يعيد الفنان التشكيلي السوري "إدوار شهدا" عبر شفافية اللون وطيفية تكويناته التشكيلية صياغة المقامة التراثية أو الحكاية معتمداً على الربط بين منمنمات الواسطي والأيقونة السورية في الكشف والتعبير عن الشخوص التي يرى فيها تجسيداً لرؤيته وهواجسه وذلك بأسلوب تشكيلي جديد ومعاصر.

وللتعمق في هذا البحث من الفن الجميل موقع eSyria التقى الفنان التشكيلي "إدوار شهدا" عبر الحوار التالي:

الاتجاه التشكيلي الصرف في معالجة الموضوع الأدبي التراثي لدى الفنان "إدوار شهدا" يظهر من خلال انفعالات اللون الحديث والوهج الضوئي، واختصار العناصر والأشكال الإنسانية والحيوانية والنباتية، والاهتمام بهاجس كسر النسب والمقاييس الصحيحة للون والعنصر أكثر من الاهتمام بإبراز دقة الأشياء وأناقتها الواقعية والصالونية

  • حبذا في البداية لو تروي لنا وجيزاً حول بداياتك مع التشكيل والمراحل التي بلغتها؟
  • ورقة من مقامة محمود درويش

    ** ولهت بطبيعة "حماة" منذ صغري، فأنا من مدينة على نهر "العاصي" تحمل في أجوائها سمات السحر، و"العاصي" كنت أزوره وأتغنى بتشكيله الطبيعي فأحاول تجسيد ما أراه وأختزنه في لوحات بسيطة... عندها قررت أن أصبح رساماً فانتسبت إلى مركز الفنون التشكيلية في "حماة" وبعد سنوات قليلة انتسبت إلى كلية الفنون الجميلة في "دمشق" وخلال الدراسة تأثرت بفن الراحل "فاتح المدرس" والفنان "إلياس زيات" الذي ترك بصمة جميلة الأثر بعلم اللون وفلسفة اللوحة بمعزل عن كونه معلماً أكاديمياً.

    لقد علمني كيف أتذوق اللون وأتحسس شفافيته، من هنا وبعد التخرج ابتعدت في عملي عن المنطق الأكاديمي إلى محور البحث في اللون والموضوع، فاستمر بحثي حتى خمسة أعوام سافرت بعدها إلى روسيا وهناك عملت لمدة ثلاثة أعوام في مدينة "استافروكل" بمرسم لأحد الفنانين المشهورين، واطلعت خلال إقامتي على تجارب متنوعة لفنانين من هناك، فبدأت نظرتي للفن تتغير وخبرتي بتشكيل اللوحة تزداد، وصرت أعمل على اللون بأسلوب تعبيري حديث انطلقت به من عوالم الفنون الشرقية، مثل: الفن العربي و"منمنمات الواسطي"، و"الأيقونة السورية"... كما عملت على الربط بين المنمنمة الواسطية، والأيقونة السورية.

    ورقة من مقامة غيلان الدمشقي القبطي

  • هل لك أن توضح حقيقة هذا الربط؟
  • ** فيما مضى حدث تمازج بين جوانب الفن الإسلامي فتشكلت المقامات أو الحكايات ومنها "مقامة الحريري" التي رسمها "الواسطي"، وإذا لاحظنا الأسلوب المتبع في رسومات المقامات والأيقونة، نجد تشابهاً من حيث المنظور الشرقي الذي هو معاكس للمنظور الغربي الذي يعتبر اللوحة سطحاً وليس عمقاً، ونجد استخداماً للألوان البسيطة مع زخارف شرقية، تأثرت بهذه المدرسة وعملت على إعادة صياغتها بأسلوب حديث معاصر، وبالتالي اختزلت المدارس الشرقية بأسلوب تشكيلي متطور مع إضافات لونية تعود إلى نظرتي وتأملي لبواطن الأشياء.

    العشاء الاخير

  • ماذا عن معايشتك للتاريخ واستلهامه كموضوع للتشكيل؟
  • ** التاريخ في كل تجلياته يسير وفق خطوط دائرية لا مستقيمة لذلك نحن موجودون على خطوطه الدائرية، وتأثرنا به ليس تأثراً بالماضي وإنما استمراراً لوجودنا على هذه الخطوط، فإن قلنا مثلاً:إننا متأثرون بالفن "الأشوري"، و"التدمري"، فالموضوع ليس عملية استيراد لهذا الفن، وإنما معايشة للتاريخ بشكل مختلف ومعاصر، والمؤسف أن هناك فنانون كثر تأثروا بالتاريخ فنقلوا معالمه خلال أعمالهم بشكل مشوه، متناسين أن معايشة التاريخ بعمق تجلياته هي التي تبدع عن طريق التأمل والفكرة إلى إعادة صياغته بفن جديد، هذا المبدأ عملت عليه في تأملي للمنطلق الروحي للأيقونات وتأثري بالموروث التاريخي الذي أعدت صياغته بفكر وأسلوب جديد وصلت إليه عبر بحثي.

  • هل لك أن توضح المنطق الروحي للأيقونة وأبعاد اللون فيها؟
  • ** تتطلب الأيقونة شروطاً لرسمها كونها تمثل نبض القداسة والصلاة في الكنيسة، فاللون الذهبي يعبر عن القداسة والسمو الروحي، واللون الأزرق يدل على النقي والطهر، والذهبي يلغي المنظور أي أنه يجعل الأشكال موجودة على خلفية مسطحة، وهذا المنطلق تشكلت منه الأيقونات... وفني ليس ملتزماً بتلك الشروط لأنني لا أعمل فناً دينياً، أو كنسياً أنا فقط أتعمق في المنطلق الروحي لها، كما أن الأيقونة جزء من الموروث التاريخي، تروي في مقاطع صورها أحداثاً من القصص المقدسة، مثال ذلك: أسقف وجداريات "الكنائس البيزنطية" التي نرى في مقاطع صورها روياً لأحداث من تلك القصص.

  • اللون في أعمالك يزيد من تأثيره الحسي خاصيته الشفيفة، هلاّ أوضحت هذه الخاصية؟
  • ** اللون من أساسيات اللوحة شفافاً كان أو كثيفاً، وفي مرحلتي الأخيرة استخدمت الألوان العادية الخام التي تتطلب دقة في العمل وحسّاً تقنياً وتذوقياً عالياً من حيث تحديد كميتها ومزجها بخبرة حتى تمنح العنصر الجمالي على شفافيتها بعده الحسي، وأنا أعمل على إحداث توازن بين اللون الحار والبارد، منطلق يختلف عما إذا كنت أعمل بلون حيادي، أو أنصاف ألوان، أو "المونكروم" وتدرجاته فتخلق مشكلات أثناء المزج، والمطلوب إيجاد حلول لها حتى أصل إلى عمل تشكيلي مرض يحقق رؤيتي ويكون مشرباً باللون الشفيف المتناغم والمنسجم.

  • شجرة الميلاد تقليد له بهجته في العيد، كيف تجد انعكاس هذا الموضوع عليك كفنان؟
  • ** شجرة الميلاد تقليد غربي الأصل، جذبنا إليه لخاصيته الجميلة في العيد واكتماله به، وصار ضمن تقاليدنا كموروث شعبي، هذا شيء جيد ولكن ليس بالضرورة أن ينعكس على الفن كملهم، وبالنسبة إلي الموضع لم يطرق باب بحثي أو اهتمامي.

  • ما مدى أهمية "الفن" في رأيك في بناء دعائم الحضارة؟
  • ** حضارة أي دولة تقاس من خلال ثقافتها لا من خلال ما تملك من رأس مال، والفن جزء هام في بناء دعائم الحضارة، وهنا أستذكر قولاً للراحل "فاتح المدرس": "إذا أردنا أن ننتصر على إسرائيل فعلموا أولادكم الفن" والمقولة برأيي لا تندرج تحت اللامعقول أو الخيال، فعندما نطرح مستوى عالياً من الفن والثقافة والأدب ينتج عنه مجتمعاً معرفياً راقياً يملك طرائق تفكير نوعية، وأي مجتمع إن تغيرت طرائق تفكيره إلى الشكل الإيجابي الأمثل حتماً ستتغير معها البنية الثقافية والفنية والأدبية بدءاً بالتعامل إلى النضوج فالإدراك وبلوغ الرقي.

  • تشهد الحركة التشكيلية السورية اليوم نهضة فنية مميزة، ماذا عن رؤيتك لهذه المسألة؟
  • ** لا يعتبر التقدم الراهن في الحركة التشكيلية السورية نهضة بل هو تطور مرحلي تجلى بوجود كم أكبر من الفنانين، وتسليط الضوء بشكل أوسع على الأعمال الفنية المنجزة، مع وجود فكر تجاري للوحة أكثر مما هو ثقافي، منطلق جديد للفن يحمل في أبعاده انعكاسات غير جيدة تؤدي إلى وجود عوالق على الفن الأصيل ليتحول إلى فن خاص بالتجارة، والاستثمار بمنحى غير ثقافي، ولكن مهما امتدت هذه الحالة ستأتي مرحلة ما تغربل فيها التغييرات الجارية، ستسقط العوالق ولن يبقى إلا الفن الجيد.

  • ما تعقيبك على قضية تزوير الأعمال الفنية التي سادت مؤخراً في "دمشق"؟
  • ** تزوير الأعمال الفنية عمل له أبعاد غير جيدة، والأعمال التي يتم تزويرها هي التي لها سوق تجاري فقط، أما معالجة المسألة فتبدأ من إيجاد جهة مسؤولة تمنع تقدم هذا الموضوع مع إحالة المزورين إلى القضاء، فأهمية اللوحة الفنية الأصيلة تعادل أهمية القطعة الأثرية النادرة.

  • أخيراً ما الشيء الذي تقترحه في الحركة التشكيلية السورية من شأنه التصعيد بها إلى الأفضل؟
  • ** لتصعيد الحركة التشكيلية في سورية لابدّ من وجود متحف متخصص للفن التشكيلي في سورية، كما في أوروبا والصين وروسيا وإيطاليا الغنية بأعمال فينة خالدة تمثل ثقافة الحضارة ونبوغها الجمالي، وعندنا الأمر مختلف فجزء عظيم من الأعمال الفنية السورية الأصيلة لفنانين راحلين أصبحوا أعلاماً في الفن، مثل: "فاتح المدرس و"محمود حماد" و"نصير شورى" و"لؤي كيالي" باتت في المتاحف الخارجية عوض أن تكون في متحف خاص يمثلها هنا ويعتمد النوع وليس الكم.

    الناقد التشكيلي السوري "أديب مخزوم" قال حول أعمال الفنان "إدوار شهدا": «الاتجاه التشكيلي الصرف في معالجة الموضوع الأدبي التراثي لدى الفنان "إدوار شهدا" يظهر من خلال انفعالات اللون الحديث والوهج الضوئي، واختصار العناصر والأشكال الإنسانية والحيوانية والنباتية، والاهتمام بهاجس كسر النسب والمقاييس الصحيحة للون والعنصر أكثر من الاهتمام بإبراز دقة الأشياء وأناقتها الواقعية والصالونية».

    وأضاف: «إن الفنان "إدوار شهدا" عبر مقاماته الشرقية، شكّل دعوة للارتباط بتداعيات التراث والأسطورة المتمثلة في القصص الحية التي يزخر بها تاريخنا الحضاري، فموضوعاته تعيدنا إلى "ليالي شهرزاد" بلغة تشكيلية لا أدبية في زمن فقد فيه العديد من فنانينا أحاسيس الارتباط بالقيم التشكيلية الأصيلة، وانجرفوا نحو مسايرة تيارات تقريرية وسطحية تحت ستار تقريب الفن من الناس العاديين، متجاهلين إن اللوحة الفنية الحديثة تحتاج على الأقل إلى حد أدنى من الثقافة الفنية والحساسية البصرية بعكس اللوحات التقريرية ذات النزعة الروائية الأدبية الخاضعة لمنطق القرون الوسطى».

    من الجدير بالذكرأن الفنان "إدوار شهدا" من مواليد "دمشق" عام 1952،

  • درس الفن في مركز "سهيل الأحدب" في "حماه".

  • ثم في كلية الفنون الجميلة ـ جامعة "دمشق".

  • ثم أتبع تخرجه في العام 1976 بدراسته في مرسم "أناتولي كلانكوف" في روسيا.

  • *أقام خلال تاريخه الفني مجموعة من المعارض الشخصية وله مشاركات مختلفة في معارض مشتركة، وهو المشارك في معارض الدولة الداخلية والخارجية منذ العام 1975.

  • شارك بتصميم وتنفيذ ديكور أوبرا "دييدو إينياس" مع رسم اللوحات الجدارية الخلفية.

  • رسم لوحتين جداريتين لمعهد "العلوم السياسية ـ دمشق" عام 1987.

  • قام بتنفيذ ديكور وإكساءات "دار الأوبرا ـ دمشق" دار "الأسد للثقافة والفنون".

  • تم اقتناء عملين له باختيار اللجنة المنظة عام 2005 ـ 2008.في بينالي "بيكين" الدولي.