مدماك كبير يمثل شكلاً صدفياً محاط بتزيينات هندسية ونباتية يعلوه رمز الصليب الغائر وشكل لقرص الشمس ويظهر أن تشكيلاً هاماً كان موجوداً بأعلى الشكل الصدفي لكنه مفقود.

القسم الأوسط وهو للاستقبال وأول ما يصادف المرء عند دخوله ، اذ يوازي مدخل القاعة المركزية للقصر المدخل الخارجي للبناء عند السور فهناك القاعة المركزية وهي أكبر قاعات البناء تقويها من الجزء الداخلي الشمالي قنطرتان الأولى تبعد حوالي المترين عن الباب الرئيسي، قاعدتها قوية متينة لها تاج بتزيينات هندسية بسيطة ، أما القوس النصف دائري فيتقابل فيه من كلا الجهتين الغربية والشرقية ، تاجان نباتيان معقودان تتدلى منهما أوراق وثمار العنب.

الباحث عيشات

كما وأتحفنا الآثاري "محمد العيشات" بمعطيات إضافية عن زخارف الواجهة الرئيسية فقال:

تتميز الواجهة الرئيسية بفخامتها وهي مرتفعة حتى طابقين من الجهتين الغربية والشرقية، وطابق واحد من الوسط لكنه يماثل ما يوجد عن يمينه ويساره بالارتفاع، يوجد باب رئيسي ضمن إطار هندسي بارز هو باب الغرفة المركزية الخاصة بالاستقبال وعدة أبواب مع ملاحظة كوات جدارية بعضها منخفض، وقد خلت من أي تشكيل هندسي وبعضها الآخر مرتفع وقد زينتها الأعمدة والأشكال الصدفية والنباتية والهندسية، والمعروف أن مثل هذه الكوات كانت تستخدم لوضع التماثيل والمنحوتات المعبرة عن أفكار ومعتقدات معينة. وتراوحت النوافذ بين المربعة والمستطيلة والدائرية والنصف دائرية، أما الباحة الأمامية فكانت واسعة تصل لحدود الجامع القديم، إلا أن طريقاً إسفلتياً حديثاً قد مر من وسطها، وهناك دلائل لوجود رواق أمامي كان يتقدم القصر قوامه أعمدة تحمل سواكف تقابلها من الشمال ميازين بارزة من الواجهة الرئيسية، كانت تحمل الربدان جهة شمال جنوب أي بعكس اتجاه الرواق غرب شرق، كان يصعد له بأدراج جانبية وما يمكن الحديث عنه هنا أن نافذة كبيرة ذات شكل نصف دائري تقوم فوق الباب الرئيسي للقصر المؤدي لقاعة الاستقبال المركزية، وان هذه النافذة تقوم على مسار الميازين البارزة من الجدار.

وأنهى "العيشات" بالقول: من أبرز الأشياء التي يمكن لنا ذكرها هو شهادة العالم الأمريكي الكبير "باتلر" بهذا البناء عندما وصفه بأهم أبنية العالم الروماني القديم وأجملها.