صداقة الناس في بلدنا مع أشجار الزيتون صداقة حميمة تعود إلى أقدم العصور، فهم سقوها دائماً من عرق جبينهم فقدمت لهم مواسمها الخيّرة من زيت وزيتون ليستعملوها في إعداد أشهى أنواع المأكولات والأطعمة.
ومع الزمن تعلموا طرقاً متنوعة لإعداد مختلف أنواع المؤونة التي يدخل الزيتون في إعدادها لتتناولها العائلات على مدار العام، ومن هذه الاعدادات الشهيرة "العتون" الذي قلما تدخل مطبخاً في بلدنا ولا يكون حاضراً مميزاً على رفوفه.
خلال الفترة التي تفصل بين موسم "العتون" وبيعها في المحل والتي قد تمتد إلى ثلاثة أشهر يجب حفظه بشكل جيد حتى لا يفسد وذلك من خلال وضعه في الماء والملح، أو حفظ بعض الأنواع في الزيت . وأخيراً هناك نوع من "العتون الكردي" وهو ناشف وقاسي ولا يحتاج إلى ما سبق للحفظ إنما يتم عرضه بحالته الأساسية كما جُني أثناء الموسم
حول طرق إعداد العتون وأنواعه في ريف منطقة "عفرين" قالت المزارعة "ألماس مراد" /"أم محمد"/ لمراسل eSyria: «العرف الاجتماعي السائد في منطقة "عفرين" هو أنّ ربة المنزل الماهرة هي التي تزيّن رفوف مطبخها بأكثر عدد ممكن من "المرطبانات" التي تحوي المؤونة السنوية بحيث إذا جاء ضيف للدار بعد منتصف الليل مثلاً تستطيع أن تعد الطعام دون حاجتها إلى الدكاكين ومحلات الأغذية.
في كل موسم زراعي في الريف تقوم النسوة بإعداد وحفظ المؤونة لبيوتهن مثل الفليفلة والعنب والباذنجان والتين وغيرها، ولكن أكثر أنواع المؤونة الشائعة في المنطقة هي حفظ الزيتون بمختلف أنواعه وأشكاله وذلك بتكليسه أو تكسيره أو حفظه كسَلطات، وأخيراً استعماله في إعداد أكلة "العتون" المنتشرة».
وسألها مراسلنا عن كيفية إعداده فأجابت بالقول: «قبل ذلك يجب القول بأنّ حبات الزيتون خلال عملية اكتمالها ونضجها تمر بمرحلتين رئيسيتين هي: المرحلة الأولى حيث تكون الحبات خضراء اللون وحينها تستعملها الريفيات في إعداد الزيتون المكسّر أو المكلّس وحفظه، وفي المرحلة الثانية تتابع الحبات نضوجها حتى يتحول لونها من الأخضر إلى الأسود وفي هذه المرحلة يتم استعمالها في صنع وحفظ مادة "العتون" اللذيذة».
وأضافت: «الحبات السوداء نفسها على نوعين الأول عندما يتحول لونها من الأخضر للأسود وهي ما زالت على الشجرة، والثاني عندما تتساقط تحت الشجرة بعد فترة بفعل الريح أو المطر أو من تلقاء نفسها لاكتمال نضوجها.
ولكل نوع طريقة في إعداده تختلف عن الأخرى، ولنبدأ أولاً بطريقة إعداد النوع الأول حيث يتم قطف الحبات من الشجرة والتي تتميّز بطعمها الشديد المرارة ولا يمكن تناولها أو استعمالها في إعداد "العتون" إلا بعد تحريرها من تلك المرارة وذلك بتحليتها من خلال تجريح الحبات بواسطة السكين ووضعها في آنية مع سكب الماء فوقها حتى تغرق الحبات ليتم تغيير الماء في اليوم مرتين أو ثلاثة مرات بهذا الشكل لمدة لا تقل عن خمسة أيام حينها يكون طعم الحبات قد تحول إلى الحلو ومن ثم ترش بالملح وملح الليمون وتوضع تحت الشمس ليوم أو ثلاثة أيام حتى تجف وتصبح مهيأة للاستعمال، ويتم ذلك بوضع الحبات في طنجرة لتضاف إليها البهارات المختلفة مثل الكمون والفليفلة المطحونة والنعناع المطحون ودبس الفليفلة الحمراء وحبة أو حبتي ليمون مع قشورها، ولكن أهم مادة تُستعمل في إعداد "العتون" هي الزعتر البري الأخضر الذي يُحفظ منذ فصل الربيع لهذه الغاية، وأخيراً تُمزج كل تلك المواد مع حبات الزيتون وتوضع في "مرطبانات" زجاجية لحفظها بعد وضع قليل من الزيت فوقها لتمنع فساد الزيتون».
وختمت حديثها بالقول: «أما النوع الثاني من الحب فهو لا يحتاج إلى تحلية لأن طعمه حلو أساساً إنما يتم جلبه إلى الدار وغليه بالماء المالح مع وضع قليل من ملح الليمون فيه ثم تصفيته جيداً، ووضعه تحت الشمس كي يجف تماماً ويتخلص من الرطوبة، ثم وضعه في طنجرة لإضافة البهارات التي ذكرتها قبل قليل إليها وحفظه في "مرطبانات" زجاجية مع إضافة الزيت الذي يجب أن يغمر كل الحبوب، فالزيت مهم جداً في عملية الحفظ حيث يمنع العتون من الفساد والتعفن لفترة طويلة من الزمن».
ولمعرفة المزيد حول "العتون" تسويقياً التقى مراسل موقعنا في منطقة "باب جنين- مدينة حلب" بصاحب إحدى محلات تجارة الزيتون وهو "زكريا بستاني" وسأله عن أهم أنواع "العتون" الدارجة والتي يتاجر بها فأجاب: «هناك تقريباً ثلاثة أنواع منه وهي: "العتون السلقيني" نسبة إلى مدينة "سلقين" في محافظة "ادلب"، و"العتون البلدي" ويأتينا من جوار مدينة "حلب"، وأخيراً "العتون الكردي" ويأتينا من منطقة "عفرين". وبشكل عام الإقبال جيد من قبل الناس هنا على شراء "العتون" وللناس أذواق في شرائه وحفظه منزلياً فكل قسم منهم يميل إلى شراء نوع محدد من الأنواع المذكورة».
وأضاف: «خلال الفترة التي تفصل بين موسم "العتون" وبيعها في المحل والتي قد تمتد إلى ثلاثة أشهر يجب حفظه بشكل جيد حتى لا يفسد وذلك من خلال وضعه في الماء والملح، أو حفظ بعض الأنواع في الزيت . وأخيراً هناك نوع من "العتون الكردي" وهو ناشف وقاسي ولا يحتاج إلى ما سبق للحفظ إنما يتم عرضه بحالته الأساسية كما جُني أثناء الموسم».
وأخيراً وحول الأسعار قال الحاج "زكريا": «أسعار "العتون" متغيرة وغير ثابتة وتتحكم بها عدة عوامل هي أولاً: سعر "العتون" أثناء الموسم أي قبل حوالي الشهر أرخص من الوقت الحالي، ثانياً عامل العرض والطلب فإذا كان العرض أكبر من الطلب كان سعره أقل والعكس صحيح، وحالياً "العتون الكردي" سعره 150 ليرة "سورية" للكيلو بينما "العتون السلقيني" 100 ليرة سورية للكيلو أو أقل بقليل».
