"الإسكافية" أو "الكندرجية" أو "الخرازة" كما هو متعارف عليها في قاموس لغتنا اليومية مهنة بسيطة غارقة في القدم ترجع في تاريخها إلى زمن انتعال الإنسان للحذاء أو النعل، مازالت حية تنبض بالحياة، رغم كل التحديات التي تواجهها، والتي يأتي في مقدمتها إغراق السوق بالأحذية الرخيصة المحلية أو الصينية المستوردة.
«نظراً لظرف صحي ألم بي جعلني غير قادر على العمل بمجال آخر يتناسب مع تعليمي احترفت مهنة تصليح الأحذية "الإسكافي" أو "الكندرجي" وأنا في سن الخامسة عشرة أي منذ ما يزيد على ربع قرن، على ايدي معلمي الصنعة، تنقلت خلالها بين عدة محلات، إلى أن استطعت تأمين محل خاص بي».
ثمة ما يدفعني دفعاً باتجاه الكندرجي، لدرز الحذاء أو تركيب نصف نعل أو كعبية، وهذا بالتأكيد أوفر لي من حذاء جديد لا أستطيع شراءه
هكذا بدأ "محمود أبو شنب" حديثه مع eSyria بتاريخ 6/2/2010 وأضاف "أبو شنب" وهو يملك محلاً لتصليح الأحذية بمنطقة التقدم بدمشق قائلاً: «كما ترى أعمل في هذا المحل الذي لا تزيد مساحته على ستة أمتار مربعة من التاسعة صباحاً حتى الثامنة والنصف مساءً، دون توقف تقريباً محاولاً إرضاء الزبائن من خلال إعادة تأهيل الأحذية التي أكل الدهر عليها وشرب وإعادة رونقها وحيويتها إليها».
وعن الأحوال والشغل يقول محدثنا "أبو شنب": «على الرغم من تردي وضع هذه الحرفة، فأنا لا أستطيع التخلي أو الاستغناء عنها لأنني ببساطة غير قادر على العمل بمهنة أخرى كما قلت، وهي ببساطة وخاصة هذه الأيام تستر الإنسان وتؤمن له عيشاً كريماً».
وعن سبب تردي هذه المهنة قال المعلم "محمود أبو شنب": «قبل سنوات ليست طويلة كما تعرف كانت لا تخلو حارة في أي منطقة بــ "دمشق" من "إسكافي" أو "كندرجي" أما اليوم فعدد محترفي هذه المهنة في تراجع مستمر، فمن يترك المهنة لسبب أو لآخر لأحد يحل مكانه، وبرأيي يرجع ذلك إلى عدة عوامل منها أن الناس فيما مضى كانوا يستخسرون- ان صح التعبير- رمي الحذاء الذي أصابه خلل ما، فيلجؤون لنا مرة وثانية لاصلاحه، أما اليوم فيرمونه بلا ندم، فالأحذية الرخيصة ولاسيما المستوردة من الصين أغرقت السوق، وهي إلى حد كبير تلبي احتياجات تلك الشريحة من المواطنين التي غالبا ما كانت تلجأ إلينا لإصلاح الأحذية، وهذا يعني ببساطة أن الأحذية الصينية أصبحت تهدد حرفيي هذه الصنعة، وهو ما جعلنا نعمل على إصلاح الحقائب المدرسية وبأسعار تتراوح بين عشر ليرات وخمس وعشرين ليرة للحقيبة الواحدة حسب وضعها والوقت الذي تستهلكه للإصلاح».
أما السبب الثاني فيعود كما يقول المعلم "أبو شنب": «إلى عدم رغبة الجيل الطالع لتعلم هذه المهنة لأسباب اجتماعية من جهة، واقتصادية من جهة ثانية تتعلق بضعف المردود، خاصة أن شاب اليوم يريد تحقيق قفزة في وضعه المادي بأسرع وقت ممكن».
السيد "أيمن السليمان" قال: «أزور "الإسكافي" عادة لتصليح الحقائب المدرسية والأحذية لأبنائي، لأنني ببساطة غير قادر على شراء البديل كلما تمزقت هذه الحقيبة أو تلك، فبدلاً من دفع مبلغ يتجاوز الألف ليرة لشراء حقيبة وحذاء مثلاً أدفع خمسين ليرة لإصلاحها وأمشي الحال».
أما السيدة "سهيلة العبد" فتقول: «زيارتي للكندرجي تقتصر على إصلاح كعب الكندرة الذي غالباً ما يصيبه التلف مهما كان نوعها جيداً، أما بالنسبة لأطفالي فأفضل شراء أحذية وطنية أو صينية رخيصة بدلاً من إصلاحها».
السيد "خالد العلي" قال: «ثمة ما يدفعني دفعاً باتجاه الكندرجي، لدرز الحذاء أو تركيب نصف نعل أو كعبية، وهذا بالتأكيد أوفر لي من حذاء جديد لا أستطيع شراءه».
المعلم "أبو شنب" يضيف قائلاً: «لكن هذا لا يمنع أبداً من الأغنياء والميسورين من زيارة محلاتنا المتواضعة لإصلاح الأحذية التي سبق أن اشتروها بأسعار مرتفعة، بهدف إعادتها إلى ما كانت عليه من قبل».
ويؤكد "أبو شنب" أن القسم الأكبر من الزبائن هم من النساء اللواتي يقمن عادة بتصليح كعب الكندرة وتحديداً منها النوع الرفيع الذي يتعرض دائماً للكسر مهما كان نوعها، إضافة إلى تلاميذ مدارس الحلقة الأساسية.
لكن هل يخاف "محمود ابو شنب" على مهنته من الاندثار؟
يجيب بكل ثقة: «بالتأكيد لا .. المهنة لن تتوقف "طول ما في حدا بيمشي على الأرض"، فهل هناك من يستطيع المشي عاري القدمين؟ ولن تتوقف حتى يأتي الوقت الذي لا يستطيع فيه أي شخص انتعال الحذاء ولن يأتي إن شاء الله، وكما يقولون في الأمثال مهنة الإسكافي صنفان من الناس لا يستغنيان عنها الفقير الذي لا يملك الكثير من المال والغني البخيل الذي يأبى صرف الأموال، إلا أن الخوف كل الخوف يأتي من عزوف أبنائنا عن وراثتها».
لكن ماذا عن تاريخ هذه المهنة يقول المعلم "أبو شنب": «أعتقد كما قال أصحاب هذه الصنعة أن مهنة "الإسكافي" تعود إلى عهد الإنسان الأول الذي صنع النعل لحماية جسده من نتوءات الصخور ورطوبة المياه، وكان الإسكافي الذي يصنع ويصلح ما قد يلم بالحذاء من عوارض، كما اخترع أنواعاً من الأحذية منها المدنية والعسكرية، الذكورية والأنثوية، الصغيرة والكبيرة، الرخيصة والغالية».
بقي أن نشير إلى أن عدة الاسكافي بسيطة تتألف من الخيط والابرة بالإضافة إلى بعض ماكينات الخياطة وعدد من أنواع المسامير الصغيرة فضلاً عن "الشاكوش" و"السندان" و"المقص" و"الشفرة" وعدد من أنواع التلزيق الخاصة بها.
