عادة ما يذهب سكان المدن الصغيرة إلى الكبيرة بغية التسوق من محلاتها التجارية الضخمة والتي ليست في متناول يديهم كل الوقت، هذه قد تكون قاعدة، لكن هناك من أخلّ بها، هو رجلٌ كل ما يقول عن نفسه فقط أنه "نحات"، فالناس يأتون إليه من جميع المحافظات والمدن السورية الكبيرة إلى مدينته الصغيرة "سلمية"، وتحديداً إلى دكانته الصغيرة جداً، لكي يشتروا ما يصنع من تحف وتماثيل.

موقع eSyria كان في زيارة قصيرة لدكانة السيد "فايز الدبيات" احتسينا خلالها فنجان قهوة بين "الرفوف" التي تغطيها قطع ومنحوتات "الجبصين"، وفي الجلسة حدثنا عن بداية عمله في هذا المجال قائلاً: «عندما كنت في سن الشباب- أي منذ حوالي الثلاثين عاماً- عملت في مهنة "صب المعادن" وأقد أحببتها، وذلك كان مترافقاً مع هوايتي القديمة في مجالي الرسم والنحت، والنتيجة أن هذان العاملان جعلاني أفكر في مهنة صناعة تماثيل الجبصين لكونها تجمع بينهما، فهي تحتاج إلى "الصب والنحت" وطبعاً بطريقة فنية».

إن هذه المراحل تستغرق وقتاً وخاصة مرحلة تجفيف القطع: وهي تختلف من فصل لآخر حيث أنني ألون القطعة بعد يومين في الصيف مقابل خمسة أيام في الشتاء

وتابع حديثه قائلاً: «كنا في بداية هذه المهنة نعمل أنا وابن عمي الذي أعتبره بمثابة أخٍ لي، حتى أنني دائماً أدعوه بكلمة "أخي"، ذلك لأننا شقينا وتعبنا كثيراً حتى تمكنا من معرفة أسرار هذه المهنة وخفاياها، وطبعاً كان ذلك بالاعتماد على مجهودنا الشخصي الذي يرتكز على حب الإطلاع بالدرجة الأولى».

صمديات ملونة من الجبصين

وللتعريف الدقيق عن مهنته تحدث السيد "فايز الدبيات" قائلاً: «مهنة صناعة تماثيل الجبصين تعتمد على صب هذه التماثيل في قوالب خاصة، ثم تشذيبها وتلوينها لكي توضع كزينة في المنازل والمكاتب وفي أي مكان، وأنا بالنسبة لي لا أكتفي فقط بالصب في القوالب الجاهزة، بل أقوم بنحت الكثير من القطع يدوياً وخاصة التماثيل الكبيرة، ودائماً أبحث عن الأفكار الجديدة متخلياً عن القديمة منها، وأحياناً أدمج أفكار التماثيل ببعضها لتعطي جمالية أكثر، حيث أقوم بـ"نحت" الفكرة الجديدة، أو نموذج الدمج الجديد ثم أصب له قالباً خاصاً مما يمكنني صناعة التمثال الجديد بأعداد كبيرة».

السيد "فايز الدبيات" فصّل لنا خطوات صناعة التمثال حين قال: «عندما يكون القالب جاهزاً، أمزج الجبصين جيداً بالماء بواسطة التحريك السريع والمتواصل لعدة دقائق حتى يصبح لزجاً، ثم أسكبه في القالب مع إضافة علّاقة معدنية في طرف التمثال، وبعد أن يجف أزيل القالب، وأنظف التمثال وأشذبه، الخطوة التالية هي غمس التمثال في مادة تدعى "سلر مائي"، ومن بعدها غمسه أيضاً بمادة الطلاء الشفاف "اللكر"، والتي تساعد على تلوين التمثال بشكل جيد، كما أن بعض القطع تكون بحاجة إلى إصلاح لكونها تحوي بداخلها فقاعات هوائية كانت قد نتجت أثناء مرحلة الصب، فأقوم بإصلاحها مما يستهلك جهداً مضاعفاً».

قبل وبعد التلوين

وأضاف قائلاً: «إن هذه المراحل تستغرق وقتاً وخاصة مرحلة تجفيف القطع: وهي تختلف من فصل لآخر حيث أنني ألون القطعة بعد يومين في الصيف مقابل خمسة أيام في الشتاء».

الخطوة الأخيرة هي التلوين، وهي عملياً أكثر المراحل صعوبة لكونها تعطي التمثال الرونق الذي يلفت أنظار الزبائن، هذا ما أوضحه السيد "فايز الدبيات" حين قال: «لكل قطعة طريقة خاصة بالتلوين مناسبة لشكلها ونموذجها، وأنا شخصياً أجد متعة كبيرة في اختيار الألوان ومزجها، وأعد نفسي محترفاً بهذا المجال، ولي دائماً لمسة فنية خاصة أضعها في جميع التماثيل»

بعض من منحوتاته

وأضاف شارحاً طرق التلوين المتبعة في مهنته فقال: «القطع الصغيرة العادية ألونها بألوان مائية صينية الصنع خاصة بالجبصين والبلور المعشق، وهناك طريقة أخرى وهي "التعتيق"، والذي تصبح فيه القطعة مطلية تماماً بلون برونزي أو فضي، حيث أن اللون الأسود يدخل مع أحدهما لإعطاء أماكن الظل والتموج في القطعة، ومن طرق التعتيق أيضاً التعتيق بـ"البودرة" أو حتى بالتراب الأحمر، حيث أن القطعة تبقى بيضاء بخارجها، لكن ثناياها تميل إلى اللون الترابي، هذا ما يعطيها طابعاً أثرياً يرغب به الكثيرون».

وفي لفتة طريفة منه قال ضاحكاً: «من المواقف الطريفة التي حدثت معي أني بدأت بتلوين قطعة في وقت كانت "بودرة" الألوان فاسدة، فبعد أن انتهيت من تلوينها باللون الأحمر اكتشفت أنها أصبحت خضراء!».

ثم تحدث لنا عن نوعية النماذج التي يصنعها ومميزاتها فقال: «أعتمد في نماذجي كثيراً على ما يدور في ذهني من أفكار، فأقوم بنحتها ثم أصب لها قالباً كما ذكرت والحمد لله أني أمتلك القدرة على نحت أي فكرة أو أي شكل يمر عبر مخيلتي، وأحياناً أرى في "السوق" أشكالاً ودمى تعجبني فأشتريها وأصب لها قالباً من مادة المطاط الحراري، أما عن نوعية هذه النماذج فإنها تتنوع كثيراً بين تماثيل الحيوانات والسفن وبعض الشخصيات الكرتونية، ومنها ما يحمل قيماً معنوية مثل تماثيل الصليب، والسيد المسيح، والسيدة "مريم العذراء"، بالإضافة إلى التماثيل العادية المعروفة مثل تمثال الإلهة "فينوس"».

وعن أهم النماذج التي يطلبها الزبائن قال: «أكثر ما أقوم بصنعه شعبية هي "مغارات عيد الميلاد"، والتي تحتاج تقنية خاصة في الصنع، حيث أنها في النهاية تكون منارة بألوان مختلفة ومتضمنة عدة تماثيل منها تمثال السيدة العذراء ومولودها، هذا إضافة إلى "مسجلة" خاصة بالسيارات أضعها بطريقة مخفية، فتكون بذلك "تراتيل" الميلاد مسموعة من داخل المغارة، وهذا ما أعجب الكثيرين».

أيضاً حدثنا عن تسويقه لهذه القطع فقال: «أنا لم أذهب يوماً لأحد لكي أعرض عليه بضاعتي، أي أن زبائني جميعهم يأتون من جميع المحافظات السورية إلى هذه الدكانة الصغيرة، ومنهم من يقوم بتوصيتي على أعداد كبيرة يتاجرون بها وخاصة في الشتاء تزامناً مع عيد الميلاد، وفي فصل الصيف يقل الطلب كثيراً مما يدفعني للعمل في ديكورات الجبصين، والأسقف المستعارة، وعدة أشياء أخرى، وأنا لم أفكر كثيراً بالتجارة إضافة إلى التصنيع لأنني موظف في مشفى "سلمية" الوطني، لكني أفكر في تطوير دكانتي إلى ورشة ضخمة أنوي بنائها في قطعة أرض لي خارج المدينة».

يتضح لنا أنه فنان في مجال النحت لكن ظروفه لم تتح له دراسة النحت أكاديمياً، ولكل فنان علاقة بمنحوتاته تحدث عنها السيد "فايز الدبيات" حين قال: «أحياناً أشعر أن منحوتاتي هي أولاد لي، وأخاف عليها كثيراً لدرجة أنّي غالباً لا ألون المنحوتات الكبيرة،فأنا أشعر أن الألوان يمكن أن تفقدها قيمة فنية ما، وغالباً أيضاً يعز علي بيعها، فأحتفظ بها لنفسي أو أهديها لبعض المقربين».

وفي كلمة أخيرة قال: «أتمنى أن يتمكن كل إنسان من أن يعمل في المجال الذي يحبه، لأنه حتماً سيبدع فيه، وأن يبتعد عن المهن التي لا يحبها ولا يستطيع إتقانها، لأنه سيسيء لنفسه وللآخرين وأيضاً لتلك المهنة أيّاً كان تخصصها».