«أطلق اسم الجزيرة على الهضبة المتدرجة جنوب جبال "طوروس"، والمحصورة بين نهري "دجلة" و"الفرات"، بينما كان يطلق اسم "بيت نهرينا" على المنطقة الواقعة بين نهر "الفرات" غرباً، و"الخابور" شرقاً، وحول حوض نهر "البليخ". منذ بداية القرن العاشر قبل الميلاد، بدأ المناخ يميل نحو الجفاف تدريجياً، صيف حار طويل، وربيع معتدل قصير، وشتاء ممطر بارد...
يتناقص المطر فيه كلما اتجهنا نحو الجنوب، مما خلق ظروفاً مناخية اضطرت الإنسان إلى الزراعة المرويّة. وهنا تقلص الأفق الجغرافي واتسع الأفق الإنساني. وظهرت ثلاث تشكيلات اقتصادية هامة، هي تشكيلة الصيد، والرعي، والسقي».
كانت الطرق في أرض "الجزيرة" تأتي من المدن المحاذية لنهر "دجلة" تعبر "البادية" عبر "نصيبين" و"رأس العين"، "جازان" حتى تصل إلى "حران"، ثم تتجه نحو الجنوب محاذية نهر "البليخ" لتصل بعدها إلى نهر "الفرات"، وكانت هناك مدن هامة منها مدينة "زلبا" التي تقع جنوب غرب موقع تل "الصبي الأبيض". كانت "زلبا" تتحكم بمياه "البليخ" في فصل الصيف، ما يضطر أهل "توتول" إلى إغراء البدو "العبيرو" إلى هدم السدود لتدفق المياه إليهم. مما دفع أهل "زلبا" تقديم شكوى إلى "زمري ليم" ملك "ماري" بحق أهل "توتول". بدأت زراعة الحبوب على قياس واسع في حقول "زلبا" التي تشرف عليها السلطة وتحت رقابتها تجري زراعة الحبوب، وكانت الأرض ومنتجاتها ملكاً للإله المحلي "داجان"، وفائض الإنتاج يخزن حسب الأصول في عنابر مركزية داخل البلدة المحصّنة بأسوار عالية. وصار الري وتمديدات السواقي أوسع من التنظيم العام في البلدة، وأثناء الممارسة لهذه الرقابة العليا من قبل المعبد والقصر كانت تلك المحاصيل تدوّن على رقم طينية تمثل فيها كميات المنتجات المستلمة والمصروفة، وكان الموظفون يوزعون الحبوب ويراقبون الناس، وكان من نتائج تلك الوفرة في المحاصيل اختراع المحراث وعربات القتال
هذا ما ذكره لموقع eRaqqa الباحث "محمد عبد الحميد الحمد" في معرض حديثه حول الحياة الاقتصادية في منطقة الجزيرة، ومناخها. وحول تحولات النمط الاقتصادي منذ مرحلة الاستيطان البشري الأول في الألف التاسع قبل الميلاد، يتحدث لموقعنا الباحث "محمد العزو" قائلاً: «كانت مرحلة الاستيطان، أشبه ما تكون بمرحلة الصيد والالتقاط، ثم حدث تطور كبير وقفزة نوعية في النشاط البشري، حيث استطاع الإنسان على "الفرات" القيام بتدجين الحيوان أولاً، ثم تلاها الزراعة عن طريق الاصطفاء، فنشأت القرية الأولى التي تقدر مساحتها بثلاثة هكتارات، ثم توسع شيئاً فشيئاً في نمط الحيوان، وتنوعت أشكال الزراعة والري، وأصبح لديه فائضاً من الإنتاج، وبدأ يميل إلى أول أشكال التبادل التجاري.
القفزة الثانية التي حققها إنسان الفرات، هو معرفته بأشكال حفظ الماء الناتج عن الأمطار والسيول، ومياه الأنهار عن طريق إقامة السكور والسدود، وقد لعبت الأنهار الكبرى وروافدها، ومنها نهر "الفرات"، ورافده "البليخ" من تمكنه من إقامة نشاط زراعي متطور، مازالت آثارها محفوظة إلى حينه، مثل قرية "صكيرو" على "البليخ"، وهي مشتقة من "سكيرو" الآرامية، إضافة لظهور مؤسسات زراعية مثل "الكاروم"، وتعني الغرفة الزراعية، وهي تعنى بشؤون الأرض والزراعة، وتنظيم الري.
وحول تشكيلة الصيد قديماً، يتحدث "الحمد" قائلاً: «أنقذت النار الإنسان وأيقظته وساعدته على خلق وضع اجتماعي، والصيد هو الذي أغنى المبادأة والثقة بالنفس. لقد تحمس الإنسان إلى جمع معلومات عن بيئته مع قنص الحيوانات، وكان البحث عن الاثنين يسيراً معاً، تعلم من العنكبوت نصب الشباك، وتعلم من أعشاش الطيور صنع السلال، ومن الأرنب حفر الأنفاق، وكان المجتمع الإنساني قد استند منذ البدء على قنص الحيوان وقطف النبات.
لقد اخترع إنسان العصر الحجري منذ خمسين ألف سنة القوس والسهام، وكان التناسق الاجتماعي، والحيلة البارعة وحدهما يعوضان عن فقدان الأسلحة. وكانت كل جماعة تعتبر نفسها عائلة واحدة، يعودون إلى أب واحد، مهما كبر عددهم، وكانت حياتهم بلا ملامح كل يوم مثل سابقه، وخلال عشرة آلاف عام لم تتغير حياة هذه القبائل، إذ أنهم كانوا يحملون أمتعتهم على ظهورهم، ثم صاروا يحملونها على ظهور الخيول والحمير والجمال».
ويتابع "الحمد" حديثه في السياق ذاته، قائلاً: «ظل الإنسان يعيش على الصيد والقنص آلاف السنين، حتى بعد أن استقر على ضفاف نهر "الفرات" و"البليخ"، ولدينا مثال ملموس على نهر الفرات في موقع "تل أبي هريرة". الذي مر بمرحلتين هامتين، الأولى باعتماد التل في طعامه على الصيد الجماعي للغزلان، والماعز البري ظل ذلك سائداً منذ الألف الثامن حتى بداية الألف السابع قبل الميلاد. كان الناس يعيشون حياة كفاف من اليد إلى الفم، معتمدين على جمع الثمار البرية، وقنص الحيوانات وصيد السمك، وكانوا يعيشون في بيوت صغيرة متراصة وممرات ضيقة. ثم اختفى التل فجأة في الألف السابع لأسباب نجهلها.
المرحلة الثانية، عادت الحياة للتل بعد خمسمئة عام /6500-6000/ق.م. في هذه المرحلة عاش أهل التل في اقتصاد مركب يغلب عليه الصيد الجماعي، في مصائد طبيعية. ولكن في الألف الخامس قبل الميلاد رحل الصيادون إلى "البادية"، يتابعون صيد الحيوانات، وجمع الحبوب البرية "الشعير البري"، وانتشروا في "البادية" السورية، وظلت بقاياهم تتجول طلباً للغزلان.
وحول تشكيلة الرعي، يقول "الحمد": «كان الغطاء النباتي كثيفاً في الألف الخامس قبل الميلاد في أرض "الجزيرة"، ووجود أعشاب وشجيرات حول الأودية والينابيع، ساعدت على قيام تشكيلة الرعي، وتنقل الإنسان خلف القطيع الذي حصل عليه بواسطة القنص، أو الصيد الجماعي. وأصبح التدجين عملية جمعية. وكان زعماء القبائل يمارسون السلطة والقهر على جيرانهم القرويين، كانت نجعة الإنسان البدوية قصيرة قبل أن يدجن الجمل، وبعد أن دجنه ازداد عدد القطعان وتنوع، وظل الإنسان يعتمد في طعامه المكون من الدهن والألبان، أمّا الّلحوم فكان لا يحصل عليها من قطيعه، بل مما يصيده، لأن القطيع كان للوجاهة، وليس هو ثروة خاضعة للزيادة والنمو عن طريق البيع والشراء، بل عن طريق نموه في سنين الخصب ونفقه في سني المحل.
ارتبطت البداوة بالجمل والتنقل، وعندما يستقر البدوي على ضفاف الأنهار والينابيع تنتهي البداوة. عندها يبدأ البدوي في حياة جديدة تعتمد على الزراعة، التي لعبت دوراً هاماً في حياة الشعوب القديمة، خصوصاً في أرض "الجزيرة"، كان الصراع بين البدوي والفلاح، لأن كل قبيلة تعتقد أنه تجمع بينها صلة الدم، والتنظيم العشائري يطابق الظروف الاجتماعية التي انبثق عنها، وكانت النزاعات الداخلية تسوى داخل القبيلة بصورة طبيعية، أما مع القبائل الأخرى، أو بواسطة الحرب».
ويتابع حديثه حول النظام القبلي الذي كان سائداً آنذاك، قائلاً: «في النظام القبلي لا مجال فيه للاستعباد، ولا فرق بين الأفراد في الحقوق والواجبات فكل أفراد القبيلة أحرار، وتقسيم العمل عفوي، الرجال يقومون بالرعي والصيد والغزو، والنساء يشتغلن في البيت في تهيئة الطعام وحياكة الثياب وشقائق بيت الشعر وتربية الأطفال. ولكن كل من الرجل والمرأة سيد في ميدانه، وكان فائض من المنتوجات من جلود وصوف وشعر ووبر وبعض صغار الحيوانات تحمل إلى المدن وتباع من أجل الحصول على بعض الأدوات والبضائع والحبوب وغيرها.
كانت الحروب تزود القبيلة بالعبيد وبالإماء، ما منح قوة عمل للإنسان القديم والقدرة على إنتاج كمية من المنتجات تزيد عما يحتاج إليه للعمل والبقاء، وصارت الاتحادات العشائرية قوة فعالة في المجتمع القديم وشكلت أنظمة ملكية بعد سيطرتها على المدن. وصارت الدولة قائمة على الاتحادات العشائرية التي استقرت وتحضرت، وأصبحت حراثة الأرض مختصة بالعائلات، وأصبحت الحراثة تمارس بصورة مشتركة، وفي هذه المرحلة تحول النظام العشائري إلى نقيضه، فمن تنظيم القبائل لأجل تصريف شؤونها، تحول التنظيم لأجل نهب الجيران واضطهادهم وإلى هيئات للسيطرة ضد شعبها بالذات، وصار العبيد يساقون إلى العمل في مجال الزراعة والحرفة، وظهر الإنتاج البضائعي ومعه التجارة، ليس داخل القبيلة أو المدينة بل مع البلدان البعيدة».
أما عن تشكيلة السقي، فيقول "الحمد": «منذ بداية الألف التاسع قبل الميلاد طرأ تغير على المناخ، قلت الأمطار، وبدأ الإنسان المتجوّل من أجل الحصول على طعامه، وبدأت جماعات حصاد الغذاء أمام خيارين، إما أن ترتد نحو منطقة أكثر دفئاً، أو أن تبدل طراز حياتها وتعيش على قطعان الحيوانات كالغزلان والماعز الجبلي والثور البري والخنازير البرية، التي لا تزال تغمر منطقة "الرقة"، بالإضافة إلى النباتات كالحنطة والشعير البري.
في منتصف الألف التاسع قبل الميلاد ظهر أول تجمع بشري في "تل المريبط" عند منعطف نهر "الفرات" واتجاهه نحو الشرق، على الضفة اليسرى، وهذه أول قفزة نوعية، عندما خلّف منازل مبنيّة من الطين بدلاً من بيوته القديمة المتكوّنة من جذوع الأشجار وأغصانها، وتابع الإنسان نشاطه المعاشي معتمداً على الصيد حتى الألف السابع قبل الميلاد عندما هجّن الإنسان حبوب القمح النشوي، وزرعها حول التل في حواكير قليلة، يرويها بجهده العضلي بواسطة الدلو وظهر "النكاش"، العصا المدببة، وفي الألف الخامس قبل الميلاد بدأت زراعة الحقول التي هي ملك القبيلة في البدء، ثم صارت تدار بواسطة المشاعات البيئية. بدأ تسخير الحيوانات في العمل، وصار هناك فائض من الطعام أكثر مما يستهلك، مما أحدث ثورة زراعية، أدت إلى زيادة عدد السكان، وبدأت تتشكل المدن على ضفاف نهري "الفرات" و"البليخ"، وهي أغنى بكثير مما في القرية، بحيث أصبح بمقدورها ضمان معيشة كل أنواع الحرفيين، وترك كل منهم يعمل متخصصاً في حرفته مدى حياته».
ويتابع "الحمد" وصف الحياة الزراعية، قائلاً: «ظلت المشتركات القروية وحدات مستقلة مكتفية ذاتياً، يكاد لا يوجد تبادل اقتصادي ذي وزن بينها، وبالتالي تبادل ثقافي على عكس المدن التي ظهرت بشكل ملفت للنظر منذ الألف السادس قبل الميلاد. كما هو الحال في موقع "الصبي الأبيض" أعلى نهر "البليخ" على بعد /80/كم شمال مدينة "الرقة" بدأت الحياة فيه /5500-5000/ق.م، وتكاثر السكان، وكانت البيوت تشغل مساحة أربعة هكتارات تتألف من بيوت كبيرة مخصصة للمعيشة، يتألف كل بيت من /16/ غرفة صغيرة، وكانت هذه المساكن محاطة بأشكال معمارية دائرية تستعمل لتخزين الحبوب، والمحاصيل الأخرى كالخضار والأشجار المثمرة والكتان، بالإضافة إلى تربية الماعز والأغنام والبقر.
يقع وادي "البليخ" بين خطي الأمطار /200-300/مم، وفي موقع الصبي الأبيض /250/مم حيث الظروف المناخية مناسبة للزراعة البعلية، وكانت الزراعة المرويّة تعتمد على وسائل الري الصناعيّة، وإعادة إخصاب التربة بواسطة الزراعة المتنوعة ومعرفة فائدة السماد الطبيعي، وقد وجدت مخازن للحبوب المعدة للتجارة البعيدة، فيها عنابر الشعير المتفحم.
وعلى الرغم من أن الحبوب الشتوية ذات الغلف الصلبة لا تكون سهلة الهضم نيئة، فقد تعلم سكان الموقع، أن يطحنوها على حجر مسطح، ليصنعوا منها عجينة تخبز في أفران فتصبح سهلة الهضم. ووجدت أوانٍ فخارية كبيرة كتيمة منيعة على الحشرات الطفيلية ولخزن الحبوب والزيت والخمر».
ويختتم "الحمد" حديثه حول طرق الري والزراعة، قائلاً: «كانت الطرق في أرض "الجزيرة" تأتي من المدن المحاذية لنهر "دجلة" تعبر "البادية" عبر "نصيبين" و"رأس العين"، "جازان" حتى تصل إلى "حران"، ثم تتجه نحو الجنوب محاذية نهر "البليخ" لتصل بعدها إلى نهر "الفرات"، وكانت هناك مدن هامة منها مدينة "زلبا" التي تقع جنوب غرب موقع تل "الصبي الأبيض".
كانت "زلبا" تتحكم بمياه "البليخ" في فصل الصيف، ما يضطر أهل "توتول" إلى إغراء البدو "العبيرو" إلى هدم السدود لتدفق المياه إليهم. مما دفع أهل "زلبا" تقديم شكوى إلى "زمري ليم" ملك "ماري" بحق أهل "توتول".
بدأت زراعة الحبوب على قياس واسع في حقول "زلبا" التي تشرف عليها السلطة وتحت رقابتها تجري زراعة الحبوب، وكانت الأرض ومنتجاتها ملكاً للإله المحلي "داجان"، وفائض الإنتاج يخزن حسب الأصول في عنابر مركزية داخل البلدة المحصّنة بأسوار عالية. وصار الري وتمديدات السواقي أوسع من التنظيم العام في البلدة، وأثناء الممارسة لهذه الرقابة العليا من قبل المعبد والقصر كانت تلك المحاصيل تدوّن على رقم طينية تمثل فيها كميات المنتجات المستلمة والمصروفة، وكان الموظفون يوزعون الحبوب ويراقبون الناس، وكان من نتائج تلك الوفرة في المحاصيل اختراع المحراث وعربات القتال».
