كان صوت رحاها قديما يملأ القرية المجاورة صخباً وحياة، إلا أن الناظر إليها اليوم يستطيع أن يسمع صداها بعد أن توقفت لأسباب عدة، إنها طاحونة "البنجكية" التي كانت منذ القديم تطحن القمح وتبيعه إلى أهالي منطقة "حمص".
تقع الطاحونة فوق نهر العاصي مباشرة في منطقة "القصير" بجانب قرية تسمى "تل النبي مندو" أو مملكة "قادش" القديمة، التي يتعانق فيها مجرى نهر "العاصي" مع مجرى نبع "عين التنور" وتبعد عن مدينة "حمص" نحو خمسة وثلاثين كيلومتراً جنوب بحيرة "قطينة".
كان للطاحونة شأن صناعي كبير خلال القرنين الماضيين بالنسبة لضخامتها وإنتاجها، ونظراً لأهميتها كان هناك مثل شائع منذ القديم نسمعه حتى الآن بين التجار الحماصنة عند خسارتهم في عملهم يقول: "ليش زعلان هل خسرت طاحونة البنجكية"
للتعرف أكثر على هذه الطاحونة وتاريخها العريق التقينا السيد "مروان شريط" أحد الورثة الملاكين لها فتحدث قائلاً: «تبلغ مساحة طاحونة "البنجكية" حوالي /242/ متراً مربعاً، وهي من طواحين القمح التجارية، تعمل على الطاقة المائية ولها ستة أحجار رحى لطحن القمح وتحويله إلى طحين، وكانت تعد من أكبر الطواحين القديمة في بلاد الشام من حيث طاقة إنتاجها».
وأضاف "شريط": «على ضفاف هذا النهر وبالقرب من هذه الطاحونة بالذات دارت خلال التاريخ معارك طاحنة بين الحثيين والفراعنة دامت حوالي مئة عام وانتهت بعد ذلك بمعاهدة السلام الشهيرة، في عام /1259/ قبل الميلاد، حيث تم وقف القتال نهائياً، وعدم اعتداء الطرفين على أراضي الآخر».
وعن أهمية هذه الطاحونة قديماً قال: «كان للطاحونة شأن صناعي كبير خلال القرنين الماضيين بالنسبة لضخامتها وإنتاجها، ونظراً لأهميتها كان هناك مثل شائع منذ القديم نسمعه حتى الآن بين التجار الحماصنة عند خسارتهم في عملهم يقول: "ليش زعلان هل خسرت طاحونة البنجكية"».
وحول الحجارة الفريدة المبنية منها الطاحونة يقول السيد "مروان": «الطاحونة مبنية من الحجارة البازلتية السوداء والأحجار الكلسية البيضاء، وقد رممت الطاحونة عدة مرات بسبب عوامل الطبيعة، وهي تستند على أعمدة بازلتية وتيجان حاملة للسقف، ومرممة ببعض الحجارة القديمة التي جلبت على الغالب من "تل النبي مندو" وهي تعود إلى آلاف السنين، وقد توقفت عن العمل نهائياً عام /2000/ بسبب انتشار الطواحين الكهربائية.
وتحتوي طاحونة "البنجكية" على ستة أحجار لطحن الحبوب، تعمل عن طريق ناعورة مياه ملحقة تحرك الأحجار بعد أن يضرب الماء فيها».
وعن حال الطاحونة اليوم يقول السيد "شريط": «للطاحونة اليوم الكثير من الورثة وتعود ملكيتها إلى ورثة السادة: "نديم شريط"، و"عيسى فركوح"، و"راغب الحموي"، وآل "نسيم" وآل "عبد النبي".
وهي واقفة عن العمل بسبب صعوبة موضوع حصر الإرث، وحالياً السياح الذين يزورون مملكة "قادش" المجاورة يعرجون على هذه الطاحونة القديمة التي نطالب الجهات المعنية بترميمها لتكون أحد مواقع الجذب السياحي الاستثماري، ويراودني طموح للاستفادة من طاحونة "البنجكية" إن أمكن مستقبلاً بإقامة مشروع سياحي، عبارة عن مطعم على شكل هرم فوق الطاحونة إحياءً لذكرى المصريين القدماء الذين سكنوا في تلك المنطقة».
