حققت في مجتمعها الضيق والمنعزل ما عجز عنه الرجال، واجهت الكثير من الموانع والعوائق التي تجاوزتها بالصبر، والمثابرة، والإصرار على النجاح فوصلت إلى ما تطمح إليه. تفوقت في المهام التي كلفت بها، ولم يكن بيتها بمنأى عن اهتمامها ورعايتها بل أنشأت جيلاً ناجحاً في ميادين الدراسة والحياة، تزوجت في سن مبكرة جداً، وحبها للعلم دفعها للإصرار على تحصيله فنالت مبتغاها وهي في منزلها وبين أطفالها، وتحت ظل زوجها.
الشيخة "جوهرة الغانم" التي التقاها موقع eHasakeh لتحدثنا عن قصتها مع النجاح بالقول: «أنا من مواليد 1958 قرية "تل علو" الواقعة في منطقة "المالكية" ومن عشيرة "الشرابين"، عشت طفولتي فيها إلى أن تزوجت في سن مبكرة جداً، وأنا في الصف الثامن، وبعد أن أنجبت خمسة أولاد حصلت على شهادة التاسع ومن ثم على الثانوية العامة الفرع الأدبي وتابعت دراستي الجامعية في كلية الآداب في "حلب" قسم اللغة العربية.
إنها من النساء الناجحات في ميادين العمل وممن يمتلكن روح المبادرة والاحترام وهي مثال وقدوة، وتؤدي دوراً هاما في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة إضافة إلى أنها من النساء السوريات اللواتي يمتلكن القوة والإرادة التي تستند إلى أسس معرفية، وعقلية لإيجاد الفرص المناسبة للعمل، والإنتاج، وهي من النساء اللواتي استطعن أن يقتحمن مجالات العمل الخاصة بالرجال، بل نجحت في ذلك أشد النجاح لأنها أدركت وبذكاء العمل بهدوء وبصمت وبحسن النوايا والمقاصد، وهي مثال للأم الناجحة في المنزل ومثال للتحدي والانتصار في ميادين السباق والفروسية
واجهت صعوبات جمة في البداية، لكن بوجود زوج متفهم وعائلة محبة للعلم استطعت أن أستمر في التحصيل العلمي، فكنت أول فتاة ريفية في المنطقة تحصل على الإعدادية في ظل الظروف الصعبة التي كانت تقيد المرأة الريفية آنذاك، وكنت أول فتاة من أسرتي وعشيرتي تدخل الجامعة بعد الثانوية، واستطعت أن أنشئ أسرة محبة للعلم ناجحة في مجالها العلمي والاجتماعي فابني الأكبر "نضال" طبيب بشري، وابنتي التي تليه مدرّسة تاريخ والثالثة مهندسة في دائرة "زراعة تل حميس" وابني الرابع مهندس في مديرية " الجبسة" والخامس طالب جامعي».
وتضيف: «منذ صغري عشقت الفروسية وأحببت تربية الخيول كثيراً ولدي الرغبة في تحقيق الكثير من الأمور في عالم الفروسية، لكن الحواجز والموانع الاجتماعية والأسرية والأولاد أبعدتني في البداية، وبعد أن كبر أولادي استطعت أن أتجه رويداً رويداً إلى هوايتي التي لازمتني منذ طفولتي، حيث كان والدي يملك مربطاً للخيول العربية الأصيلة، وانطلاقتي إلى عالم الفروسية كانت بذرتها الأولى في محافظة "اللاذقية" في مهرجان الفروسية الأول على الجواد "الخالدي، رسن شويمان" فحصلت على مراكز متقدمة ومنها "كأس الباسل" حيث كان السباق حينها للمسافات القصيرة، وبعدها اتجهت إلى تربية الخيول وتدريبها، وفي مزرعتي العديد من الأنواع والأرسان منها "شويمان، وكحيلان، وحميدان، وعبيات" ومن بين هذه الأنشطة المختلفة للفروسية شدني سباق التحمل ووجدت فيه القوة، والجلد، والصبر، والمتابعة واستطعت أن أثبت وجودي على مستوى القطر، وليس على مستوى المحافظة فقط.
بعدها توالت المشاركات والجوائز والتي تجاوزت العشر، وهي مشاركات داخلية، وكان لي شرف تمثيل القطر في المحافل الدولية والعربية بهذه الرياضة، فشاركت في "الأردن" لأكثر من مرة وكذلك في "مصر" و"العراق" وزرت العديد من الدول والأندية خارج القطر والتي لها باع في هذه الرياضة مثل "الإمارات العربية المتحدة" وذلك للاطلاع على آلية تربية الخيول ومراكز تدريبها ومشافيها، ومراكز احتياجاتها، وبعد نجاحي انتخبت لعضوية اللجنة الفنية لرياضة الفروسية في "الحسكة" لثلاث دورات، ومؤخراً اتجهت إلى التدريب والإشراف والتربية بإلإضافة إلى المشاركات وأصبحت مستشارة في هذه الرياضة».
وتابعت "أم نضال" قولها لنا عن مشاركتها السياسية في محافظة "الحسكة" وخاصة تجربتها في مجلس الشعب: «حبي وتعلقي برياضة الفروسية لم تمنعني من القيام بواجباتي الأسرية، بل ساهمت الأسرة في دفعي إلى النجاح في الكثير من الميادين وكانت البداية كما قلت التحصيل الدراسي، والفروسية، والثالثة في مجال السياسة أيضا، من منطلق أحقيتي في ممارسة دوري في المجتمع وأن آخذ فرصتي كامرأة في وسط قلّ أن تنطلق فيه المرأة وتحصل على ما تصبو إليه أو تطمح.
لم تقف أمامي الموانع التي وضعت بل كانت سبباً وحافزاً في استمرار محاولاتي اللاحقة، وإيماناً من دور المرأة بأنها ركن من أركان العمل السياسي وهي قادرة على العطاء مثلها مثل الرجل في هذه الميادين، والرجل ليس بأفضل منها في حبه للوطن والحرص عليه أو تمثيله في المحافل الدولية.
من هذا المبدأ جاءت مشاركاتي في ترشيح نفسي لعضوية مجلس الشعب حيث كانت التجربة الأولى في عام 1990، وكنت المرشحة الوحيدة المستقلة لعضوية مجلس الشعب في المحافظة والقطر لثلاث دورات متتالية، والاحتياط الأول فيها، وفي الدورتين الباقيتين كنت ضمن الاحتياط، وحظيت بثقة الناس في المحافظة، وكنت أتلقى التشجيع من جميع الطوائف والملل من كافة أرجاء الجزيرة، وكدت أتقدم المستقلين في المحافظة لعضوية مجلس الشعب.
رغم العادات والتقاليد دخلت المعترك السياسي وأنا سعيدة بهذه المشاركة، رغم أنني لم أحصل على حقي وإنما انكشفت لي وانجلت العديد من الأمور التي كانت غائبة عني، وأثبت للناس أن من حق المرأة الريفية المشاركة، وأثبت الناس حبهم لي وتعاونهم وتعاطفهم معي وأحسست بأن المرأة لها شأن كبير في وسطنا الاجتماعي إلا أنني أستطيع القول أنها وفي الريف لم تأخذ حقها بعد.
وعلى صعيد المشاركات المحلية لم أكن بعيدة عن النشاطات المحلية بشكل عام وعن الاتحاد النسائي بشكل خاص، وذلك من خلال المشاركة بكل الفعاليات التي تقيمها الرابطة في "القامشلي" بالإضافة إلى المساهمة على مستوى المحافظة في كافة الأنشطة التي تتم دعوتي إليها».
الإعلامي "وجيه دحبور" ابن المحافظة حدثنا عن الشيخة "جوهرة" بقوله: «إنها من النساء الناجحات في ميادين العمل وممن يمتلكن روح المبادرة والاحترام وهي مثال وقدوة، وتؤدي دوراً هاما في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة إضافة إلى أنها من النساء السوريات اللواتي يمتلكن القوة والإرادة التي تستند إلى أسس معرفية، وعقلية لإيجاد الفرص المناسبة للعمل، والإنتاج، وهي من النساء اللواتي استطعن أن يقتحمن مجالات العمل الخاصة بالرجال، بل نجحت في ذلك أشد النجاح لأنها أدركت وبذكاء العمل بهدوء وبصمت وبحسن النوايا والمقاصد، وهي مثال للأم الناجحة في المنزل ومثال للتحدي والانتصار في ميادين السباق والفروسية».
السيد "فرحان الخوالده" رئيس رابطة الخيول في قرية "تل عرب" قال عن براعة الشيخة "جوهرة" في مجال الفروسية: «من خلال عملي في هذا المجال منذ عدة سنوات ومن خلال رفقتي للشيخة "جوهرة" في كافة مشاركاتها في هذه الرياضة وجدتها من الشخصيات المتابعة والمثابرة لعملها، وصنعت شيئاً جديداً في المنطقة من خلال الانخراط في العمل السياسي ورياضة الفروسية، ومن المعروف أن المرأة في ريفنا من النادر أن تنخرط في هذا النوع من الرياضة والعمل السياسي ومع ذلك ومن خلال معرفتي الشخصية بها شقت طريقاً فيه من الكثير من الصعوبات وفي مجال الفروسية لديها خبرة جيدة لدرجة أنها أصبحت مستشاره.
ولها مواقف أثبتت من خلالها جرأتها حيث أنصفت بعض المشاركين من الظلم الذي ألم بهم في السباقات، وواجهت اللجان بقوة وعنف وأعادت الأمور إلى نصابها».
